أمنيات لم تتحقق…

كتبهافيصل عبد الحسن ، في 17 أغسطس 2008 الساعة: 10:09 ص

   

 عشاء الجنازة في بيت تاجر بصري في سنة 1914

     قبل أن يموت جدي بفترة قصيرة كنت الوحيد الذي يلازمه طول الوقت، كأفضل صديق بالرغم من أن عمري وقتداك لم يتجاوز الثانية عشرة، و كنت أصغر أحفاده على الإطلاق؛ و أحفاده كثيرون موزعون على منطقة شاسعة بين الريف و المدينة! لم يكن كبيرا جدا في العمر عندما مات و لكنه دأب على تزويج أولاده و بناته في سن مبكرة، و ما أن ظهر أول صف من الشيب في مفرق رأسه حتى وجد عددا كبيرا من الأحفاد حوله، فكان يقول لأحدهم و هو يرفعه عن الأرض ليقبله: حبيبي حسين! فيرد عليه الصغير بتأتأة محببة: لا جدي..أنا علي!! و تختلط عليه أسماء الأحفاد بين سنة و أخرى فلا يفرق بين: محسن و عباس..بدرية و فاطمة، سعد و سعيد، و أسماء أخرى كثيرة، لكنه بقدرة قادر حفظ أسمي- ربما- لأن أبي و أنا كنا نعيش معه في البيت الكبير، فارتبطت به بصداقة حميمة، و كان بين الجد و الحفيد الكثير من الأسرار، التي لم يكن أحد غيرنا يعرفها، و قد كان عسكريا قبل أن يتقاعد. كان ذلك قبل زمن بعيد. كنت أعرف ان أصابعه ترتجف و لن يتمكن من رسم شيء مفيد في لوحة الرسم التي كنت أنوي رسمها، لكنه أعطاني المال اللازم لشراء الألوان الزيتية، و مع كل ما قمنا به و قلناه بشكل مشترك. كان بين الحين و الآخر يودعني رغباته و أمنياته و ما يخططه و يتمناه لجنازته بعد الموت! فقد كان يتمنى أن يكون المعزى الذي يقام له بعد الموت كبيرا، و تذبح فيه الذبائح السمينة، و يوزع اللحم المطبوخ على الناس بقطع كبيرة تملأ    رغبات العيون قبل البطون، و تفيض عن الحاجة و تنفرج أسارير المعّزين عن ابتسامات راضية بحكمة الله، و قضائه، و يوزع فائض اللحم على الجيران، و أمنيته الثانية أن تمر جنازته عبر السوق الرئيسي لمدينتنا بشكل مهيب ليعرف المعارف و الغرباء أن ذلك المحارب القديم، الذي ساهم في معارك الوطن قد مات و يكتب على شاهدة قبره إنه أفنى عمره في الدفاع عن البلاد و مات معوزا، مريضا، دون أن تزيد الحكومة من راتبه التقاعدي الزهيد!! و طلب مني ان أكتب هذه الأمنيات و أحتفظ بالورقة لئلا أنساها ساعة وقوع المحظور، و قال و هو يخوص بعينيه الكليلتين و يحك ذقنه بأصابعه المرتجفة: ستعرضها على جدتك لتعرف الجدة ماذا تفعل في ذلك اليوم، و أرجو أن لا تقع جدتك في الغلط فتسيئ فهم أمنياتي!!  و نظر إلى الأفق حزينا و اتبع ذلك بسعلة جافة، اعتقدت أنه سيغادر الحياة بعدها، لكنه استعاد أنفاسه و مرحه بعد لحظات، و ربت على رأسي بكفه المنكمشة، الباردة، و قال: لا تصدق إني سأموت قريبا، و سعال جاف لا يقتل محاربا صلبا مثلي!!

 

 

      في صباح باكر استيقضت وأنا أسمع لغطا و بكاء جدتي و أمي و عماتي المتقطع، و عرفت بعدها أن جدي قد مات! أسرعت ألى جدتي و أعمامي الذين قضوا الليل إلى جواره بعد أن اشتد عليه المرض، و الدموع في عيني و أخبرتهم بكل أمنيات جدي حول جنازته، و قرأوا الورقة التي كتبتها له قبل شهور، لكن الجدة قالت متمتمة بغيرة عمياء و وجه متآمر، موضحة أهداف جدي السرية: أن هدف المرحوم من إمرار جنازته وسط السوق الكبير ليست سوى حيلة مكشوفة لي!! و لم تكشف الجدة حيلة المرحوم لأولادها!! لكنني سمعتها تهمس لعماتي: أن أباكم أراد أن تعرف-زاهية- بائعة القماش- بموته و هي التي أحبها، و أحبته في مطلع شبابهما، و لم يوافق في ذلك الوقت أبوه يرحمه الله على زواجه منها، لأنها تعمل في السوق مع الرجال!!

وقالت الجدة متالمة: أنظرن ما زال بعد هذا العمر الطويل الذي قضيته معه يريدها و حتى بعد ان مات إلى رحمة الله!!

