كتاب كتبوا عن إبداع الكاتب …
كتبهافيصل عبد الحسن ، في 17 أغسطس 2008 الساعة: 13:23 م
عراقيون أجناب رواية فيصل عبد الحسن علامات نضوج رواية القرية العراقية
سلام إبراهيم
تفتقر الرواية العراقية إلى عالم القرية. فباستثناء محاولات مبكرة ضعيفة، ورباعية شمران الياسري، وبعض النصوص غير الناضجة فنياً وجدت الرواية كينونتها الفنية الناضجة على يد أبناء المدن في نصوص الرائد غائب طعمة فرمان وفؤاد التكرلي والأجيال اللاحقة. بصدور ـ عراقيون أجناب ـ لفيصل عبد الحسن اكتملت بوادر الولادة النثرية الناضجة لرواية القرية العراقية. فالرواية في المقام الأول تصور عالم القرية ونبضها السري غائرة في تفاصيل بشرها المنسيين، تشابك علاقاتهم في بيئة القرية الاجتماعية والدينية، علاقتهم مع المدينة والسلطة المركزية وذلك من خلال بحثها في الحكايات الشفاهية والمكان الريفي وتجليات الإرث الديني الشيعي في المخيلة الشعبية. ففي حدود قراءاتي لم أطلع على نص عراقي يصور عالم القرية العراقية بهذه الحساسية والمعرفة العميقة التي تشي أن السارد عاش وترعرع فيها، وتشرب حكاياتها ووجوه بشرها وترابها وخفق قلوب كائناتها في لحظات الألم والمحبة، الخوف والنشوة، لحظة الخذلان والنصر في سردٍ بسيط مكثف وعميق أقتنص إيقاع النفوس في عفوية سلوكها .
يستهل الكاتب سرده بصورة قلميه مستلة من كتاب صادر حديثاً عن الأمام علي بن أبي طالب ـ كما يذكر الهامش ـ أعتقد أن الصورة المذكورة مستلة بدورها من كتاب شرح نهج البلاغة لابن أبي حديد ـ في مقطعٍ صغير مستقل يرتبط ارتباطاً عضوياً ببنية النص. فسوف نرى تجليات الذات الموصوف شكلها على زمن الرواية وبشرها وترابها وطقوسها. الصورة تصل للقارئ من خلال عيني طفل يتابع تفاصيل صورة الأمام الشائعة في الجنوب والتي يكاد لا يخلو جدار بيتٍ منها، بطلعته المهيبة وسط ولديه وتحت قدميه يربض أسد عظيم الحجم. في مفصلٍ تمهيدي لاحق يصور الراوي مشهداً ميثولوجياً من طقوس الشيعة حينما يعثرون على طامورة تحت الأرض تضم رفات أحفاد الأمام الذين كان الأمويون يسجنونهم بها حتى الموت اختناقاً. سيفصل السارد تلك اللحظة الدرامية وهم يلمون البقايا من مسبحة وعمامة وأردية سوداء وسط نحيبهم ونواحهم ولطمهم إلى أن يتحول المكان إلى مزار من مزارات الشيعة المقدسة المنتشرة بأرجاء العراق. هذان المشهدان يمهدان فنياً وفكرياً للدخول في غور بشر تلك القرى المنسية على حافة الهور وفي أعماقه. سيعرض النص في فصوله الأولى جريان الحياة الاجتماعية وصراعاتها في تناقض القيم والأعراف مع الواقع ورغبات الإنسان ونزواته في فترة سابقة لتبلور الصراع السياسي الدموي الذي عصف بالمجتمع العراقي من خلال تطاحن النُخَبْ السياسية من أجل السلطة في المدينة وانعكاسه المخرب عفوية حياة العراقيين عموماً وجنوب العراق زمن النص ومكانه، تلك العفوية الوديعة وطبيعتها الجميلة رغم قسوتها وتخلفها وبدائية معتقداتها الدينية الممزوجة بالخرافة، ذلك السلام الروحي الذي ستفتقده شخوص النص إلى الأبد .
