امرأة مجنـونـــة بحـبـه ….

كتبهافيصل عبد الحسن ، في 17 أغسطس 2008 الساعة: 22:11 م

 
 
امرأة مجنـونـــة بحـبـه
 
فيصل عبد الحسن *
 
جلست المرأة الشابة على المقعد الخالي إلى اليسار من بوابة المقهى ، حابسة دموعها بصعوبة ، ناظرة بعينيها الحزينتين عبر النافذة الزجاجية المطلة علىالحديقة الكبيرة التي يضمها الفناء الواسع المحيط بالمبنى الشتوي للمقهى ، وقد بدا الضباب كثيفا عند أعلى  الزجاج ، الذي تقوس من الأعلى مع جدار النافذة. كانت في الخامسة والعشرين ، رشيقة القد وتعلو وجهها الأبيض الممتلئ بنمش خفيف كآبة عميقة ، وقد وضعت على قمة شعرها الأسود المنسدل على كتفيها قبعة صوف حمراء بكركوشة  تميل إلى الجانب الأيسر من وجهها المدور. كان المقهى فارغا تقريبا إلا من بضعة طالبات من الجامعة القريبة يعدن استنساخ محاضرات فائتة على الجهاز القديم في يمين المقهى بمساعدة مستخدم المقهى ، وكانت ضحكاتهن تعلو بين الفترة والأخرى. كانت المرأة ، الهاربة فيما يبدو من وظيفتها أو من بيتها ، أو ربما من بيت أهلها تشعر بالحرج من جلوسها في هذا المقهى الذي سمعت عنه القصص والروايات وكلها تحكي عن سمعته السيئة ، وقد أقسمت لها صديقتها هدى بأغلظ الإيمان ، محاولة التقليل من أذى شعورها بالغيرة وحبها المجنون لزوجها لأنه  يؤم هذه المقهى بعد الغذاء كل يوم إنها مجرد إشاعات ولا أساس لها من الصحة ، وأن المقهى كغيرها من مقاهي الدار البيضاء يؤمها الرجال والنساء وما يحدث فيها هو ما يحدث عادة في كل مقاهي المدينة : لقاءات بين الجنسين وأحاديث متشعبة وضحكات  ومشروبات باردة وساخنة وآيس كريم وحلويات وتدخين سجائر ، ومواعيد للقاءات جديدة لمزيد من الأحاديث والتعارف والضحك ، ولا شيء غير ذلك في تلك الأمكنة العامة المعروفة في المدينة ، لكنها لم تصدق ذلك  وأرادت أن  تثبت هواجسها بنفسها ، وفكرت أنها عندما تجد الدليل على خيانته لها ، عليها أن تفعل ما يؤذيه طوال حياته ، فلقد آذاها كثيرا ، ولم يعد باستطاعتها تحمل المزيد من الأذى ، ومن جديد مسحت نظراتها القلقة نافورة الحديقة وشجيراتها الباسقات وقد امتلأ الجو بعطر أخاذ منبعث من شجيرات الورد والفل والياسمين والنرجس التي يعتني بها نادل المقهى شخصيا لغرامه بالزهور والرياحين.
راقب النادل حركات المرأة من بعيد والتي بدت له متوترة وانعكست ورود  فانيلتها الصوفية البيضاء على زجاج النوافذ ، واسترسل شعرها فوق المنضدة التي التصقت عند قمة الزجاج ، وكعادته مع الزبائن الجدد اقترب منها ، فسمعها تقول له بصوت فيه بحة خفيفة : شاي من فضلك !
 