ثم تابعت متحدثة: لكنني لن أمكنها من الإنتصار علي حتى و لو كان ما نتنازع عليه كهل ميت!!

و تركتْ عماتي و عادتْ إلى عمي الكبير بقسمات وجه صارم لا يقطعه السيف، و طلبت منه أن تمر الجنازة على طريق آخر لا يمر بالسوق و لم يكن ذلك الطريق سوى المرور بمزبلة المدينة الضخمة، و لا يمكن قطعها بشكل مستقيم لارتفاع حجم النفايات و اضطرار الموكب الجنائزي للدوران في طرق فرعية تتوغل داخل دوائر و أشكال هندسية غريبة وسط روائح كريهة، فسارت جنازة الجد إلى خلف بيوت المدينة، متحاشية المرور بالسوق و قلب المدينة و انحرفت بعد ذلك إلى اليمين، و دخلت في متاهات المزبلة، و كلما توغل الموكب في المزبلة تناقص عدد المشيعين، فبعضهم لم يحتمل الروائح الكريهة ففضل التلكؤ عن متابعة المسير، و انفض الجمع الكبير، و أخد الكثيرون ينظرون إلى جنازة جدي المحمولة على أكتاف أعمامي من بعيد، و خلفها جدتي تمشي برأس مرفوعة، و عماتي و هن يخمشن خدودهن، و رأيت فوق وجوه الناس المنفضين عن موكب اشباح ابتسامات ساخرة! و الشيء المفجع أن عددا من الكلاب التي أصابها الهزال و انتشر الجرب على جلودها ظهرت فجأة من الحفر و من بين أكوام النفايات، و هي تعوي كالذئاب و اندست بين الرجال الحاملين للجنازة، فارتفع صراخ النساء، و أخد الرجال يدافعون عن أنفسهم بأقدامهم لأن أيديهم كانت مشغولة بحمل التابوت! و تذكرت أن طيلة فترة صداقتي مع المرحوم جدي أنه كان يتشاءم من سلوك هذا الطريق البشع، لقد سارت ذلك اليوم الرياح بما لا يشتهي الجد!! و كنت أراقب التابوت الذي يرتفع و ينخفض و يوشك على السقوط إلى الأرض كلما استطاع كلب من النيل من أحد أعمامي إلا أنهم لم يسمحوا بسقوط التابوت على الأرض، كان سقوط الجنازة في المزبلة يعني عارا أبديا لأسرته و عشيرته! فاستقتل أعمامي لحمل التابوت فوق الرؤوس و ركل الكلاب التي تجرؤ على الإقتراب منهم في الوقت نفسه!! و قد احمرت وجوههم و امتلأت شعور رؤوسهم بالتراب و بالرغم من خوفي الشديد من الكلاب و قد كنت مع موكب النساء الذي يلي الجنازة إلا أنني كنت أرمي الكلاب المتوحشة بالحجارة التي أتمكن من إلتقاطها في الطريق، و في كل لحظة كنت أنتظر أن يرفع الجد رأسه من التابوت، و يزيح الملاءة القطنية المزركشة بخيوط الذهب عن وجهه الغاضب ليشتم جميع أولاده، و أخوته و يطلب منهم أن يتركوا هذا الطريق القذر و يرجعوا به إلى وسط المدينة ليعرف القاصي و الداني إنه مات، لكن الجد لم يرفع رأسه. كأنما أخيرا استسلم لما خططت له الجدة طوال حياتها بإصرار عجيب: أن يكون لها وحدها !! دائما و إلى الأبد حتى لو اضطرت و أولادها و أحفادها على التمرغ في كل نفايات العالم!!

              - 3 -       

بعد أن عدنا من دفن جدي قالت الجدة بوجه راض: أمنية جدك حول الذبائح     

السمينة  و قطع اللحم الكبير في صحون المعزين….هذا أمر سهل!

