وجه ميت بعينين مبصرتين …

كتبهافيصل عبد الحسن ، في 17 أغسطس 2008 الساعة: 22:08 م

 

 
وجه ميت بعينين مبصرتين
    إلى الشاعر المتألق : أديب كمال الدين 

 فيصل عبد الحسن *
في تلك المدينة الكئيبة ، حين كنت عاملاً فيها بالأجرة ألتقيته أول مرة ، ومنذ أول يوم بل منذ الساعة الأولى التي ألتقيته فيها ، وهو يحدثني عن أمه ..كنا في ذلك الوقت لم نتجاوز الخامسة عشرة من عمرينا . كان مفتوناً بأمه ،لم أعرف في ذلك العمر الغض سبب ولهه بأمه ، وعرفت بعد ذلك منه إنه كان يتيماً ، وأنّ أمه رفضت كل العرسان الذين تقدموا إليها ، وقد أقسمت أغلظ الأيمان إنها سترعى أبنها الوحيد ، ولن تقترن بزوج آخر ، حتى آخر يوم في عمرها . وكنت في ذلك الوقت قد اضطررت للعمل بسبب مرض أبي وتوقف مصدر رزق عائلتي ، وطيلة الوقت كنت أنظر إلى زميلي في العمل بارتياب ، وأنا أتذكر وصايا أمي بعدم الاختلاط بأولاد الشوارع ، ولا أدري حتى هذه اللحظة ماذا كانت تعني بكلمتي [أولاد الشوارع] إلا أنهما كانتا تعنيان لي وقتها: الأولاد الذين اخترقوا الأعراف الاجتماعية وتحولوا إلى سراق ومدمني خمر ولا يتورعون عن فعل أي شيء يقودهم إليه مزاجهم وتفكيرهم الأعوج ، وكان داخلي – أنا أبن البيوت – خوف غريزي عظيم منهم .
لقد كان زميلي في العمل من تلك الفئات غير المتعلمة ، التي نَذَرَتْ أرواحها منذ نعومة أظفارها للحصول على لقمة العيش ، ولم تتعلم من اللغة سوى كلمات نابية ، بذيئة ، وأخذتُ طيلة الوقت أفكر بسوء الحظ الذي ألقى بي في دروب هؤلاء غير المتعلمين وبهذا العمر المبكر ، وفي الحقيقة أن الفرق بيني وبينه أنني كنتُ أواصل دراستي بعد العمل وهو كان يعمل لفترتي عمل لإعالة والدته .
في أوقات الراحة كان زميلي في العمل يحدثني عن أمه وكان صاحب العمل يناديه باسم [ كاظم حيانية ]وكان أسمه منسوباً إلى مدينته الكبيرة ، التي تضم الآلاف من الفقراء . لم أكن أعرف في البداية لِمَ نسبوه إلى مدينته ، لكنني عرفتُ فيما بعد إنها حيلة شيطانية من صاحب العمل ، حتى يحمل – كاظم – أحمالهم الثقيلة، فكلما وقعتْ عيونهم على حمل ثقيل ، قالوا [ لا يقدر على نقله أحد غير كاظم حيانية ] وكانوا – صاحب العمل ومعاونوه – ينظرون صوبي بازدراء ، لكوني من طلاب المدارس – ضعاف البنية – الذين لا يصلحون لشيء وكان كاظم حيانية يهرع إليهم مشمراً عن ساعديه الموشومتين بسيوف وعقارب وقلوب حب زرق ، وعندما أحاول الاقتراب منه لأساعده يشير لي بيده أن أبتعد ووسط تصفيق الحاضرين وتشجيعهم يحمل الأحمال الثقيلة وينقلها من مكانها القديم الى المكان الجديد .
