بتول تحكي قصتها…
كتبهافيصل عبد الحسن ، في 16 أغسطس 2008 الساعة: 22:14 م
قصة قصيرة
بتول تحكي قصتها …

بقلم: فيصل عبد الحسن*
بتول ] آنسة جميلة ،لكنها كانت حادة الطبع ، كل شيء في حياتها لايقبل اللون الرمادي [ ،فالاشياء أما أن تكون بيضاء أو سوداء ، قبيحة أو جميلة والناس أما أن يكونوا شريرين أو طيبين ولاحد لطيبتهم ، بضة البشرة ، زنبقة حقيقية ، لها وردتان على خديها عندما تضحك . غمازتان محفورتان بإزميل فنان أضاف إليهما أحمرار وجهها المدوَر جمالاً آخاذاً، وأسفل عينيها الواسعتين المشدودتين بوتر غير مرئي الى أذنيها ، ظهرت هالتان سوداوان تدلان على
معاناتها واحزانهاالمتأخرة . رقبتها الناعمة لها زغب أشقر لايرى للوهلة الاولى ، ترى من خلالها العروق الزرق ظلالاً باهتة ، كتوشية مما كانت تنقشه الجدات على جلودهن امعاناً في التأكيد على جمالهن وإظهاره للناظرين ، وعندما تشرب الماء توشك تلك العنق أن تشف ليرى الناس قبضة الماء وهي تمر بدفعات صغيرة الى جوفها.. بتول بصدرها المتوثب وشفتيها الورديتين وطولها الفارع وامتلائها المتناسق كانت امرأة (هل صارت الآنسة امرأة ؟؟؟ لا احد يعرف ، فهي عروس ترملت ليلة عرسها.... ) لم تتجاوز الخامسة والعشرين من عمرها بعد ، تبثُ حولها نداءات سرية يستقبلها الرجال بتأثر خفي، خالقة فيهم حالة مبهمة من القلق المؤذي ، والسعادة الغامرة التي لا يعرفون لهاسبباً غير بهجة الجمال ... تتصاعد أصوات السجينات حولها، ويسمعنها كلاما مكرراً :
[حرام هذا الجمال يذبل بالسجن ....]
فترد عليهن :
- هذه قسمتي ..( تتنهد قبل أن تكمل).. وهذا سواد حظي…
رفضت جميع الرجال الذين تقدموا لخطبتي ، متمسكة بوعود حبيبي وأخلاصه لي ..(تصمت قليلاً قبل أن تكمل بنبرة حزينة ماسحة دموعها بمنديل مدعوك . ) وعندما جاءت القسمة وتزوجته، عرفت منه ليلة عرسنا أنه متزوج من ثانية ، تخيلوا ما حدث لي تلك الليلة ؟؟؟ لقد جننت،وحدث الذي كان مقدراً له ان يحدث …
تكاد أن تبكي وهي تحدثهن كيف أرتكبت جريمتها ، وكيف خانتها عواطفها تلك الليلة وفعلت فعلها بعريسها ، وهي الان تدفع ثمن ذلك من شبابها وحريتها ، ينقلونها من سجن الى آخر ، ومن عذاب العيش الذليل الى عذاب تأنيب الضمير ، حيث تحولت في الفترة الاخيرة الاحداث التي مرت بها الى كوابيس تنتابها طوال الليل ، حيث يأتيها [المرحوم ] في بداية الليل وهو يبتسم ، قائلا لها أنه كان يمزح معها ، وانها فعلتْ شيئا لم يكن ينبغي أن تفعله ، فتستيقظ صارخة ، وتعمد صاحبات السجن الى تهدئتها ، والطلب من السجانة بضرورة نقل( بتول) الى مستشفى الأمراض العقلية . …صاحبات السجن يعرفن أن عقل صاحبتهن سليماً لكنهن يتمنين أن يخفف الحكم عليها، لانها مظلومة مثلهن ، وهذا ما يعتقدنه عن الظروف السيئة التي أوصلتهن الى هذا الحال …
المحطة مزدحمة : باعة شواء على الارصفة . يختلط دخان مناقلهم بكوفياتهم المخططة وأثوابهم البيض الواسعة . رجال يعومون بالدخان . عمال السكك يسرعون وبأيديهم فوانيس مطفأة ، كأنهم يحملون أيقونات أثرية، وكأن الفجر القادم هو فجر هاته المسجونات وحدهن لايشاركهن فيه أحد…فجر خاص للمحطات المقفلة ، المملوءة بالغرباء والشحاذين واصحاب العاهات والسريين والباحثين عن كرامات الاولياء للشفاء من أمراض أستعصت على الاطباء والادوية ، والعباءات السود التي تخفي تحتها صرر الملابس وأكواز الماء الرطبة ، الصغيرة ، واحلام المسافرين وخوفهم ، وذلك الشعاع الحزين الذي تبثه في الروح عيونهم …