ثم أخدت تفتح صرة بعد أخرى، و تجمع نقود هذه الصرةإلى دنانير الصرة الأخرى، و تفتح صندوقها الخشبي المرصع بالقواقع و تستخرج من جوفه المظلم جورابا قديما ملأته بالدنانير المدعوكة، و أخد عمي يعيد مط الدنانير ليعطيها شكلها المحترم قبل أن يرصفها فوق بعضها البعض، و بعثت الجدة من يستطلع أسعار الذبائح المرتفعة جدا، و لكنه عاد لاهثا بعد وقت قصير ليخبرها عن أسعار الذبائح المرتفعة جدا، و عمليا بعد مقارنة الأسعار الجديدة بما جمعته الجدة و الأولاد، فقد صارت أمنية الجد مؤودة هي الأخرى!! فاشترى أعمامي بعد مداولات كثيرة و أخد ورد وسؤال و جواب عنزا، عنيدا، مسنا، فر ثلاث مرات منهم داخل السوق، و تسبب في هرج و مرج بالسوق، و استقتل بالدفاع عن نفسه بقرنيه حين رأى سكين الجزار تقترب من رقبته! وعند الذبح تعذب العنز المسكين كثيرا بسبب السكين التي لم تستطع حز رقبته العجفاء، المكرمشة كجذر شجرة معمرة بالسرعة المطلوبة! و أخد الجزار بعد الذبح يرتجف كأنما ارتكب جريمة و جلس على كرسي صغير يلف لنفسه سيجارة قبل أن يسلخ الذبيحة و يقطعها! و بعد الطبخ وزع اللحم على المعزين ، و لم يسد الحاجة كما كان متوقعا، و الناس بالرغم من جوعهم ورغبتهم باللحم تركوه لقسوته و مطاطيته، إذ لم تستطع النار الشديدة و لا كميات الخل التي دلقوها في القدر الكبير طهيه، و بقي في الصحون مثل جزر جرداء من المرق الأحمر، دون أن يمسوه، فقد رأوا غيرهم ممن حاولوا معه، فقفزت القطع المطاطية إلى مكان آخر من الصحون أو إلى الأرض و صار البحث عنها تحت الكراسي مستحيلا، و اكتفى المعزون من الوليمة بالمرق الأحمر و الرز، و بعدها قرأوا سورة الفاتحة على روح الميت هامسين وتحدثوا عن عقوق الأولاد في هذا الزمان السيء!

     

- 4-                                    

أصرت الجدة على النقاش أن يحفر على الشاهدة التي ستثبت عند قبر الجد العبارة التي كتبتها لها على ورقة و فيها اسم جدي وتاريخ ولادته و وفاته و عبارة: أفنى عمره بالدفاع عن الوطن و مات معوزا مريضا!! و لكن النقاش أفهمها أن الأوامر مشددة عليهم من الحكومة أن يكتفوا بكتابة اسم المرحوم و سنه و آيات قرآنية و تاريخ وفاته و أن لا يزج بالأموات في القضايا السياسية!! فالسياسة من مشكلات الأحياء لا الأموات و بالرغم من أن العامل المسكين أظهر للجدة كومة كبيرة من الأوراق الرسمية المختومة من جهات عديدة، ليقنعها بضرورة الالتزام بما تريده الحكومة إلا أن العجوز لم تقتنع أبدا بوجهة نظره و أتهمته بالجبن و ممالئة الحكومة، و كان شعورها بتأنيب الضمير مؤلما لأنها لم تحقق للمرحوم أيا من أمنياته!! فدافعت عن طلبها بحرارة حتى اعتقد النقاش و الناس أن مسا من الجنون قد أصاب الجدة لفرط حزنها على زوجها الميت، و حين أخذ الرجل يبتسم من أفكارها و اتهاماتها الباطلة له، ثارت أكثر و هجمت عليه و عضته من طرف كفه و أبعدها الناس عنه بصعوبة، و قالت:

الكف التي تواطأت مع الحكومة و لم تنفذ رغبة زوجي من المفروض أن تعض

و أبعدها أولادها و الجيران عن الرجل، و لم تترك الجدة النقاش و شأنه إلا بعد أن وعدها أصدقاء المرحوم أنهم سيبذلون قصارى جهودهم مع النقاش لإقناعه بضرورة تنفيذ أمنية الجد الأخيرة..!

-5-

ذهبنا إلى قبر جدي في زيارة الأربعين بموكب عظيم. كانت عماتي يحملن فوق رؤوسهن قدور خبز التنور المحشو بالتمر المفرغ من النوى و المديوف بحبة الحلوى ، و السمسم و أورااق النعناع و من بعيد رأينا شاهدة قبر جدي الرخامية و كانت جدتي متحرقة لمعرفة ما صنع حفار الشواهد، و حالما وصلنا أخذتني إلى مكان قريب من الشاهدة و طلبت مني أن أقرأ ما نقش عليها و قبل أن تنزل من عينها دمعة واحدة على الراحل! و رحت أتهجى الكلمات بصعوبة، و بعد ان قرأت الإسم قرصتني من كتفي قائلة: لا تقرأ اسم جدك فأني أعرفه قبل أن تولد!! اقرأ ما بعد ذلك! و رحت أفكك لها العبارة الإضافية التي نقشت على الرخام بخط جميل: عاش و مات فقيرا و معوزا إلى مغفرة ربه و رضوانه… شعرت جدتي بالرضى و الراحة لتنفيذ رغبة المرحوم الأخيرة، لكنها قالت إنها غير راضية على النقاش لأنه لم يضف عبارة إنه كان مريضا طوال الوقت! و مع هذا النقص الواضح كانت راضية على النتيجة، و والدي الذي كان حاضرا و قريبا مني في تلك اللحظة همس بأذني أن النقاش لم يفعل شيئا ذا أهمية، و لم يخالف قوانين الحكومة، و ذلك لكوننا جميعا بما فينا الأغنياء فقراء و معوزين إلى مغفرة و رضوان ربنا تعالى... 

*  كاتب عراقي يقيم بالمغرب

        faisal.hasan@menara.ma أيميل    

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

عفواً، التعليقات ممنوعة لهذا الإدراج