امرأة لم تخلق للحزن

كتبها فيصل عبد الحسن ، في 17 أغسطس 2008 الساعة: 22:17 م

                                     
 
 
امرأة لم تخلق للحزن…
 
فيصل عبد الحسن *
       عاد زوجها في ساعة متأخرة من الليل يترنح كعادته بعد جلسة مع أصدقائه، وهي العادة الذميمة التي دأب في تكرارها في الأيام الأخيرة، و بعد أن فتح باب الشقة بمفتاحه الخاص وسار متعثرا في طريقه إلى غرفة النوم سقط مثل قتيل قربها على الفراش، وأخذ غطيطه يعلو بعد وقت قصير، فاكتفت- كما اعتادت أن تفعل في الأيام الأخيرة- بنزع حذائه، وفتح أزرار سترته، وتوسيع حلقة ربطة عنقه، وفي أول عودة مخمورة له قبل أيام أخبرها، أن حياتهما دمرت وأن لا أمل لهما في الوقت الحالي في الأقل، وأنه استلم نتيجة الفحص الطبي السلبية، وان أملهما في الإنجاب محدود، وقد اخبره صديقه الطبيب بعد أن قرأ التقرير الطبي أن من الممكن أن يلج البعير من سم الإبرة بهذه النتائج من أن تحمل زوجته بهذه الحيامن الضعيفة التي يملكها و حالما تخرج للحياة حتى تموت متحللة إلى عناصرها الأولية، ولأن زوجها يعتقد أن نصف حياة المرأة في لسانها والنصف الآخر في دموعها فقد رأى من الأصوب له كما أخبرها أن يغرق وحده في بحر الأحزان، وحتى تستمر الحياة فعليه أن يبدد جزءا من هذه الأحزان مع شلة الأنس من أصدقاء السوء في المساء..
 وكثيرا ما حاولت أن ترتب أفكارها لتستوعب ما سمعته لكنها كانت ترى أشياء الغرفة تتدهور كما حياتها، الدمية الصغيرة التي وضعتها على الرف، وملابس الدمية التي تحتفظ بها في دولاب الملابس رأتها تتطاير في الغرفة مثل خفافيش سود، ومثل دخان يختفي متبددا من كوى الغرفة وأعلى زجاج النافذة المحطم، الذي لم يتم تبديله منذ كسر برمية كرة من كرات أطفال الحي العشوائية..سمعته يقول لها أو أنها ظنت أنها سمعته يقول من بين أسنانه بغضب وحقد غريبين: لو كنت أنت السبب فسأجد مائة امرأة أخرى غيرك لتعطيني الولد الذي أريد..
فكرت أن الزواج مشكلة حقيقية اختارها الإنسان وفرضها المجتمع، ولن تنسى الفيلم الذي عرضه التلفزيون قبل أيام عن أشكال العلاقات الإنسانية قبل فرض الزواج حسب قوانين الأرض والسماء على الناس، كانوا سعداء ! هل كانوا سعداء قبل اكتشاف خطة الزواج ؟ لا تدري ولكن ما الذي جعل الناس يوافقون على جعل الزواج الأساس و العقدة التي تربط كل أجزاء البيت ولولاه لأنهار كل شيء، أمن أجل فراش واحد يجمع الرجل والمرأة أو مائدة واحدة أو مصير واحد لا يتغير حتى لو كتب على واحد منهما أن يكون تعيسا، فعلى الآخر أن يشاركه مائدة التعاسة بإرادته أو من دونها ؟
        تتذكر في أيام الزواج الأولى غيرة زوجها المجنونة عليها فهو لا يطيق أن تقع عينا رجل عليها وكثيرا ما ردد أمامها قولا لا تدري من أين سمعه: لا توجد امرأة تستطيع أن تقاوم رجلا يطيل النظر إليها..
وقالت له أن هذا القول سخيف ولا يعني شيئا والمرأة أكثر حكمة من أن تفعل بها نظرة رجل ما لا تريده هي في داخلها، وأن تلك المرأة ساقطة حتى من د

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

موقع الكاتب وعنوانه البريدي

كتبها فيصل عبد الحسن ، في 17 أغسطس 2008 الساعة: 22:17 م

عنوان الكاتب فيصل عبد الحسن الالكتروني

      faissalhassan@maktoob.com       

منفى إيلاف انقر الوصلة أدناه :

http://faisal.elaphblog.com/page.aspx?U=394  

  121050

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

وحمدت الله لأني فقير..