توظيف الموروث الديني والخرافي:
يشتغل النص على بعدين من أبعاد انعكاس الموروث الديني على أرواح الفلاحين. الأول ذلك الذي تثيره روايات المقتل في مجالس العزاءات الحسينية المقامة على مدار العام لوفرة مناسبات مقاتل الطالبيين الموزعة على فصوله، والتي تصل أوجها في ذكرى مقتل الحسين في العاشر من شهر محرم. حيث تقام طقوس حزنٍ دموية من اللطم على الصدور العارية حد الإدماء إلى ضرب الظهور العارية بسلاسلٍ من الحديد وضرب الرأس المحلوق بالسيف. يصور النص تفاصيل هذه الطقوس التي تقام كل عام في القرية مباشرة عقب إعادة تمثيل مذبحة كربلاء أمام الجمهور، يضاف إليها سرد الحكاية التاريخية المتداولة من على المنابر الحسينية والتي تأخذ بدورها مسارات سردية تختلف حسب مخيلة راوي المنبر ومزاوجتها بما يحدث من مظالم شبيهة في حاضر القرية زمن النص في سبعينيات القرن الماضي.
البعد الثاني يتمثل في انعكاس الروايات الدينية المتناقلة شفاهاً في مخيلة المرأة الفلاحة التي تنسج بدورها حكايات يمتزج فيها الموروث الشيعي بالموروث الخرافي الموغل في القدم. نجد في الفصل ـ 5 ـ الجدات تسرد للأحفاد قبيل النوم حكايات عن أيام النكبات الطبيعية، الجراد الذي هجم ملتهماً كل شيء والأمام علي الذي ظهر لنجدة شيعته الجياع فقضى عليه، عن عودة الموتى الصالحين في الأعياد والمواسم حاملين من دار البقاء الرسائل والوصايا والبخور والعطور، عن السيد ـ مهنا ـ وسفره الغامض في عمق الأهوار لإيداع تبرعات الشيعة السنوية في مكان مسحور يسمونه ـ الحفيظ ـ فيلج من كوة مجهولة إلى باطن له جغرافية مختلفة عن طبيعة الأهوار، بحيرات وجبال وكهوف تؤدي إلى مكان الكنز المخفي لحين ظهور المهدي المنتظر ليعينه على النصر على الأعور الدجال الفصل ـ 21 ـ .
من ناحية أخرى أشتغل النص على موروث خرافي سابق لمرحلة الأديان السماوية من خلال بيئة قرية في الأهوار ـ الدبن ـ وسكانها المعدان المعتمدين على الصيد وتربية الجاموس والذين يعدون في الكثير من الدراسات كونهم بقايا السومريين الذين أقاموا قبل التاريخ في الجوار اليابس ولجأوا إلى عمق الأهوار حفاظاً على الكينونة وقت تدهور دولتهم التي انقرضت لاحقاً . فالعامل الديني ضعيف بالمقارنة مع قرى اليابسة ويوضح النص ذلك من خلال اختلاف موقع رجل الدين في كلا المكانين. فبخلاف موقع ـ مهنا ـ رجل الدين وسلطته الروحية في قرية ـ الجوابر ـ المعتمدة على الزراعة والقريبة من المدن نجد ضعف وهزال دور السيد المنتدب من الحوزة الشيعية في النجف إلى قرية المعدان حيث يكاد أن لا يجد ما يسد به رمقه مما يجعل الشيخ يقدم له الطعام شفقةً لا واجباً. يعرض النص لبقايا طقوس شبه وثنية تمارس في هذه القرى منها ما جاء في الفصل ـ 22 ـ عن رحلة الزوجات العواقر في ثلاثة مشاحيف نحو معبدٍ قديم قائم في أعماق الأهوار طلباً للخصب في طقوس تمت بصلة لطقوس الخصب في حضارة وادي الرافدين القديمة. سيطل القارئ على مشهدٍ لا ينسى والشابة المأخوذة تحشر وسط الأدعية والبسملة في شقٍ ضيقٍ حد العنق لتغتصب في العتمة على إيقاع أدعية النسوة المستنجدات بالأئمة الأطهار! ص 97 . هذا الطقس الوثني شديد الاندماج ببيئة النص وبشره ينجح في توظيف طقس من طقوس بلاد الرافدين القديمة بطريقة تمت للحاضر بصلة عضوية عكس الكثير من النصوص التي حاولت توظيف نفس الموروث فسقطت بالتجريد الذهني والتاريخي فكانت النصوص عسيرة القراءة رغم جودة أدائها الفني. يحيل هذا الطقس إلى طقسٍ مشابه يمارس في بعض قرى صعيد مصر بترك العاقر في معبد قديم طلبا للخصب كما تناولته بعض الروايات المصرية والأفلام.
salamibrahim1954@yahoo.com
الحوار المتمدن - العدد: 1892 - 2007 / 4 / 21
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























