كتاب كتبوا عن إبداع الكاتب
كتبهافيصل عبد الحسن ، في 17 أغسطس 2008 الساعة: 19:55 م


أعمامي اللصوص .. قصص هجست الخراب العراقي
فاطمة المحسن
أعمامي اللصوص مجموعة قصصية صدرت عن وكالة الصحافة العربية في مصر، مؤلفها فيصل عبدالحسن كاتب عراقي سبق ان اصدر في بغداد ثلاث روايات ومجموعة قصصية. هو بصري غادر مدينته إلى المغرب قبل سنوات قليلة. اللافت في هذه المجموعة انها تقدم بعض اجابات لما واجهه العالم من اسئلة وحيرة بعد ان شاعت حوادث السلب والنهب في العراق إثر سقوط النظام.. قبل سنتين نشرت لفيصل عبدالحسن رواية عنوانها عراقيون أجناب، وقد أثارت اللبس في فهم مقاصدها، وتعرضت إلى النقد واتهم صاحبها بتمثيل أفكار السلطة. والحق ان الرواية قدمت مادة تحفل بالانتباهات السوسيولوجية والانثربولوجية، وان جاءت من دون تدبر قصدي، ولا وضعت في إطار روائي يوحي ببعد معرفي، فهي تدور في منطقة الأهوار، حيث تعرض سكانها إلى اهمال واضطهاد طائفي منذ عصور قديمة، والرواية تقف بين كشف واقع حال هذه المناطق، أي الحديث عن الظلم الذي لحق أهاليها، وفي الوقت عينه تبدو كما لو انها تأخذ مسلك الناس وعاداتهم مأخذ التهكم.
لعل المجموعة القصصية الجديدة تفسر منحى المؤلف المختلف عن الكثير من الكتابات التي تنطوي على الكثير من المسلمات حول معركة الخير والشر في المجتمع، فهو يعمد إلى طرق زاوية نظر مختلفة في اختيار الموضوع، وفي طريقة تناول الشخصيات، وفي خطاب القص ذاته. انه يوجه الاهتمام إلى بؤر الخراب الشامل الذي لم يستشر فقط على مستوى الهرم الأعلى للسلطة، بل انتقل إلى الناس، إلى الطبقات الرثة التي شكلت قاع المجتمع الأسفل وأحد أهم معاول تهشيمه. تكشف القصص في مفارقة لافتة، ما يمكن ان نسميه تساوق عملية الاذلال والتجويع المتعمد مع انتهاك القانون والحياة الطبيعية، كي ينحدر الناس إلى حياة بدائية تتحكم فيها شرعة الغاب بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. لعل هذه المجموعة تأتي في توقيت متزامن مع ما نقلته كاميرات العالم عن عراق عدمي، جائع وعار ومتخفف من القيم والاخلاق.
توتر القص الدرامي يتحقق في اسلوب يهدف المواجهة الذاتية مع اخلاق مضادة للاخلاق النمطية، وهذا النوع من الهدف يتجه نحو وسائل للتعبير عن عدمية توازي عدمية المجتمع والقيم. وبهذا يصبح اسلوب الكشف شديد الصلة بخلفية المضمون.
الكثير من صياغات القصص تذكر القارىء بطريقة الحكواتي أو القص الشفاهي، فهي تنطوي على مادة يحركها الخيال الشعبي والبيئة الشعبية، متخففة من حمولة اللغة الادبية في الكثير من المواقع، ولكنها ايضا تمزج الحكاية المجازية بالصورة الواقعية. التهكم الذي يغلف مادة بعض القصص، يستطيع تجاوز واقعية الصورة باتجاه البحث عن معايير فنية للنقد الاجتماعي لا تعبأ بتزين الحياة قدر ما تمعن في تغريبها ومسخها، كي تجد معادلها في منطق اليأس من الاصلاح.