كتبها فيصل عبد الحسن ، في 17 أغسطس 2008 الساعة: 22:15 م

وحمدتُ الله لأني فقير ..
     here
 
        فيصل عبد الحسن*
   
 التقيت به أول مرة  وقد بدا لي جائعاً ، بلحية نامية وملابس رثة . كان يجلس على صفيحة زيت فارغة عند باب دكان أحد أبناء أصدقائي ، وقد أمسك بيده ربابة لها وتر واحد ، وأخذ يغني بصوت عذب :
        توهمه  قلبي  فأصبح  خده          وفيه مكان الوهم من نظري أثر
        ومر بوهمي خاطراً فجرحته          ولم أر جسماً  قط  يجرحه الفكر
ثم عزف بربابته فهز وجداني ، وأطلق خيالاتي وأحلامي من عقالها ،وبعد قليل صمت وأخذ صوته يعلو ، مهدداً التجار بالويل والثبور والخسارات الكبيرة ، ويطلب منهم أثناء ذلك شراء بضاعة معينة . كانت أسعار البضائع في صعود ونزول بسبب التضخم الاقتصادي في البلاد الذي فاق كل التوقعات ، لقد أخبرني أبن صديقي عندما استقبلني :
            - لولا صوته العذب لما سمحت له بالجلوس عند باب دكاني ، وكما ترى فأنه يجود علينا    بين الحين والآخر بأبيات شعرية مصحوبة بعزف ربابته .
       دققت النظر في وجه الرجل : لم يبد عليه أنه من متسولي السوق الذين أصادفهم كل يوم في تجوالي فيه…ضحك أبن صديقي وهو يناولني الكرسي أجلس قريباً من مكان جلوسه داخل الدكان كعادتي عندما أزوره ،وقبلها في ذلك الزمن الذي مضى حين كنت أزور أباه يرحمه الله
     جلست ورأيت صورة أبيه المعلقة تبتسم لي ككل مرة أجلس فيها مع أبنه في الدكان ، وكان أبوه يرحمه الله بشوشا، ضحوكاً ، محباً للنكتة وأتذكر إنه كان يسافر من مدينة إلى أخرى ليسرد نكتة لصديق له ، أو ليستمع منه إلى نكتة، وعندما مات وشيعناه -نحن أصحابه- لم نطق جو الحزن والكآبة في المعزى، فأخذنا نردد بعض نكاته الشهيرة التي كان يستهزئ بها من الحياة الدنيا ناقلين قوله ( انه التقى  يوماً  بأحد الثقاة  ، وكان ذلك التقي إذا صادف شيخاً بكى ، وقال هذا سبقني إلى الطاعة ، وإذا رأى طفلاً بكى وقال هذا سبقته إلى المعصية وبالنتيجة انتهت حياة التقي بالبكاء من غير أن يعمل صالحاً في حياته ينتفع به الناس ..) ومن النكات التي ترددت في المعزى ذلك اليوم نكتته الشهيرة :     )أنه كان ببغداد امرأة ضاق بمعيلها العيش وندرة العمل فطلبت منه أن يسافر إلى مدينة أخرى باحثاً فيها عن عمل  ، وعندما لم يستجب لها ألحت عليه ، حتى سافر فراراً من إلحاحها وليس حبا بالبحث عن عمل ، وشاءت قدرة الله أن يرزقه هناك بعمل ووسع عليه بالرزق فربح ألف دينار،  وأشترى بما ربح ناقة ، وعاد بها إلى بغداد ، وفي الطريق ضايقته الناقة بسبب هياجها الزائد ، وعدم قدرته على ضبطها ، وقيادها ، وفي مرة من مرات هياجها رفسته رفسة مؤلمة ،كادت أن تقتله ، فتذكر زوجته التي ألحت عليه بالسفر فأزداد غضبه منها،وحلف بالطلاق منها إنْ وصل بغداد  سيبيع الناقة المتهيجة بدينار واحد ، نكاية بزوجته اللحوحة ، وعندما وصل إلى بغداد ندم على قسمه ، وأخبر زوجته بالقصة ، فقامت إلى قلادة من الزجاج الملون الزهيد الثمن ، ووضعتها حول رقبة الناقة ، وقالت له عندما تدخل السوق ناد عليها: من يشتري هذه القلادة بألف دينار والناقة بدينار واحد، ولا أفرق بين الناقة والقلادة بالبيع… فجاء بدوي وأخذ يدور حول الناقة ، صائحاً بإعجاب :   ما أجملك من ناقة، وما أ فرهك وأحسنك لولا هذه القلادة في عنقك )
    وأخذت الضحكات تتعالى من أفواه أصدقاء أبيه في المعزى ، وكان أهل العزاء الذين يعرفون ميتهم تمام المعرفة يغضون الطرف ، وهم يعلمون أنّ ميتهم لم يحزن يوماً قط لأي سبب من الأسباب ، وكان يواجه الحياة بابتسامة دائمة وقهقهة عميقة ، ونظرت إلى ابن صاحبي وقلت في نفسي : الولد سر أبيه وقال مقاطعاً  ذكرياتي :
     - كان تاجرا  وأفلس أثناء تقلبات السوق فلم يحتمل المصيبة وفقد عقله كما ترى ، إلا                أنه يستطيع أن يتنبأ بما ستؤول إليه أسعار البضائع في السوق ، وأيها سيرتفع ثمنه أو   ينخفض …فدهشت ونظرت إلى ابن صديقي مستوضحاً ، فأكمل :الغريب في الأمر أن كل ما يقوله حول الأسعار يتحقق بسرعة ، ولانه مجنون فلا يصدق أحد نبوءاته . وفي هذه اللحظة نادى أحد عمال الدكان على ابن صاحبي أن يأتي لينظر البضاعة الجديدة في المخزن ، وكنت اعرف من تجارب سابقة لي مع والده ومعه أنه سيغيب عني في المخزن في احسن الأحوال لمدة نصف ساعة ، وعلي في هذا ال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

طعام الأُسود…

كتبها فيصل عبد الحسن ، في 17 أغسطس 2008 الساعة: 22:14 م

569sanفيصل عبد الحسن

 
 