مسح المنضدة بقطعة قماش وقبل أن يغادرمنضدتها لتلبية طلبها سألته :
 
ألا يجيء محمود إلى هنا بين فترة وأخرى ؟
 
نطقت الاسم وحركت كفها بعشوائية وكأن الجميع يعرفون زوجها محمود. فكر النادل المسن لحظات. كان قد غادره الشباب منذ فترة طويلة واصطبغ شعر رأسه بالبياض وبدا للمرأة الشابة ضئيلا ووجه مصفرا إلى درجة المرض ، لكن ثمة بريقا محببا في عينيه كلما حدق في وجه امرأة. أشارت بيدها :
 
إنه طويل ، وشعره أصفر كالتبن
 
ومضت في رأس النادل صورة زوجها ومعه شابة جميلة يصطحبها إلى مائدة منعزلة كل يوم ويغادران بعد الغداء بساعة إلى مكان آخر ، وهما على هذه الحال منذ سنة تقريبا ، أكملت المرأة  متلعثمة : إنه زوجي…
 
تمتم النادل بدبلوماسية محاولا التغلب على مشاعر توتر بدأت تسيطر عليه :
 
أهــــلا  وسهلا بك
 
قالت وهي تشعر بالإحراج : جئت أبحث عنه لطارئ ، ولم أجده في مكتب عمله القريب من مقهاكم ، أخبرني زملاؤه أنه يأتي إلى هنا وقت الغداء
 