كل المشاهد والحوادث التي تقاربها القصص مستقاة من زمن الحصار الاقتصادي، غير ان الحرب والقمع يظهران في تواشج مع هذا الزمن، أو هما يشكلان خلفيته التي يجهد المؤلف من خلالها استكشاف الذات الجمعية للناس. وإذ يهمل الحبكة في أحيان كثيرة، فهو لا يستغني عن التشويق عبر وصف الطباع الغرائبية، او اثارة الفضول بمعرفته خفايا الفرد أو المجموع، وخلق مناخات مثيرة للفضول. الازمنة في بعض قصصه تمثل الحاضر في الغالب، ولكنها توحي بحياة تعيش في زمن موغل بالقدم، تمر عبره ومضات التحضر لتغيب في غياهب جهل الزمن الساكن. تعامل الكاتب مع ضمير المخاطب، الأنا المتكلمة، يعزز صوت الأنا الجمعي لا يضعفه، فالبطل يبدو شاهدا ومشاركا في أفعال الحياة، أي انه متماه مع الجمع الذي ينتسب إليه أعمامي اللصوص أعمامه البخلاء، أعمامي المقلدون أعمامي السبعة. النحن هنا تبدو الانسب لتصوير الوعي المجتمعي الذي لا يتبرأ من ابتذال الحالة بل ينسبها إلى الذات، كي يصورها على نحو موضوعي، وموضوعيته تضمر سخرية مرة لا ترحم، فهي تفصح عن ازدراء الشرائح الفقيرة التي انتزعت منها انسانيتها، مع انها تصل الاسباب بالنتائج.
يتريث المؤلف في بعض القصص كي يرينا تفصيلات متأنية لكبرياء الناس الجوعى الذين يحاولون النجاة بأنفسهم من الانحدار إلى مواطن امتهان الذات، وفي غياب الخيارات يبدو الموت هو الحل الانسب لحالاتهم. ولكن هؤلاء المقاومين في النهاية ينسبهم إلى الشريحة الواعية والمثقفة التي يجد فيها ما تبقى من عراق الماضي الذي انتهى بموتهم.
أول قصة العين تصور بصوت المتكلم الذي هو من ميلشيات الحزب الحاكم، رحلة إلى مكان بعيد في باص مكتظ بالفقراء والفلاحين، هذه الرحلة تنتهي بعملية سلب يشارك فيها البطل على الطريق المهجور بعد ان ينصب رفاقه كمينا لهذه القافلة. نهاية الرحلة التي ينهب فيها الباص ويترك سائقه وركابه وسط العراء، تبدو الخاتمة المناسبة لتسلسل الوصف الذي يقدم الراوي الناس في أوضاعهم المنفرة: عجوز شرهة تثير التقزز، أوساخ وثياب رثة وروائح كريهة، معدمون يحتلون سقف الباص ويفترشون أرضه ويتحملون الحر والاهانة لأنهم فقراء فقط.
يمعن القص في خلق جو من النفور عند القارىء كي يصله بالخاتمة الأخيرة، حيث لا ثواب بعد رحلة التعب سوى تلك النهاية الفاجعة، حين تعترضهم دورية التفتيش ليصعد النهابون مع سلاحهم. كان السائق يمني النفس بأن يكون غرض الدورية المحافظة على أمن الناس، ولكن الوقت كان قد فات: وككل مرة نحينا السائق من مكانه وجلست بدلا عنه لقيادة الحافلة، ووجه اصحابي سلاحهم الملطخ ببوية الحكومة إلى وجوه الركاب المرعوبين فيما قدت الحافلة بعيدا عن الشارع العام صوب عمق الصحراء حيث يتنظرنا آخرون لفتح العجلات والاجزاء الغالية من محرك السيارة ويشرع الباقون من اخواننا بسلب الركاب ما يحملونه من مال وامتعة.. وسنجد في قصصه الأخرى تركيزا على هذا الخطاب الذي يغيب عنه التفسير ويحضر فيه الوصف الذي يبدو مفسرا لذاته.. غير انه في الكثير من قصصه لا يضع اسماء لابطاله، فهم ترميزات لحالة عامة ونماذج شائعة، وهذا التمثيل يضمن لهم تأويلات وفضاءات أوسع مما ينتجه المحيط الصغير الذي يقاربه قصصيا: عمي الأكبر وعمي الاصغر وعمي الخامس أو الأول. لغته التقريرية في الكثير من المواقع تدخله مباشرة في مواضيعه، لتبدو كما لو انها واقعية تبسيطية، وهي هكذا، كما لو انها تذكرنا بالم
قامات واستطرادتها الجميلة:
بقيت تلك الكلبة وحدها تنبش النفايات باحثة عن كسرة خبز، منافسة بعض المغامرين من الرجال الذين تحدوا ظروفهم الصعبة، وقد برزت عظام صدورهم وسقط شعر رؤوسهم بفعل سوء التغذية أو سرطان الدم، وأثناء التفتيش في النفايات، كانوا يغنون بأصوات مبحوحة الأبوذيات التي تتحدث عن الظلم والفقر والحاجة، والموت الذي يأتي مبكرا.