قدمتني السكرتيرة إلى مدير الحديقة . كانت صغيرة ، فاتنة ، ولها لفتة ظبي وعينا يمامة ، ويبدو إنها أوضحت للمدير سبب مجيئي للحديقة قبل دخولنا عليه ، فقد حد جني المدير بنظرة متفحصة ثم رأيته يشيح بوجهه عني ، وحدست بخبرتي إنه سيعبر لي عن رفضه ، ويعتذر عن تعييني في الوظيفة الشاغرة ، فاندفعت صوبه أرجوه أنْ يعطيني هذه الفرصة ، وكررت أمامه إني سأبذل ما في وسعي من جهد في هذا العمل وبمنتهى الأمانة والإخلاص ، نظر إلي المدير من جديد كأنما ليتأكد من صدق توسلاتي وبعد أنْ فكر قليلاً بدا وكأن قلبه رق لحالي ، لكنه هز رأسه متشككاً في قدرتي على تأدية متطلبات الوظيفة ، وسألني أنْ كنت قادراً على العيش مع الأسُود ؟ !! وهذه هي حقيقة العمل المطلوب كما وضح لي … وردد : العيش مع الأُسود وأُسود معقدة تكره حتى نفسها لأنها لم تذق اللحم الحقيقي منذ تشرفت بالعيش معنا .. ( وضحك ) ، فأجبته : أنني أستطيع ذلك ، وهذا هو العمل المناسب الذي كنت أبحث عنه، قال المدير بنفس لهجته الساخرة:( ربما سنطلب منك يوماً تنظيف أسنان الأسُود بالفرشاة ومعجون الأسنان !! )
فكرت : ( طول عمري لم أسمع أنّ أحداً نظف أسنان أسد في حديقة حيوان أو سيرك بفرشاة ومعجون أسنان ..)
وتساءلت : ربما كانوا يفعلون ذلك دون أن أعرف ، فمن يعرف أسرار هذه المهن الصعبة ؟
لم أستطع التراجع عن استعدادي للعمل بالرغم من جسامة المخاطر الموعودة وإحساسي ببدني يرتجف فرقاً منذ الآن . حقيقة كنت بحاجة ماسة للعمل وأضفت لتلك الحاجة الاستحياء من إظهار خوفي أمام السكرتيرة الصغيرة الحلوة ، ومديرها الذي لم يترك وسيلة لم يستخدمها لتخويفي من العمل إلا وتحداني بها .. وأخيرا أمام صمودي البطولي الكاذب هز المدير رأسه موافقاً على تعييني كمساعد مُطْعِم للأسود – تحت التجربة – فكرت في نفسي : إنني لم أجرب إطعام أسود من قبل … لكنني لم أنبس بكلمة ، وخرجت من غرفة المدير مرتبكاً أتبع السكرتيرة لتسجيل بياناتي في مكتب شؤون العاملين المجاور ، وأنا أفكر بطريقة تجنبني هذا العمل الخطر وسأبذل أي جهد لأجد من يتوسط لي لنقلي إلى عمل آخر في الحديقة غير هذا العمل ، والمهم الآن إنني وضعت قدمي في هذا المكان ووجدت عملاً في مدينة العاطلين هذه ، وبعد أنْ سجلت بياناتي أصطحبني أحد العاملين في جولة تعريفية بأقسام الحديقة ، فلاحظت الأسود كسيرة النفوس مهيضة العزة ، ولا تبدو عليها مهابة الأسود التي نراها عادة في الصور الفوتغرافية وأفلام التلفزيون .
عرفت من العامل أنَّ عملي يتلخص بتقطيع شرائح اللحم لتقديمها إلى الأسود والنمور واللبؤات مرتين في اليوم ، المرة الأو

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

امرأة مجنـونـــة بحـبـه ….

كتبها فيصل عبد الحسن ، في 17 أغسطس 2008 الساعة: 22:11 م

 
 
امرأة مجنـونـــة بحـبـه
 
فيصل عبد الحسن *
 
جلست المرأة الشابة على المقعد الخالي إلى اليسار من بوابة المقهى ، حابسة دموعها بصعوبة ، ناظرة بعينيها الحزينتين عبر النافذة الزجاجية المطلة علىالحديقة الكبيرة التي يضمها الفناء الواسع المحيط بالمبنى الشتوي للمقهى ، وقد بدا الضباب كثيفا عند أعلى  الزجاج ، الذي تقوس من الأعلى مع جدار النافذة. كانت في الخامسة والعشرين ، رشيقة القد وتعلو وجهها الأبيض الممتلئ بنمش خفيف كآبة عميقة ، وقد وضعت على قمة شعرها الأسود المنسدل على كتفيها قبعة صوف حمراء بكركوشة  تميل إلى الجانب الأيسر من وجهها المدور. كان المقهى فارغا تقريبا إلا من بضعة طالبات من الجامعة القريبة يعدن استنساخ محاضرات فائتة على الجهاز القديم في يمين المقهى بمساعدة مستخدم المقهى ، وكانت ضحكاتهن تعلو بين الفترة والأخرى. كانت المرأة ، الهاربة فيما يبدو من وظيفتها أو من بيتها ، أو ربما من بيت أهلها تشعر بالحرج من جلوسها في هذا المقهى الذي سمعت عنه القصص والروايات وكلها تحكي عن سمعته السيئة ، وقد أقسمت لها صديقتها هدى بأغلظ الإيمان ، محاولة التقليل من أذى شعورها بالغيرة وحبها المجنون لزوجها لأنه  يؤم هذه المقهى بعد الغذاء كل يوم إنها مجرد إشاعات ولا أساس لها من الصحة ، وأن المقهى كغيرها من مقاهي الدار البيضاء يؤمها الرجال والنساء وما يحدث فيها هو ما يحدث عادة في كل مقاهي المدينة : لقاءات بين الجنسين وأحاديث متشعبة وضحكات  ومشروبات باردة وساخنة وآيس كريم وحلويات وتدخين سجائر ، ومواعيد للقاءات جديدة لمزيد من الأحاديث والتعارف والضحك ، ولا شيء غير ذلك في تلك الأمكنة العامة المعروفة في المدينة ، لكنها لم تصدق ذلك  وأرادت أن  تثبت هواجسها بنفسها ، وفكرت أنها عندما تجد الدليل على خيانته لها ، عليها أن تفعل ما يؤذيه طوال حياته ، فلقد آذاها كثيرا ، ولم يعد باستطاعتها تحمل المزيد من الأذى ، ومن جديد مسحت نظراتها القلقة نافورة الحديقة وشجيراتها الباسقات وقد امتلأ الجو بعطر أخاذ منبعث من شجيرات الورد والفل والياسمين والنرجس التي يعتني بها نادل المقهى شخصيا لغرامه بالزهور والرياحين.
راقب النادل حركات المرأة من بعيد والتي بدت له متوترة وانعكست ورود  فانيلتها الصوفية البيضاء على زجاج النوافذ ، واسترسل شعرها فوق المنضدة التي التصقت عند قمة الزجاج ، وكعادته مع الزبائن الجدد اقترب منها ، فسمعها تقول له بصوت فيه بحة خفيفة : شاي من فضلك !
 