في العربة الثالثة التي حجزت لسجينات ينقلن الى العاصمة ، وقد صحبت السجينات امرأة سمينة ترتدي زي السجانات المميز ، يصحبها ثلاثة شرطة وعريف كهل ، أجلست السجانة( بتول) الى جانب العربة الايمن. كان فكرها مع صوت مطرب شعبي يأتي حزينا من مذياع قريب ، بدت جهشاته معبرة عن اللوعة والفقد، وبالرغم من تحذير العريف للمسجونات بعدم الاقتراب من نافذة القطار والبقاء بعيدات عنها وعدم النظر الى وجوه الناس في المحطات إلا ان السجينات ألتصقن بالنافذة المدرعة بالسفود الحديدية لمشاهدة المدينة التي عشن فيها قبل ان يغادرنها الى العاصمة لتمضية باقي محكومياتهن، ولمراقبة المحطات القادمة التي سيمر بها قطارهن السريع عندما يغادر المحطة … كن مسجونات لمختلف الاسباب : القتل والسرقة والتهريب وعدد قليل منهن لأسباب سياسية ؛ باعمار مختلفة وسحنات متباينة ، السمراء والشقراء ، من شمال البلاد ومن جنوبه ، متحفظات ومتحررات ، راقصات أتوا بهن من دور الملاهي ، خادمات قتلن مخدوميهن ، بعضهن أكتفن بسرقة أموالهم وحاجياتهم ، نساء قتلن أزواجهن ، مراهقات عشقن وقادهن ذلك العشق الى محن عديدة ، آخرها محنة عربة السجن الثالثة في القطار الصاعد الى العاصمة ، خليط غير متجانس في العربة – السجن- الموصدة إلا من باب واحد ، جلس قريباً من الممر المؤدي إليه وعلى مقعدين متقابلين ثلاثة شرطة وسجانة تعدت الاربعين من عمرها وقد بدت من كثرة أختلاطها بالمسجونات ،والفترة الطويلة التي قضتها بهذا العمل سجينة هي الاخرى ، لكنها كانت في ذلك الوضع وكأنها سيدة السجينات ورئيستهن..
لو لم يقع ما وقع لما وجدتْ الجرأة لتجلس قريبا من هذه المرأة المكتنزة الصدر ،متوترة
الشفتين ، والتي ملابسها تعبق برائحة غريبة هي مزيج من عطر زهيد الثمن ورائحة تبغ حريفة ، ولضربت صدرها بكفها وخمشت خديها، ربما لفعلت ذلك عندما تسمع خبراً عن واحدة من اللائي بهذه الاوصاف ، لكنها تجلس الان قريباً منها هادئة مستسلمة لمصيرها ، تجمع طرفي عباءتها الى نصف وجهها الاسفل منفذة ما تطلبه منها ، فالمرأة - في
اعتقادها - أكثر تجربة وانتقلت من سجن الى آخر طوال العشر سنوات الماضية ، ولا يزال من محكوميتها سنوات كثيرة كما أنها لا تخاف من أن تسمع الشرطيين سخريتها منهم ومن ضباطهم …تهتز العربات وترتعش الاضواء وتمر المحطات ؛ محطة أثر محطة ، وتجتاح العجلات الثقيلة المدوية صحراء مظلمة ،واعمدة ضئيلة … ترتج المفاصل الحديدية والوصلات . تنصت بتول لعوائه الوحشي مؤاخية لإنصات الصحراء وحيواتها السابتة . تلتمع في الظلام الشامل خارج عربات القطار النجوم وفوانيس عمال المحطات بزجاجها الاخضر والاحمر ، معطية الإشارة للقطار أن يغزو غزواته الليلية للقفار والقرى الحزينة ، النائمة بعد غروب الشمس بقليل ، المتسربلة بضوء مصابيح باهتة ، ترتعش أيضاً شعلات تنانير من خلال كوى وفتحات ضيقة في جدران بيوت طين وفي باحاتها .