في مواقع أخرى يبدو كما لو انه يقف على مبعدة من الوظيفة التعليمية التي تخول الكاتب بث دعاواه الفكرية. غير ان عملية الفضح هي في النهاية موقف، ولكنه يتجاوز حدود احتواء النماذج الشخصية باعتبارها ممثلة لشرائح ومجاميع ضالة، إلى أدائه تقاليد وعادات، ومنها عادة الغزو المتأصلة عند القبيلة التي يعيد انتاجها المجتمع بوسائل حديثة، حيث تصبح القبيلة وسيلة للسطوة والثروة، مثلما هي وسيلة للتضامن.
في قصته أعمامي السبعة يكشف عن مجموعة أوغاد ترعى كلبيتهم في عمليات السطو والاغارة على الفلاحين، أم تبارك غزواتهم وتصلي كي يعودوا بغنائمهم سالمين. الأم هنا أو جدة الصبي الذي يسجل مذكرات أعمامه، هي النموذج المقلوب للأم الطيبة، التي تغنى بها الأدب العربي. فهي تشمت بمصيبة النساء الأخريات لأن تلك المصيبة تزيد فرحها بسطوة أولادها. ليس هناك من مكان للحب في هذه القصص، فالناس سادرون عن انسانيتهم بمغانم تافهة، لأنهم هكذا، أو لأنهم حشروا في الامتحان الاصعب للأخلاق. وفي قصص أخرى يستخدم الحكاية المجازية وينجح في جذب القارىء إلى مواقعه بالتهكم الجارح، فيشيع جوا من الطرافة التي تربط الواقعية بالرمزية على نحو عفوي. في قصته أعمامي المقلدون يضع شخصيات افتراضية من مقلدي المشاهير، واعمامه هؤلاء هم تورية عن مجتمع يفتقد الاصالة، يدخل معارك مضحكة من أجل تقليد الآخرين. وهي قصة ساخرة، ترى في الاحزاب والتجمعات العراقية، صدى لنزعة افتقاد الشخصية الفردية، نضالها يطفو على السطح لأن تعصباتها ساذجة ولا ترقى بفكرها إلى حدود الفعل الحقيقي.
يرفض الكاتب توقعات قارئه عما ينبغي ان يقدمه من انماط لشخصيات بعضها يبدو كما لو انه يعيد انتاج شروط حياته حيث القسوة والاهمال والفقر. انه يكتب عن سنوات الحصار التي اجهزت على ما تبقى من قيم بين الشرائح التي تردت إلى درجات من الفقر كبيرة، وبهذا يبدو أكثر انصياعا لمبدأ افتقاد التعاطف أو دراسة الاسباب الكامنة وراء تفسخ المجتمع، عدا إداناته الحارقة لأفعال السلطة الممعنة في قسوتها ونهبها الناس. ان قدرا من البراءة في كتابته تشفع له عرض النموذج كما وصل إليه، لا كما هو في سيرورة تكونه.