مسح المنضدة بقطعة قماش وقبل أن يغادرمنضدتها لتلبية طلبها سألته :
 
ألا يجيء محمود إلى هنا بين فترة وأخرى ؟
 
نطقت الاسم وحركت كفها بعشوائية وكأن الجميع يعرفون زوجها محمود. فكر النادل المسن لحظات. كان قد غادره الشباب منذ فترة طويلة واصطبغ شعر رأسه بالبياض وبدا للمرأة الشابة ضئيلا ووجه مصفرا إلى درجة المرض ، لكن ثمة بريقا محببا في عينيه كلما حدق في وجه امرأة. أشارت بيدها :
 
إنه طويل ، وشعره أصفر كالتبن
 
ومضت في رأس النادل صورة زوجها ومعه شابة جميلة يصطحبها إلى مائدة منعزلة كل يوم ويغادران بعد الغداء بساعة إلى مكان آخر ، وهما على هذه الحال منذ سنة تقريبا ، أكملت المرأة  متلعثمة : إنه زوجي…
 
تمتم النادل بدبلوماسية محاولا التغلب على مشاعر توتر بدأت تسيطر عليه :
 
أهـ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

منشورات الكاتب

كتبها فيصل عبد الحسن ، في 17 أغسطس 2008 الساعة: 22:09 م

 

     

 رواية عراقيون أجناب… صدرت في المغرب عام 1999

   ام

 

 

       مجموعة قصص أعمامي اللصوص صدرت في القاهرة عام 2000 عن وكالة الصحافة العربية            

 

قاه

                             

مجموعة قصص العروس صدرت في بغداد عام 1986                            

 

 

 

 

ربيع كاذب مجموعة قصصية صدرت في بغداد عام 1986                         

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

وجه ميت بعينين مبصرتين …

كتبها فيصل عبد الحسن ، في 17 أغسطس 2008 الساعة: 22:08 م

 

 
وجه ميت بعينين مبصرتين
    إلى الشاعر المتألق : أديب كمال الدين 

 فيصل عبد الحسن *
في تلك المدينة الكئيبة ، حين كنت عاملاً فيها بالأجرة ألتقيته أول مرة ، ومنذ أول يوم بل منذ الساعة الأولى التي ألتقيته فيها ، وهو يحدثني عن أمه ..كنا في ذلك الوقت لم نتجاوز الخامسة عشرة من عمرينا . كان مفتوناً بأمه ،لم أعرف في ذلك العمر الغض سبب ولهه بأمه ، وعرفت بعد ذلك منه إنه كان يتيماً ، وأنّ أمه رفضت كل العرسان الذين تقدموا إليها ، وقد أقسمت أغلظ الأيمان إنها سترعى أبنها الوحيد ، ولن تقترن بزوج آخر ، حتى آخر يوم في عمرها . وكنت في ذلك الوقت قد اضطررت للعمل بسبب مرض أبي وتوقف مصدر رزق عائلتي ، وطيلة الوقت كنت أنظر إلى زميلي في العمل بارتياب ، وأنا أتذكر وصايا أمي بعدم الاختلاط بأولاد الشوارع ، ولا أدري حتى هذه اللحظة ماذا كانت تعني بكلمتي [أولاد الشوارع] إلا أنهما كانتا تعنيان لي وقتها: الأولاد الذين اخترقوا الأعراف الاجتماعية وتحولوا إلى سراق ومدمني خمر ولا يتورعون عن فعل أي شيء يقودهم إليه مزاجهم وتفكيرهم الأعوج ، وكان داخلي – أنا أبن البيوت – خوف غريزي عظيم منهم .
لقد كان زميلي في العمل من تلك الفئات غير المتعلمة ، التي نَذَرَتْ أرواحها منذ نعومة أظفارها للحصول على لقمة العيش ، ولم تتعلم من اللغة سوى كلمات نابية ، بذيئة ، وأخذتُ طيلة الوقت أفكر بسوء الحظ الذي ألقى بي في دروب هؤلاء غير المتعلمين وبهذا العمر المبكر ، وفي الحقيقة أن الفرق بيني وبينه أنني كنتُ أواصل دراستي بعد العمل وهو كان يعمل لفترتي عمل لإعالة والدته .
في أوقات الراحة كان زميلي في العمل يحدثني عن أمه وكان صاحب العمل يناديه باسم [ كاظم حيانية ]وكان أسمه منسوباً إلى مدينته الكبيرة ، التي تضم الآلاف من الفقراء . لم أكن أعرف في البداية لِمَ نسبوه إلى مدينته ، لكنني عرفتُ فيما بعد إنها حيلة شيطانية من صاحب العمل ، حتى يحمل – كاظم – أحمالهم الثقيلة، فكلما وقعتْ عيونهم على حمل ثقيل ، قالوا [ لا يقدر على نقله أحد غير كاظم حيانية ] وكانوا – صاحب العمل ومعاونوه – ينظرون صوبي بازدراء ، لكوني من طلاب المدارس – ضعاف البنية – الذين لا يصلحون لشيء وكان كاظم حيانية يهرع إليهم مشمراً عن ساعديه الموشومتين بسيوف وعقارب وقلوب حب زرق ، وعندما أحاول الاقتراب منه لأساعده يشير لي بيده أن أبتعد ووسط تصفيق الحاضرين وتشجيعهم يحمل الأحمال الثقيلة وينقلها من مكانها القديم الى المكان الجديد .
عندما نجلس معاً لتناول طعام الغداء في زاوية المقهى الصغيرة ، كان يفخر بأنه صديقي ، ويقول لعمال المحلات القريبة وحالهم مثل حالنا – عني – أنّ صاحبي يدرس في الثانوية وبعد سنوات قليلة سيتخرج ليصبح موظفاً كبيراً في الدولة ، وعمله الحالي ليس إلا مرحلة مؤقتة ، وكانت أقواله تشعرني بالخجل ، لكنني في ذات الوقت أشعر باعتزاز عميق بنفسي بعد أن أذلتني الخرق البالية ، التي أرتديها ، لما تتطلبه ظروف العمل . وفي تلك الظهيرة الشتائية حدثني عن نيته لشراء ثوب أسود تتمنى أمه أن ترت