ابتسمت المرأة محاولة التغلب على شعورها بالحرج ، قال النادل وهو في العادة لا يتدخل فيمالا يعنيه : محمود… إنه يجيء بين الحين والآخر إلى مقهانا.
سألت المرأة بمكر محاولة الإيقاع به : لم يأت لوحده آخر مرة ؟
فكر النادل لحظة وأجاب بحصافة : أجل ، مع زميل  له إذا لم تخن الذاكرة دخلت فتاة شابة المقهى وكانت قد بالغت بوضع أصباغ المكياجعلى وجهها رأتها المرأة فازداد أوار  الحريق في صدرها ، مسح النادل منضدة المرأة من دون أن يلتفت إلى الوراء ليرى شكل الوافدة الجديدة ، وعندما أكمل ذلك ، همس سأجلب لك الشاي….
قالت المرأة  الشابة : أجل سأشرب الشاي ذلك ما أفعله أثناء الانتظار وعلى زجاجالواجهة الداخلية للمقهى نبضت الحياة بالمرئيات ، فتمايلت أغصان الشجيرات وتساقط الندى وحرك تيار الهواء جريدة مفروشة فوق إحدى المناضد وتشظى ماء النافورة المتدفق ، وطار عصفور مذعور ، وبدت الحشائش أكثر خضرة في ضوء الشمس ، قالت المرأة في نفسها : سيجيء لينظر بنفسه نهاية كل شيء.. أخرجت  من محفظتها الجلدية قنينة دواء مملوءة بحبات حمر وضعتها على المنضدة وبقيت تنتظر مجيء  النادل بالشاي ويدها الممسكة بقنينة الدواء ترتجف… رددت مع نفسها بصوت مسموع : لقد عشت بما فيه الكفاية ولن أستطيع تحمل نظرات الشامتين عندما يتركني… وضغطت بأسنانها على شفتها السفلى حتى شعرت بالألم…
جاء النادل حاملا طلبها ، وضع الصينية أمامها ، لم تكن قسماته تعبر عن شيء محدد ، لكن المرأة كانت تراقب حركاته وتقلصات عضلات وجهه وفكرت  أنها ربما تستطيع إيقاعه بالكلام ، فسألته فجأة :
أهي جميلة جدا ؟!
رفع نظره إلى وجهها والتقت عيناه  بعينيها ولم يحر جوابا كررت بصوت راجف : إنها جميلة جدا وإلا لما أهملني كل هذه الشهور من أجلها
تمتم النادل : لا أعرف  ماذا تقصدين ؟
مسحت أنفها المحمر من جديد بالمنديل الورقي الذي تمسكه بأصابع مرتجفة :
المشكلة إني أحبه ولا أستطيع أن أتخيل امرأة  أخرى تأخذه مني
تمسك النادل بتصنعه الجهل وعدم معرفة الموضوع الذي  تتحدث عنه الزبونة ، وحل الصمت بينهما لحظات ولمح النادل قنينة الدواء  على المنضدة ، سألها بصوت خال من التأثر : أأنت مريضة ؟ ، قالت كأنما  تطرد شرا : زكام فقط. قال النادل متشككا : لا أعتقد أن هذا الدواء الخطير من أجل الزكام وحده ابتسمت المرأة بتوتر : لقد حزرت ، أنه ليس من أجل الزكام مد النادل كفه  إلى قنينة الدواء وأخذ ينظر إلى المكتوب على زجاجها ثم انفجر غاضبا وتمتم بصوت مسموع والتمعت في عينيه  نظرة غامضة  مشحونة بقلق قديم : إنه من الدواء نفسه الذي دمر حياتي !  كانت الفتاة ترشف من قدح الشاي وفي عينيها نظرة مستفهمة ، قلب النادل القنينة من جديد وأخذ يقرأ ماركتها ، وهز رأسه إيجابا وهمس :
نعم..  نعم.. إنه ذات الدواء الذي ابتلعت منه كمية كبيرة بعد أن فشلت في امتحان  البكالوريا للمرة الثالثة وقررت أن أضع حدا  لحياتي…
قالت متسائلة : يبدو أنه لم يقتلك..
تنهد النادل ، ونظر بعينين حزينتين إلى  المرأة الشابة :
لو مت في ذلك الوقت لكان ذلك أفضل لي.. لقد مزقت هذه الحبوب معدتي وبقيت تحت رحمة الأطباء ومشارطهم وخيوطهم يعيدون رتق معدتي في كل مرة أسقط  وأنا بين الموت والحياة وفي النتيجة النهائية توصلوا إلى منعي عن الأكل طيلة حياتي الباقية..  أتصدقين  يا سيدتي إني منذ سنوات مراهقتي أعيش على خمسة  ألتار من الحليب يوميا..
>تساءلت المرأة  خائفة : تعيش على الحليب  وحده ؟  
>أجل ، ولا أستطيع أن أغير حتى ماركة الحليب الذي أشربه ، إنه من النوع الخالي من الدسم تماما.. وإن أكلت شيئا فسأعاني آلاما  مبرحة ولا أعتقد أن بشرا عانى مثلها مثلي ، والمشكلة أن جميع الأدويةالتي تؤخذ عن طريق الفم ممنوعة علي.. ولا أتعافى من آلامي إلا بعد شهور طويلة مملوءة بالعذابات المتواصلة.
ارتجفت كف المرأة ، وهمست  وكأنها  تغيرت فجأة إلى  امرأة أخرى أكثر اتزانا وعقلا : من المؤلم أن أسمع هذا ، تصنع بنفسك كل  هذا من أجل لا شيء ؟!
هز  النادل رأسه إيجابا مبديا ندمه على ما مضى ولكن البريق في عينيه لم يكف عن التألق لحظة… أخذت الفتاة قنينة  الدواء في كفها وأخذت  تقلبها بحذر  أمام عينيها وراقب الرجل المسن  ارتجاف أصابعها ، وسألها بصوت خفيض :
أتطلبين شيئا  آخر يا سيدتي ؟
همست : أرجوك إذا جاء محمود لا تخبره أنني جئت إلى هنا  وسألت  عنه.. رأته يحمل الصينية ومعها آلامه  ويجرجر خطواته العليلة بين المناضد بعيدا عنها. بقيت لفترة قصيرة بعد ذلك تتأمل الحديقة  والنافورة وحركة الضوء والظل وبدا عليها أنها تحزم أمرها ، أفرغت قنينة الدواء في مكب النفايات القريب ورمت القنينة الفارغة أيضا ودفعت حسابها وخرجت من المقهى. كان النادل المسن مشغولا بتلبية طلبات زبائن جدد وهو يشعر بجوع  خرافي ، فهو في العادة يتناول فطوره قبل الظهر بساعة وبعد أن اطمأن إلى خروج المرأة الشابة المجنونة بحب زوجها من المقهى صرخ بصبي المقهى وطلب منه أن يجلب له فطوره اليومي : النفر كباب ويزيد له في كمية البصل والطرشي والزيتون..
*  كاتب عراقي يقيم بالمغرب 
    
 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

عفواً، التعليقات ممنوعة لهذا الإدراج