في هذه المجموعة يواصل الكاتب نهجهه الذي أثار اللبس في روايته عراقيون أجناب، حيث يرمي عنه تجريدات الماضي المنطقية، وانماط الشعور بالواجب إزاء ابطاله وحوادثه، فهم هنا كما هم، أو كما يرى حجمهم الحقيقي، جديرون بالازدراء، مثل جدارتهم بالبقاء في زمن هلامي عدمي يرجعهم إلى حالتهم البدائية الأولى. والغريب ان الحوادث التي سجلتها الكاميرات، بعد حرب العراق الأخيرة، تضع عمل المؤلف في موقع القدرة على استشعار حاضر الطبقات المسحوقة، مثل كل الكتاب الذين كانوا شهودا على الخراب.


بهدوء رجاءً - أعمامي اللصوص - قصص تسخر من الحروب -
عبد الستار ناصر
فيصل عبد الحسن، قاص روائي عراقي هاجسه التعبير عن مأساة شعبه، وقصصه تنهل من مخزون الذاكرة، حيث غادر البلاد بعد حرب غزو الكويت وعاش في الدار البيضاء حتي(يتذكر) ما جري هناك في الجنوب، ويقول الناشر: إنك تستنشق في كتاباته روائح الحرب والموت والفقر والجوع.
وفي مجموعته القصصية (أعمامي اللصوص) وهي آخر ما صدر له بعد خمسة كتب، نري كاتبنا هذا وقد أبحر بما إلي عالمه القديم، بين البردي والنخيل والقصب وبين أعمامه وأبناء بيته وذكرياته، في كتاب صغير لكنه يتسع لتأريخ طويل من القتل والذبح والمهالك فاز بها العراق وصارت وشماً علي معصميه!
أول قصص أعمامه هي(العين) تحكي هم لص يجلس بين ركاب الباص الكبير وينتظره علي الطريق لصوص آخرون سوف يأخذون الباص بعد نهب كل شيء من ركابه ثم فك أجزاء المركبة إلي قطع صغيرة لبيعها فيما بعد علي أنها قطع غيار، ويشير المؤلف إلي أن هذا يحدث تحت صورة كبيرة لرئيس البلاد الذي انتهي أمره في نيسان والذي كان راعياً للنهب والسلب والسرقات وفي هذه الحكاية إشارات إلي حال الشعب الذي صار الفقر من أول صفاته وكيف مات الأمان في الشوارع والبيوت بعد أن كانت بغداد سيدة الطمأنينة علي مر العصور.
ويميل المؤلف إلي أخذ الموروث الشعبي في معظم قصصه ويضيف علي ذلك بعض الكاري والفلافل وبهارات الصنعة القصصية كما هو الحال مع قصة(أعمامه البخلاء) التي تعتمد الحكاية المروية شفاهية علي طريقة أيام زمان، وهذه المرة مجموعة حكايات عن أعمامه البخلاء، فهذا يتزوج من امرأة مطلقة لئلا يدفع(مهراً) وذاك يتعلم المشي بهدوء لئلا تبلي حذائه، ثم ربّ العائلة الذي يدفع أولاده الحال مع قصة(أعمامه البخلاء) التي تعتمد الحكاية المروية شفاهية علي طريقة أيام زمان، وهذه المرة مجموعة حكايات عن أعمامه البخلاء، فهذا يتزوج من امرأة مطلقة لئلا يدفع(مهراً) وذاك يتعلم المشي بهدوء لئلا تبلي حذائه، ثم ربّ العائلة الذي يدفع أولاده إلي مسك اللحوم في دكان القصاب ومن ثم غسل أيديهم في طنجرة الطعام حتي يشم رائحة اللحمة حين يأكل الخبز المنقع فيها، نعم إنهم رضعوا البخل رضاعة عن أجدادهم، ومن ينعتونه بالبخل فقد امتدحوه المهم بالنسبة لهم هو بقاء المال في مكانه وأن يكبر هذا المال بأي وسيلة كانت حتي إن جاء ذلك عن طريق الذم والشتائم!