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

شجرة الحب …

كتبها فيصل عبد الحسن ، في 17 أغسطس 2008 الساعة: 22:07 م

 

                         

فيصل عبد الحسن/ كاتب  وصحافي عراقي يقيم في المغرب          

عادا من الجمعية التعاونية بعدأن تسوقا ما يحتاجانه من مواد غذائية والشمس تغرب والافق يشتعل بحمرة قانية .  كانت مكلفة بعمل مسائي في مقر عملها حتى الساعة السابعة مساءً قبل ذلك التبضع المتعب،كان زوجها فرحا بطبق البيض الكارتوني الذي حصلا عليه من الجمعية المخصصة لذي الدخل المحدود بسعر مخفض ولديهم الآن  ثلاثون بيضة إلاواحدة …

تهشمت تلك الواحدة عندما دفعه المسؤول عن التوزيع في السوق ، معتقداً أنه تجاوز على دور غيره في الطابور ، وبالرغم مما لقياه أثناء يومهما من متاعب أثناء العمل وبعد ذلك في التعاونية إلا أن زوجته وجدت المزاج الرائق لتضع رأسها على كتفه عند العودة ، وأخذت خصلات شعرها تتطاير حول أنفه ووجهه، وقد صبغت شعر رأسها قبل فترة قصيرة بصبغة مغشوشة مما عرض شعرها لأن يصير مثل خيوط الليف ، وجعلها تبكي لمصير شعرها مدة يومين ، وصدعت له راسه عن مصير اولئك الناس الذين يغشون غيرهم، متمنية أن يحاكم من يخدع ابناء جلدته بهذا الشكل، ويعاقب بأقسى انواع العقوبات وأولها أن يستخدم المادة المغشوشة على نفسه أمام الجمهور ليصير أضحوكة، لكنها نسيت كل ذلك بسرعة عندما اعطتها احدى صديقاتها  زيتاً طبيعياً مأخوذاً من شجرة أفريقية ضخمة تسمى شجرة الزان  ، فسرحت به شعرها فزالت خشونته، لكنه بقي يثير رائحة قوية منفرة تذكر برائحة الاغصان المقطوعة لتوها ، ولانها لاتستطيع أن تشم شيئاً لعيب ما في أنسجة أنفها منذ الولادة كما أخبرته في فترة حبهما الاولى، فبقي وحده يعاني من تلك الرائحة غير المقبولة ليلاً ونهاراً، ولم ينبهها الى ذلك مخافة أن تغسل شعرها من ذلك الزيت المتعفن ، فيعود شعر رأسها خشناً كخيوط الليف فتعاود البكاء من جديد على نعومتة المفقودة ، كانت تتنهد بين لحظة وأخرى طيلة قطعهما مسافة الطريق بالحافلة بعد ذلك وقد كانت ممتلئة تماماً بالناس العائدين الى بيوتهم بعد يوم عمل متعب ، وأخذت تقول له هامسة : ( احببتك منذ اللحظة الاولى التي رأيتك فيها… )

قال ضاحكا من رومانسيتها :

 - (أننا متزوجان منذ أربع سنوات ، ولا زلت تذكرين كل ما حدث لنا في فترة حبنا الاولى ، لك ذاكرة مدهشة  حقاً، وتذكرين ذلك مباشرة بعد معركة الحصول علىا لبيض التي خضناها مع غيرنا …)

 -  ( لا تهمني كل هذه الصعوبات . ما دمت تحبني كما كنت .)