عندما نجلس معاً لتناول طعام الغداء في زاوية المقهى الصغيرة ، كان يفخر بأنه صديقي ، ويقول لعمال المحلات القريبة وحالهم مثل حالنا – عني – أنّ صاحبي يدرس في الثانوية وبعد سنوات قليلة سيتخرج ليصبح موظفاً كبيراً في الدولة ، وعمله الحالي ليس إلا مرحلة مؤقتة ، وكانت أقواله تشعرني بالخجل ، لكنني في ذات الوقت أشعر باعتزاز عميق بنفسي بعد أن أذلتني الخرق البالية ، التي أرتديها ، لما تتطلبه ظروف العمل . وفي تلك الظهيرة الشتائية حدثني عن نيته لشراء ثوب أسود تتمنى أمه أن ترتديه، وكنا سنقبض أجرتنا الشهرية في ذلك المساء، وطلب مني أن أصحبه لئلا يضحك عليه البائعون ويبيعون له شيئاً- ليس بالمستوى اللائق بأمه – وبثمن أغلى ، وفي تلك الليلة الماطرة اشترينا ذلك الثوب بعد أن زرنا عشرات المحلات ، وأعطى كاظم حيانية عن طيب خاطر نصف أجرته الشهرية للحصول على ذلك الثوب الذي ستفرح به أمه .
لأنني الوحيد الذي لم يسخر منه بسبب ما يرويه عن أمه ، وإعجابه الشديد بها ، أصبحت محط أسراره ، فكان يحدثني عن قريبهم ، الذي يتردد على بيتهم ، وإحساسه ألممض بالغيرة من أن يستطيع ذلك – القريب – أن يفوز بقلب أمه ويتزوجها ، وكنت أشعر بألمه ، وشعوره الدائم بالإحباط والحزن ، كأنما سيفقد كل ما يملك مرة واحدة .
وعاد في يوم آخر والفرح يشع من عينيه ليهمس بأذني أنَّ أمه رفضت ذلك القريب الثقيل ، وقالت إنها ستبقى لأبنها حتى تزوجه ، ويكفيها أن تراه عائداً كل مساء ليملأ حياتها وأيامها فرحاً وسعادة . أتذكر أنه ما أكل شيئاً طيباً في فترة الاستراحة من العمل إلا وتمنى أن تأكل أمه مثله ، وكان يحصي الساعات المتبقية من وقت عمله ليتمكن من الذهاب إلى محل بيع [ اللوزينة أم الهال ] ليشتري الحلوى التي تحبها أمه أو ليملأ قدراً كان يحمله معه بالكباب من مطعم قريب ، كان مشهوراً بالمدينة أنَّ أفضل أنواع الكباب يُعمل فيه ، ويطلبُ من عامل المطعم أنْ يضع أكبر قدر من المخللات لأن أمه كانت تحبها . حدثني كثيرا عنها حتى صرت أعرف كل شيء عنها : متى تبكي متذكرة زوجها ؟ وما الذي يسعدها ؟ وأية أغنيات تحب للمطربين العراقيين ، ناظم الغزالي ، حضيري أبو عزيز ، داخل حسن ، وماذا تردد بصوت هامس ليلة الخميس وهي تبخر الدار ، وتدور بصحن الحرمل طالبة من الله أن يطرد شر الحاسدين عن أبنها وبيتها ، ويرزقه بابنة الحلال التي تسعده وأن يبقيها الله حية حتى تربي أولاده .
وكلما مرَّ الوقت أكتسب صاحبي شهرة واسعة عن قدرته على حمل الأشياء الثقيلة ، والألسنة تلهج بأسمه أثناء العمل [كاظم حيانية .. هو الوحيد الذي يحل أي مشكلة في التحميل والتفريغ ..] وكنتُ الوحيد الذي يعرف سر قوته ، وسبب قدرته على رفع هذه الأثقال التي لا يستطيع أحد منا تحريكها ، فقد همس لي في ظهيرة قائظة : أنَّ أمه لا تتوقف عن الدعاء له ليلاً ونهاراً ليمكنه الله ويعطيه القوة لرفع أي حمل ثقيل يُطلب منه رفعه .. وهكذا صار عندي موضوع قوته الخارقة – حقيقة – لا مجال للنقاش فيها أو التعجب من وجودها ، وهي حقيقة أراها يومياً حاضرة ، واضحة المعالم ، لا لبس فيها ولا مجال للريبة أو احتمال
أو
افتراض آخر غير الذي أخبرني به .