وفي (ظهيرة قائظة) يكتب فيصل عبد الحسن قصة تسخر مما جري أيام حرب الخليج الثانية عام 1991 حيث تصل السريالية والفانتازيا آخر حدودهما، إذ توصم أية مدينة أو قرية بالعار إذا تمكنت طائرات أمريكا من قذفها بالصواريخ، وكان ينبغي علي أهلها التصدي للعدو وحرق طائراته – حتي من دون سلاح- أو إبلاغ المسؤولين الكبار بما يحدث (وهذا أضعف الإيمان) بحيث يقام تمثال شامخ لرجل أراد أن يتصل برئيس الجمهورية ليخبره أن الطائرات عادت تحلق فوق المدينة.
لكن المؤلف يقفز علي أيما حدث مهم في قصصه عموماً، ليأخذ المسار المعاكس، إذ ينتقل من حكاية إلي حكاية دون أن يستفيد من إشباعها، مع أن خبرته في كتابة القصص تمتد إلي سنوات بعيدة، إنه يكتب علي طريقة من يقول: سأقصّ عليكم الحكاية كما أخبروني بها.
**
يتجزأ الكتاب إلي ثلاثة أجزاء، فالمؤلف يري في هذه القصص ما يشبه الرسوم، واحدة بالأبيض والأسود، وهو ما يتعلق بأعمامه اللصوص وأعمامه السبعة وأعمامه البخلاء وأعمامه المقلدون، والثانية بدون ألوان ثابتة عن كلبة صارت نمراً وعن ظهيرة حارقة، أما الجزء الثالث فهو بألوان قوس قزح عن موت سعيد وأحلام ربما تتحقق أو حياة قد يتغير مسارها ذات يوم.
في قصة(الجثة) يعثر أحدهم علي جثة جندي أمريكي في سيارة محترقة، يشاركه أخوته في أخبار السلطات عن مكان الجثة، لكن التهمة تأتي من واشنطن، من البنتاغون تقول التهمة بصراحة إن هؤلاء الأخوة الثلاثة قاموا بتعذيب الجندي الأمريكي حتي الموت وإن وزارة الدفاع تدرس فكرة القيام بإنزال قوات خاصة للقبض عليهم ومحاكمتهم علي تلك الجريمة البشعة.
يتساءل أحدهم وهو يري جثة القتيل الذي كان وسيماً قبل موته:
- كم كان غريباً بأجهزته حين كان حياً!
بينما يقول الثاني:
- ستحط علي رؤوسنا المصائب إذا لم ندفنه ونقطع خبره.
وكان علي حق فيما فكر به، فها هي وزارة الدفاع الأمريكية تدرس خيارها النهائي بإنزال قوات خاصة فوق قرية(المنيصير) للقبض علي أولئك الأبرياء الذين غرقوا في شبر من الماء!
وفي قصته المتميزة (أعمامي السبعة) نجد لكل عم حكاية تستحق أن تذكر بشرح أطول، كما نجد أنفسنا أمام رواية لم تكتب عن حقبة من حياة القري والأرياف النائية، وعن ذاك الخليط العجيب المبعثر من العادات والطقوس التي ما يزال بعضها يتناسل عن بعض برغم حمي التكنولوجيا والتطور وحرب النجوم.
أعمامه السبعة يرغمون الضيوف علي أكل طعام كثير، وإذا ما رفض الضيف عزومة أعمامه سيري نفسه في حال لا يحسد عليها، فهناك لحم ورز ومشويات تزدحم في طست النحاس، وعزومة هؤلاء لا علاقة لها بالكرم الذي تعرفه العرب، وإنما طريقة معوجة لإثبات الذات علي أنهم أسياد المكان بلا منافس!