عريف الشرطة يصلي على سجادة قديمة ومع أرتجاجات العربة وأتجاه القطار المتغير يضيع مكان قبلة الصلاة ، إلا أنه يستغفر ربه ويحرك رأسه قليلاً وينظر بطرف عينه مستمعاً لضحكات بعض السجينات اللائي طلقن دنيا الحشمة وسمحن لأنفسهن أن يتعاملن مع الحياة على سجيتها وبأنطلاق تحسدهن عليه من لا تعرف ظروفهن الصعبة ، ويآسهن من ممارسة جديدة لحياة الحرية مرة أخرى،يغمض عينيه استحياءً وهو يرى احداهن تكشف له صدرها فتظهر لعينيه ساقية الصدر المنحوتة نحتاَ… حاول أن يتمتم من جديد برباطة جأش ما حفظه من الآيات القرأنية ليتقي الفتنة ومعها الشيطان ، لكنه يغفل عن الذكر لحظة فيعاود النظر فيرى بائع الشاي وهو يصب من الكتلي الضخم للسجينات المتضاحكات … تعوذ من الشيطان الرجيم وعلى المشبك المخصص للحقائب فرش العريف بطانيته بعد الصلاة وحاول أن يغمض عينيه ، وبقي الشرطيون يتضاحكون وبنادقهم بين أفخاذهم ، والسجانة وضعت رأسها متكئة الى معدن الجدار وأغفت ، وتعالى سعال سجينة جاف … بتول أخذت تحدق بظلام الفلاة المقطوعة التي ترتد كل لحظة الى الخلف ، ناظرة بين الحين والاخر الى ضوء المصابيح الخافت . سألتها رفيقتهاالتي تشاركها بالقيد الحديدي ،الذي حول معصميهما : لماذا قتلت عريسك ؟
أنهمرت الدموع من عينيها . روت قصتها لرفيقتها ، وتناثرت الكلمات بين دموعها وجهشاتها ومسحها لمخاطها ، أستطاعت المسجونة أن تعرف ما حدث تلك الليلة ، التي أعتقدت فيها بتول أن عقاب الرجل الخائن الذي ضحك عليها بكلمات الحب والاخلاص فوطدت النفس لتخلص له وتتمسك به ، ورفضت كل الذين تقدموا لطلب يدها ، وكرر على مسمعها أنها عشقه الاول ووعده الاول وأنها الوحيدة التي لا يرى في هذا العالم غيرها ثم يعترف لها في ليلتهما الاولى بعد الزواج أنه متزوج من أخرى ، فجأة قدحت عيناها بالغضب وهي تسأل شخصاً يقبع في الظلام ، ربما خلف زجاج نافذة القطار : ما عقاب ذلك الرجل ؟؟ ما عقابه غير الموت ؟ ثم أنفجرت باكية والقطار يدرج عنيفاً والعربات تهتز كأنما روح القتيل تهز العربات وتجوس فوق السقف وتطرق جدران العربات ، وبعد أن هدأت قليلاً أخبرتها أنها لا تدري كيف واتتها الجرأة لتغرس في صدره سكين المطبخ ، رآته يضحك ويضحك من سذاجتها وغفلتها، نعم لقد تزوج الاولى لمالها وتزوجها هي لجمالها ذلك هو تبريره لما حدث ….
هل هذا منطق العاقلين يا ناس ؟ كان يضحك وهو يراها مقبلة نحوه معتقداً أنها آتية لتندس في حضنه مكتفية بالبكاء مما أصابها من ألم بفعله الغادر ثم تغيرت نظرته اليها، وصارت عدائية والسكين تنغرز في صدره والألم يزداد كلما صعب عليه التنفس…
قالت وقد هدأت تماماً كأنما تطهرت من فعلها: (المحامي الذي وكلته في المحكمة ، قال للقاضي : انها طعنت عريسها ،لإنه قتلها .. نعم لقد قتلها، ولاذنب حقيقي للمقتول إذا أصاب قاتله من فرط ألمه …) أنفرشت احزان بتول في مساحة العربة ، وتلاشت دموعها المتجمدة في الموقين وهي تستمع لغناء زميلات العربة ومشاجراتهن التي لاتنتهي والقطار يمضي مطوحاً بأستار ليل المدن الصغيرة والقرى التي يمر بها ويكشفها للرائي للحظة ، لكنها كانت كافية لمعرفة دروبها وجغرافيتها المعقدة ….
الدارالبيضاء
2003
الكاتب عراقي مقيم بالمغرب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