شعر بالشفقة عليها ، أنه لم يكن الشخص المناسب لها ، هو يعرف ذلك ، ولكن الحب اعمى مثلما يقولون ، إذ بالرغم من وظيفته الصغيرة وراتبه المحدود وعدم تكميله الدراسة الجامعية ، ومواهبه المحدودة إلا انها وافقت على الارتباط به، وهي الابنة الوحيدة لعائلة كبيرة ومعروفة وقد كان أبوها وكيل وزارة سابق ، أما هو فقد  عاش

 

 

طفولة بائسة، وقد أكملت دراستها الجامعية بتفوق ، و بالرغم من معارضة عائلتها لهذا الزواج الذي حرمها من متابعة دراستها العليا بالخارج ، مثلما تؤكد و تكرر أمها لكل من يسأل عن احوال أبنتها من المعارف والا قرباء الشامتين بمصيبتها كما تعتقد ، ألا أن الابنة أصرت على الاقتران بمن تحب ، وتم لها ما أرادت وأقترنت به وعاشا حياة مغمسة بالحرمان والحاجة ، لكنها كانت سعيدة على كل حال ، إذ كان يكفيها أن تحلم بحيازة ما ينقصها لتجده في خيالها قريباً من يدها ، وفي كل مرة تتسبب بكارثة حقيقية لزوجها بسبب حياتها السابقة في بيت معروف ووسط أجتماعي آخر ، ولا يدري كيف رعته العناية الالهية في كل مرة ليخرج من محنة ليقع فيأخرى  ويجد منقذا جديدا مما عاشته وتعلمت عليه في طفولتها وهكذا  :

 ففي مرة من المرات أقامت وليمة كبيرة لصديقاتها ومعارفها في احد الفنادق الغالية و اضطرته تلك العزومة أن يستدين من كل الذين يعرفهم ليسدد الفاتورة الضخمة التي أبتلى بها تلك الليلة، لقد كانت ليلة ليلاء لن ينساها طيلة حياته لما فيها من أنواع القلق والإحراج.

كان أصحابها وأقرباؤها وقريباتها يأكلون ويتحادثون ويضحكون وهو وحده كان الصامت المحتسب كأنه المأكول في تلك الوليمة لا زوج صاحبة الدعوة ، وقال مع نفسه حينها صدق من قال ، إن أشجع الشجعان من يرى الناس تأكل من طعامه ولا يصيبه الشلل أو تأتيه السكتة القلبية ،لم تكن وليمة من الولائم التي نعرفها بل كانت الخراب بعينه ، وكانت رغبته عميقة بحبس هؤلاء الناس جميعاً في أقرب موقف للشرطة ، متذكراً نادرة عن احد العارفين سمعها من أستاذ اللغة العربية عندما كان طالبا في الثانوية ، فذلك العارف سمع يوماً رجلا يصيح في الشارع : مَنْ يُعشي الجائع ؟ فناداه وعشَاه. ولما أراد الرجل أن ينصرف قال له: هيهات أن أسمح لك بالخروج إلى الشارع هذه الليلة ، فتؤذي الناس كما آذيتني ، ووضع رجله في قيد حديدي وحبسه حتى الصباح .

يكاد أن يضحك كلما تذكر شيئا مما فعلته به زوجته طوال السنوات الاربع الماضية ، لكنه يعترف  بأنها أطيب إنسانة عرفها ، أتفق معها في الكثير مما اعتقدته صحيحاً من العا دات التي لم يكن يعرفها من قبل، وكانت قد

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

كتاب كتبوا عن إبداع الكاتب

كتبها فيصل عبد الحسن ، في 17 أغسطس 2008 الساعة: 20:30 م

بهدوء رجاءً - أعمامي اللصوص - قصص تسخر من الحروب -

    

 عبد الستار ناصر

                    
فيصل عبد الحسن، قاص روائي عراقي هاجسه التعبير عن مأساة شعبه، وقصصه تنهل من
مخزون الذاكرة، حيث غادر البلاد بعد حرب غزو الكويت وعاش في الدار البيضاء حتي(يتذكر) ما جري هناك في الجنوب، ويقول الناشر: إنك تستنشق في كتاباته روائح الحرب والموت والفقر والجوع.
وفي مجموعته القصصية (أعمامي اللصوص) وهي آخر ما صدر له بعد خمسة كتب، نري كاتبنا هذا وقد أبحر بما إلي عالمه القديم، بين البردي والنخيل والقصب وبين أعمامه وأبناء بيته وذكرياته، في كتاب صغير لكنه يتسع لتأريخ طويل من القتل والذبح والمهالك فاز بها العراق وصارت وشماً علي معصميه!

أول قصص أعمامه هي(العين) تحكي هم لص يجلس بين ركاب الباص الكبير وينتظره علي الطريق لصوص آخرون سوف يأخذون الباص بعد نهب كل شيء من ركابه ثم فك أجزاء المركبة إلي قطع صغيرة لبيعها فيما بعد علي أنها قطع غيار، ويشير المؤلف إلي أن هذا يحدث تحت صورة كبيرة لرئيس البلاد الذي انتهي أمره في نيسان والذي كان راعياً للنهب والسلب والسرقات وفي هذه الحكاية إشارات إلي حال الشعب الذي صار الفقر من أول صفاته وكيف مات الأمان في الشوارع والبيوت بعد أن كانت بغداد سيدة الطمأنينة علي مر العصور.

ويميل المؤلف إلي أخذ الموروث الشعبي في معظم قصصه ويضيف علي ذلك بعض الكاري والفلافل وبهارات الصنعة القصصية كما هو الحال مع قصة(أعمامه البخلاء) التي تعتمد الحكاية المروية شفاهية علي طريقة أيام زمان، وهذه المرة مجموعة حكايات عن أعمامه البخلاء، فهذا يتزوج من امرأة مطلقة لئلا يدفع(مهراً) وذاك يتعلم المشي بهدوء لئلا تبلي حذائه، ثم ربّ العائلة الذي يدفع أولاده الحال مع قصة(أعمامه البخلاء) التي تعتمد الحكاية المروية شفاهية علي طريقة أيام زمان، وهذه المرة مجموعة حكايات عن أعمامه البخلاء، فهذا يتزوج من امرأة مطلقة لئلا يدفع(مهراً) وذاك يتعلم المشي بهدوء لئلا تبلي حذائه، ثم ربّ العائلة الذي يدفع أولاده إلي مسك اللحوم في دكان القصاب ومن ثم غسل أيديهم في طنجرة الطعام حتي يشم رائحة اللحمة حين يأكل الخبز المنقع فيها، نعم إنهم رضعوا البخل رضاعة عن أجدادهم، ومن ينعتونه بالبخل فقد امتدحوه المهم بالنسبة لهم هو بقاء المال في مكانه وأن يكبر هذا المال بأي وسيلة كانت حتي إن جاء ذلك عن طريق الذم والشتائم!