وهؤلاء السبعة شاركوا في حروب البلاد المتنوعة، أحدهم عاد إلي ضابطه المسؤول وهو يمسك إذن جنرال إيراني وهو يسحبه خلفه كما الخروف، وآخر عاد إلي معسكره مع ثلاثة جنود أسري، والثالث فقد نصف وجهه بشظية والتالي خسر ذراعه اليمني في القتال، فمضي لتربية الدجاج، وهكذا نري علي الورق رواية قتلها المؤلف من أجل أن تبقي مجرد قصة قصيرة بين القصص!
أما قصة(دنيا أخري) وهي من قصص الجزء الثالث، فسوف نقرأ حكاية السيد جميل الذي هبطت عليه السعادة فجأة، بعد أن حطمه الجزع والمذلة يري ثلاجته محشوة بأفضل أنواع الطعام، وحين يمضي لتسلم راتبه فهو يأخذ من أمينة الصندوق عشرة آلاف دينار بعد أن كان راتبه مائة دينار فقط، وفي باص الركاب الرخيص تبتسم له تلميذة حسناء توافق فوراً علي الزواج منه برغم أنه يكبرها في السن أكث مما يجب، يعطيها مفتاح بيته بلا تردد، فتأتي إليه بعد إنجازها الدروس في الجامعة، لكنها تطلب منه الذهاب إلي أهل الميت الذي رأته في غرفة نومه حتي يأخذونه إلي المقبرة، فيكتشف أن الميت الذي ما يزال علي فراشه لم يكن إلا هو نفسه، سوي أن الجثة (جثته) تشير إلي رجل مات من آثار الجوع والحرمان والإهمال والحسرات.
- يبدو أن المرحوم لم يذق طعاماً منذ عدة أيام - صفحة 122.
ذلك ما قالته التلميذة الحسناء وهي تحدق بالجثة المهملة علي فراش السيد جميل (ما أشد نحافته واصفرار وجهه) أما الحي الميت الذي ابتسمت له الدنيا فقد أيقن أنه الآن في مكان آخر بعيد جداً عما كان فيه.
وهنا، لم يسقط المؤلف في لعبة اليقظة والحلم التي سقط فيها عشرات القصاصين، عندما ينتهي هذا النوع من الحكايات بقولهم (وهنا استيقظ فلان من نومه فزعاً مرعوباً) وتنتهي القصة مأسوفاً عليها وعلي كاتبها، بل أعطي حكايته نهاية بمذاق معاصر.
ومن قصص الجزء الثاني نبدأ بقصة عنوانها(الكلبة التي صارت نمراً) وهي حكاية موجعة فعلاً عن الجوع العراقي في زمن الحصار، تدور أحداثها في (قلعة صالح) وهي مدينة تقع بين محافظتين في الجنوب هما العمارة من الشمال والبصرة من الجنوب، إذ يأتي فريق تصوير لعمل فيلم عن آثار الحصار، فيحتاج هذا الفريق التلفزيوني إلي نمر في إحدي اللقطات، فما وجدوا سوي كلبة هزيلة نفخوها بطريقة ما وأحاطوها بالمطاط مع قناع نمر متوحش، لكن الكلبة وبسبب جوعها المزمن تري ربلة المذيعة الطرية فما كان منها غير أن تقضم جزءاً من ساقها وتهرب بالغنيمة تاركة الفيلم وفريق العمل في حصار من وع آخر!
الكلبة – كما يقول المؤلف علي الصفحة 67- تحولت إلي نمر وأخذت تراقب ذاك الكرنفال بحذر، لم تستطع أن تفعل ما كان يفعله مغامرو المدينة، حاولت أن تقضم نواة تمر، لكنها كسرت جزءاً من أحد أسنانها، فما كان منها لاحقاً غير أن تجد الفريسة التي تناسب أنيابها!