شَفيَّ والدي من مرضه بعد شهور وعاد إلى عمله السابق ، وتركت بدوري العمل وعدتُ من جديد طالباً نظيفاً مجداً ، أتحاشى ما أمكنني أن أستخدم الكلمات النابية التي تعلمتها في فترة عملي ، وأخذت أقص أظافري بانتظام ، ولم أعد ألتقي كاظم حيانية ، أصبح ذكرى مشوشة من ذلك الماضي البعيد المؤلم الذي يحرص الإنسان على نسيانه دائماً لأنه يُذكر بالحاجة والألم ومذلة إطاعة أوامر الغير من أجل رغيف الخبز والتزلف إلى هذا أو ذاك ليكن وجودك مقبولاً أو في الأقل مستساغاً وحرصك الدائم أن لا تجعل نفسك محط السخرية . لقد كانت معاناة حقيقية نسيتها بسرعة قبل أن أكمل الثانوية وفي سنوات كلية الطب صارت الحكاية برمتها مشوشة لا تحتمل التصديق حتى بالنسبة لي فهل من المعقول أنني -أنا - أبن الآسرة المعروفة عملت في سنوات مراهقتي الأولى حمالاً عند الغير بأجرة قليلة ؟ وصرت طبيباً ، ربما كانت مصادفة أن أكون الطبيب الخافر في مستشفى المحافظة المركزي في تلك الليلة ، ولا أقول أنها مصادفة لأننا في حقيقة الأمر – الأطباء الجدد – نبقى خافرين طيلة أيام السنة الأولى من تخرجنا في المستشفى المركزي الوحيد في المحافظة . وكان علِيَّ أن أصدر شهادات الوفاة التي تحدث ليلاً ،بعد الفحص والتأكد من أسباب الوفاة ، وفي تلك الليلة كنت أمام تابوت امرأة متوفاة ، كان رجلان مع التابوت ، ويهمسان بأسم ليس غريباً عني [ كاظم حيانية ] أجل تلك المعرفة القديمة ، زميل العمل السابق ، ذلك الذي يحمل الأثقال ولا يساعده غير دعاء أمه اليومي له ، قالا فيما قالاه : إنها أمه ، وقد ماتت عندما غربت شمس هذا النهار ، وأن أبنها الوحيد في مدينة بعيدة يؤدي خدمته العسكرية . وأن أحدهما –قريبها – وهما يطلبان أذناً بالدفن . في تلك اللحظة نظرتُ إلى الجسد الضئيل المسجى في التابوت وفوقه ملاءة حائلة اللون وقد بدت قدماها من أطراف الملاءة يشوبهما اصفرار عميق، شعرت بقلبي يخفق بشدة..
كنتُ أريد أرى وجهها، أريد أن أرى وجه هذه الأم التي كانت تبكي حين تسمع حضيري أبو عزيز وتشعر بالعار من أن تتزوج وأبنها بطول قامتها ، كما كانت تقول ، أن أرى وجه تلك السيدة التي تستحي أن يراها طبيب وهي بلا عباءة حتى ولو أوشكت على الهلاك مرضاً . كنت أسمعها وهي بتابوت موتها تدعو الله لأبنها وهو في منفاه البعيد وترجو الله أن يحفظه ، إني أراها الآن بثوبها الأسود في المعازي والأفراح ، تقول لمن يسألها أن أبنها أشترى لها الثوب ، وانه أحسن شباب هذه الدنيا ، وستزوجه
وتفرح برؤية أبنائه ، غالبتُ دموعي المحتبسة ورفعتُ الملاءة عن وجهها بحذر ، كان وجهها لا يختلف عن وجه أي أم أخرى ميتة رأيتها من قبل ، ولكن لاحظتُ ثمة التواء
لا يكاد يرى في الشفة السفلى يجعل الوجه معبراً عن حزن عميق وثمة لصفة غريبة في عينيها المفتوحتين بأتساع مدهش ، كأنما تنتظران عودة ذلك الابن ، صديقي ذاك ، الذي اعتقد جازماً أنه في هذه اللحظة بالذات ، يحدث الجنود عن أمه والأشياء التي تحبها والأخرى التي تكرهها ، كعادته دائماً في أي مكان يكون فيه ..

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

عفواً، التعليقات ممنوعة لهذا الإدراج