وفي (ظهيرة قائظة) يكتب فيصل عبد الحسن قصة تسخر مما جري أيام حرب الخليج الثانية عام 1991 حيث تصل السريالية والفانتازيا آخر حدودهما، إذ توصم أية مدينة أو قرية بالعار إذا تمكنت طائرات أمريكا من قذفها بالصواريخ، وكان ينبغي علي أهلها التصدي للعدو وحرق طائراته – حتي من دون سلاح- أو إبلاغ المسؤولين الكبار بما يحدث (وهذا أضعف الإيمان) بحيث يقام تمثال شامخ لرجل أراد أن يتصل برئيس الجمهورية ليخبره أن الطائرات عادت تحلق فوق المدينة.

لكن المؤلف يقفز علي أيما حدث مهم في قصصه عموماً، ليأخذ المسار المعاكس، إذ ينتقل من حكاية إلي حكاية دون أن يستفيد من إشباعها، مع أن خبرته في كتابة القصص تمتد إلي سنوات بعيدة، إنه يكتب علي طريقة من يقول: سأقصّ عليكم الحكاية كما أخبروني بها.

**

يتجزأ الكتاب إلي ثلاثة أجزاء، فالمؤلف يري في هذه القصص ما يشبه الرسوم، واحدة بالأبيض والأسود، وهو ما يتعلق بأعمامه اللصوص وأعمامه السبعة وأعمامه البخلاء وأعمامه المقلدون، والثانية بدون ألوان ثابتة عن كلبة صارت نمراً وعن ظهيرة حارقة، أما الجزء الثالث فهو بألوان قوس قزح عن موت سعيد وأحلام ربما تتحقق أو حياة قد يتغير مسارها ذات يوم.

في قصة(الجثة) يعثر أحدهم علي جثة جندي أمريكي في سيارة محتر

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

كتاب كتبوا عن إبداع الكاتب

كتبها فيصل عبد الحسن ، في 17 أغسطس 2008 الساعة: 19:55 م

 

أعمامي اللصوص .. قصص هجست الخراب العراقي
فاطمة المحسن     

أعمامي اللصوص مجموعة قصصية صدرت عن وكالة الصحافة العربية في مصر، مؤلفها فيصل عبدالحسن كاتب عراقي سبق ان اصدر في بغداد ثلاث روايات ومجموعة قصصية. هو بصري غادر مدينته إلى المغرب قبل سنوات قليلة. اللافت في هذه المجموعة انها تقدم بعض اجابات لما واجهه العالم من اسئلة وحيرة بعد ان شاعت حوادث السلب والنهب في العراق إثر سقوط النظام.. قبل سنتين نشرت لفيصل عبدالحسن رواية عنوانها عراقيون أجناب، وقد أثارت اللبس في فهم مقاصدها، وتعرضت إلى النقد واتهم صاحبها بتمثيل أفكار السلطة. والحق ان الرواية قدمت مادة تحفل بالانتباهات السوسيولوجية والانثربولوجية، وان جاءت من دون تدبر قصدي، ولا وضعت في إطار روائي يوحي ببعد معرفي، فهي تدور في منطقة الأهوار، حيث تعرض سكانها إلى اهمال واضطهاد طائفي منذ عصور قديمة، والرواية تقف بين كشف واقع حال هذه المناطق، أي الحديث عن الظلم الذي لحق أهاليها، وفي الوقت عينه تبدو كما لو انها تأخذ مسلك الناس وعاداتهم مأخذ التهكم.