أما القصة التي حملت عنوان الكتاب، وأعني بها طبعاً (أعمامي اللصوص) فهي حزمة حكايات في قصة واحدة عن لصوص أيام زمان وطرائف ما يفعلونه بضحاياهم، حتي ليبدو لك اللص محبوباً أكثر من كونه منبوذاً، فهذا السارق لا يكتفي بأخذ مال المسروق وإنما يدفع به إلي السجن وإلي طلاق زوجته وأخذ حصانة في غزوة واحدة، وفيصل عبد الحسن كما نري يمتلك أرشيفاً محترماً من حكايات (أعمامه اللصوص) وهم لصوص إلي حدٍ ما كما يقول الجد الأكبر، أما الضحية التي يسلبونها كل شيء فهي من جنس (المعدان) وهم سكان منطقة الأهوار في جنوب العراق وتعود أصولهم إلي السومريين أهل البلاد الأصليين وهم يعيشون عادة علي صيد الأسماك وتربية الحيوانات ومنها الجاموس، ولا تدري لماذا يتلذذ المؤلف بالضحك منهم وعليهم؟!
- جدتي تعتقد أن المعدان من المشركين الكفار وسرقة حلالهم واجبة وتبيحها الشرائع والدين وهي مفاهيم خاطئة لا نعرف من أين توارثها أهلنا؟ ص 49.
لكن المؤلف ما ينفك يسخر منهم علي طول الجزء الأول من حكايات أعمامه السبعة، بل تشعر – أنت القارئ- أن سوء الفهم بشأن المعدان لم يكن اعتباطياً، بل هو أمر مرسوم قبل الكتابة وبعدها!
وفي قصة (أعمامي المقلدون) وهي واحدة من أطرف قصصه وربما أكثرها قرباً إلي واقعنا المضحك في الستينات من القرن العشرين وما قبل ذلك أيضاً، حيث يأخذنا إلي مرحلة اشتهر فيها عبد الحليم وفريد الأطرش وكان بعض الشباب يقلد شخصية هذا وذاك إلي حدود التماهي المطلق، ومن هنا تبدأ حكاية أعمامه السبعة( إنهم سبعة في القصص جميعها) فهذا يقلد( مسعود العمارتلي) وهو مطرب من جنوب العراق تقول الروايات بأنه كان امرأة، إلا أنه دأب علي ارتداء ملابس الرجال والغناء بصوت ذكوري قوي، وذاك يقلد بونزي الأمريكي والثالث يقلد داعية إسلامي وثمة من يقلد زبرو الإيطالي وبينهم من يقلد مطرب الأحزان فريد الأطرش ومنهم من يقلد منافسه الدائم حليم، لكنهم عائلة(ديمقراطية) تفهم المعني لهذه الكلمة علي ضرورة العيش تحت سقف واحد برغم اختلاف الذوق، ولو استيقظ اليونانيون القدماء من قبورهم – كما يقول المؤلف- وأنصتوا لكيفية استخدامنا كلمة الديمقراطية لضربوا رؤوسهم ونتفوا لحاهم شعرة شعرة، ثم نرجع إلي بداية القصة لنقرأ: نحن عائلة من المقلدين الكبار، نقلد من يجذب انتباهنا وينحفر في ذاكرتنا، نلبس ما يلبس ونفعل ما يفعل، وهذه حقيقة يعرفها من عاش حمي السينما آنذاك وتأثيرها في عقول الناس.
لقد أخذنا فيصل عبد الحسن في هذه القصص إلي دنيا كدنا ننساها بفعل ما جري في حياتنا من هموم، لكنه راح يتذكر معنا في بعض قصصه ما فعلته الحروب بأولادنا، مما زاد في حسراتنا وهمومنا، وله طاقة عجيبة في إعادة ذكري الأشياء المنسية، بحيث ندخل معه مرة علي (مقهي الفكاهة) في قصة (المضحكة) ونخرج معه مرة إلي البنك الوطني في قصة أخري، كما لو أنه ما زال هناك بين بغداد وقلعة صالح والناصرية مع أنه غادر البلاد منذ أول مجري غازلت درب التبانة في طريقها إلي أعمامه اللصوص!
AZZAMAN NEWSPAPER — Issue 1864 — Date 17/7/2004
جريدة (الزمان) — العدد 1864 — التاريخ 2004 - 7 - 17
AZP09
STNA
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