لعل المجموعة القصصية الجديدة تفسر منحى المؤلف المختلف عن الكثير من الكتابات التي تنطوي على الكثير من المسلمات حول معركة الخير والشر في المجتمع، فهو يعمد إلى طرق زاوية نظر مختلفة في اختيار الموضوع، وفي طريقة تناول الشخصيات، وفي خطاب القص ذاته. انه يوجه الاهتمام إلى بؤر الخراب الشامل الذي لم يستشر فقط على مستوى الهرم الأعلى للسلطة، بل انتقل إلى الناس، إلى الطبقات الرثة التي شكلت قاع المجتمع الأسفل وأحد أهم معاول تهشيمه. تكشف القصص في مفارقة لافتة، ما يمكن ان نسميه تساوق عملية الاذلال والتجويع المتعمد مع انتهاك القانون والحياة الطبيعية، كي ينحدر الناس إلى حياة بدائية تتحكم فيها شرعة الغاب بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. لعل هذه المجموعة تأتي في توقيت متزامن مع ما نقلته كاميرات العالم عن عراق عدمي، جائع وعار ومتخفف من القيم والاخلاق.
توتر القص الدرامي يتحقق في اسلوب يهدف المواجهة الذاتية مع اخلاق مضادة للاخلاق النمطية، وهذا النوع من الهدف يتجه نحو وسائل للتعبير عن عدمية توازي عدمية المجتمع والقيم. وبهذا يصبح اسلوب الكشف شديد الصلة بخلفية المضمون.
الكثير من صياغات القصص تذكر القارىء بطريقة الحكواتي أو القص الشفاهي، فهي تنطوي على مادة يحركها الخيال الشعبي والبيئة الشعبية، متخففة من حمولة اللغة الادبية في الكثير من المواقع، ولكنها ايضا تمزج الحكاية المجازية بالصورة الواقعية. التهكم الذي يغلف مادة بعض القصص، يستطيع تجاوز واقعية الصورة باتجاه البحث عن معايير فنية للنقد الاجتماعي لا تعبأ بتزين الحياة قدر ما تمعن في تغريبها ومسخها، كي تجد معادلها في منطق اليأس من الاصلاح.
كل المشاهد والحوادث التي تقاربها القصص مستقاة من زمن الحصار الاقتصادي، غير ان الحرب والقمع يظهران في تواشج مع هذا الزمن، أو هما يشكلان خلفيته التي يجهد المؤلف من خلالها استكشاف الذات الجمعية للناس. وإذ يهمل الحبكة في أحيان كثيرة، فهو لا يستغني عن التشويق عبر وصف الطباع الغرائبية، او اثارة الفضول بمعرفته خفايا الفرد أو المجموع، وخلق مناخات مثيرة للفضول. الازمنة في بعض قصصه تمثل الحاضر في الغالب، ولكنها توحي بحياة تعيش في زمن موغل بالقدم، تمر عبره ومضات التحضر لتغيب في غياهب جهل الزمن الساكن. تعامل الكاتب مع ضمير المخاطب، الأنا المتكلمة، يعزز صوت الأنا الجمعي لا يضعفه، فالبطل يبدو شاهدا ومشاركا في أفعال الحياة، أي انه متماه مع الجمع الذي ينتسب إليه أعمامي اللصوص أعمامه البخلاء، أعمامي المقلدون أعمامي السبعة. النحن هنا تبدو الانسب لتصوير الوعي المجتمعي الذي لا يتبرأ من ابتذال الحالة بل ينسبها إلى الذات، كي يصورها على نحو موضوعي، وموضوعيته تضمر سخرية مرة لا ترحم، فهي تفصح عن ازدراء الشرائح الفقيرة التي انتزعت منها انسانيتها، مع انها تصل الاسباب بالنتائج.
يتريث المؤلف في بعض القصص كي يرينا تفصيلات متأنية لكبرياء الناس الجوعى الذين يحاولون النجاة بأنفسهم من الانحدار إلى مواطن امتهان الذات، وفي غياب الخيارات يبدو الموت هو الحل الانسب لحالاتهم. ولكن هؤلاء المقاومين في النهاية ينسبهم إلى الشريحة الواعية والمثقفة التي يجد فيها ما تبقى من عراق الماضي الذي انتهى بموتهم.
أول قصة العين تصور بصوت المتكلم الذي هو من ميلشيات الحزب الحاكم، رحلة إلى مكان بعيد في باص مكتظ بالفقراء والفلاحين، هذه الرحلة تنتهي بعملية سلب يشارك فيها البطل على الطريق المهجور بعد ان ينصب رفاقه كمينا لهذه القافلة. نهاية الرحلة التي ينهب فيها الباص ويترك سائقه وركابه وسط العراء، تبدو الخاتمة المناسبة لتسلسل الوصف الذي يقدم الراوي الناس في أوضاعهم المنفرة: عجوز شرهة تثير التقزز، أوساخ وثياب رثة وروائح كريهة، معدمون يحتلون سقف الباص ويفترشون أرضه ويتحملون الحر والاهانة لأنهم فقراء فقط.
يمعن القص في خلق جو من النفور عند القارىء كي يصله بالخاتمة الأخيرة، حيث لا ثواب بعد رحلة التعب سوى تلك النهاية الفاجعة، حين تعترضهم دورية التفتيش ليصعد النهابون مع سلاحهم. كان السائق يمني النفس بأن يكون غرض الدورية المحافظة على أمن الناس، ولكن الوقت كان قد فات: وككل مرة نحينا السائق من مكانه وجلست بدلا عنه لقيادة الحافلة، ووجه اصحابي سلاحهم الملطخ ببوية الحكومة إلى وجوه الركاب المرعوبين فيما قدت الحافلة بعيدا عن الشارع العام صوب عمق الصحراء حيث يتنظرنا آخرون لفتح العجلات والاجزاء الغالية من محرك السيارة ويشرع الباقون من اخواننا بسلب الركاب ما يحملونه من مال وامتعة.. وسنجد في قصصه الأخرى تركيزا على هذا الخطاب الذي يغيب عنه التفسير ويحضر فيه الوصف الذي يبدو مفسرا لذاته.. غير انه في الكثير من قصصه لا يضع اسماء لابطاله، فهم ترميزات لحالة عامة ونماذج شائعة، وهذا التمثيل يضمن لهم تأويلات وفضاءات أوسع مما ينتجه المحيط الصغير الذي يقاربه قصصيا: عمي الأكبر وعمي الاصغر وعمي الخامس أو الأول. لغته التقريرية في الكثير من المواقع تدخله مباشرة في مواضيعه، لتبدو كما لو انها واقعية تبسيطية، وهي هكذا، كما لو انها تذكرنا بالم
قامات واستطرادتها الجميلة:
بقيت تلك الكلبة وحدها تنبش النفايات باحثة عن كسرة خبز، منافسة بعض المغامرين من الرجال الذين تحدوا ظروفهم الصعبة، وقد برزت عظام صدورهم وسقط شعر رؤوسهم بفعل سوء التغذية أو سرطان الدم، وأثناء التفتيش في النفايات، كانوا يغنون بأصوات مبحوحة الأبوذيات التي تتحدث عن الظلم والفقر والحاجة، والموت الذي يأتي مبكرا.
في مواقع أخرى يبدو كما لو انه يقف

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

السابق التالي