شجرة الحب …
كتبهافيصل عبد الحسن ، في 17 أغسطس 2008 الساعة: 22:07 م
فيصل عبد الحسن/ كاتب وصحافي عراقي يقيم في المغرب
عادا من الجمعية التعاونية بعدأن تسوقا ما يحتاجانه من مواد غذائية والشمس تغرب والافق يشتعل بحمرة قانية . كانت مكلفة بعمل مسائي في مقر عملها حتى الساعة السابعة مساءً قبل ذلك التبضع المتعب،كان زوجها فرحا بطبق البيض الكارتوني الذي حصلا عليه من الجمعية المخصصة لذي الدخل المحدود بسعر مخفض ولديهم الآن ثلاثون بيضة إلاواحدة …
تهشمت تلك الواحدة عندما دفعه المسؤول عن التوزيع في السوق ، معتقداً أنه تجاوز على دور غيره في الطابور ، وبالرغم مما لقياه أثناء يومهما من متاعب أثناء العمل وبعد ذلك في التعاونية إلا أن زوجته وجدت المزاج الرائق لتضع رأسها على كتفه عند العودة ، وأخذت خصلات شعرها تتطاير حول أنفه ووجهه، وقد صبغت شعر رأسها قبل فترة قصيرة بصبغة مغشوشة مما عرض شعرها لأن يصير مثل خيوط الليف ، وجعلها تبكي لمصير شعرها مدة يومين ، وصدعت له راسه عن مصير اولئك الناس الذين يغشون غيرهم، متمنية أن يحاكم من يخدع ابناء جلدته بهذا الشكل، ويعاقب بأقسى انواع العقوبات وأولها أن يستخدم المادة المغشوشة على نفسه أمام الجمهور ليصير أضحوكة، لكنها نسيت كل ذلك بسرعة عندما اعطتها احدى صديقاتها زيتاً طبيعياً مأخوذاً من شجرة أفريقية ضخمة تسمى شجرة الزان ، فسرحت به شعرها فزالت خشونته، لكنه بقي يثير رائحة قوية منفرة تذكر برائحة الاغصان المقطوعة لتوها ، ولانها لاتستطيع أن تشم شيئاً لعيب ما في أنسجة أنفها منذ الولادة كما أخبرته في فترة حبهما الاولى، فبقي وحده يعاني من تلك الرائحة غير المقبولة ليلاً ونهاراً، ولم ينبهها الى ذلك مخافة أن تغسل شعرها من ذلك الزيت المتعفن ، فيعود شعر رأسها خشناً كخيوط الليف فتعاود البكاء من جديد على نعومتة المفقودة ، كانت تتنهد بين لحظة وأخرى طيلة قطعهما مسافة الطريق بالحافلة بعد ذلك وقد كانت ممتلئة تماماً بالناس العائدين الى بيوتهم بعد يوم عمل متعب ، وأخذت تقول له هامسة : ( احببتك منذ اللحظة الاولى التي رأيتك فيها… )
قال ضاحكا من رومانسيتها :
- (أننا متزوجان منذ أربع سنوات ، ولا زلت تذكرين كل ما حدث لنا في فترة حبنا الاولى ، لك ذاكرة مدهشة حقاً، وتذكرين ذلك مباشرة بعد معركة الحصول علىا لبيض التي خضناها مع غيرنا …)
- ( لا تهمني كل هذه الصعوبات . ما دمت تحبني كما كنت .)
شعر بالشفقة عليها ، أنه لم يكن الشخص المناسب لها ، هو يعرف ذلك ، ولكن الحب اعمى مثلما يقولون ، إذ بالرغم من وظيفته الصغيرة وراتبه المحدود وعدم تكميله الدراسة الجامعية ، ومواهبه المحدودة إلا انها وافقت على الارتباط به، وهي الابنة الوحيدة لعائلة كبيرة ومعروفة وقد كان أبوها وكيل وزارة سابق ، أما هو فقد عاش
طفولة بائسة، وقد أكملت دراستها الجامعية بتفوق ، و بالرغم من معارضة عائلتها لهذا الزواج الذي حرمها من متابعة دراستها العليا بالخارج ، مثلما تؤكد و تكرر أمها لكل من يسأل عن احوال أبنتها من المعارف والا قرباء الشامتين بمصيبتها كما تعتقد ، ألا أن الابنة أصرت على الاقتران بمن تحب ، وتم لها ما أرادت وأقترنت به وعاشا حياة مغمسة بالحرمان والحاجة ، لكنها كانت سعيدة على كل حال ، إذ كان يكفيها أن تحلم بحيازة ما ينقصها لتجده في خيالها قريباً من يدها ، وفي كل مرة تتسبب بكارثة حقيقية لزوجها بسبب حياتها السابقة في بيت معروف ووسط أجتماعي آخر ، ولا يدري كيف رعته العناية الالهية في كل مرة ليخرج من محنة ليقع فيأخرى ويجد منقذا جديدا مما عاشته وتعلمت عليه في طفولتها وهكذا :
ففي مرة من المرات أقامت وليمة كبيرة لصديقاتها ومعارفها في احد الفنادق الغالية و اضطرته تلك العزومة أن يستدين من كل الذين يعرفهم ليسدد الفاتورة الضخمة التي أبتلى بها تلك الليلة، لقد كانت ليلة ليلاء لن ينساها طيلة حياته لما فيها من أنواع القلق والإحراج.
كان أصحابها وأقرباؤها وقريباتها يأكلون ويتحادثون ويضحكون وهو وحده كان الصامت المحتسب كأنه المأكول في تلك الوليمة لا زوج صاحبة الدعوة ، وقال مع نفسه حينها صدق من قال ، إن أشجع الشجعان من يرى الناس تأكل من طعامه ولا يصيبه الشلل أو تأتيه السكتة القلبية ،لم تكن وليمة من الولائم التي نعرفها بل كانت الخراب بعينه ، وكانت رغبته عميقة بحبس هؤلاء الناس جميعاً في أقرب موقف للشرطة ، متذكراً نادرة عن احد العارفين سمعها من أستاذ اللغة العربية عندما كان طالبا في الثانوية ، فذلك العارف سمع يوماً رجلا يصيح في الشارع : مَنْ يُعشي الجائع ؟ فناداه وعشَاه. ولما أراد الرجل أن ينصرف قال له: هيهات أن أسمح لك بالخروج إلى الشارع هذه الليلة ، فتؤذي الناس كما آذيتني ، ووضع رجله في قيد حديدي وحبسه حتى الصباح .
يكاد أن يضحك كلما تذكر شيئا مما فعلته به زوجته طوال السنوات الاربع الماضية ، لكنه يعترف بأنها أطيب إنسانة عرفها ، أتفق معها في الكثير مما اعتقدته صحيحاً من العا دات التي لم يكن يعرفها من قبل، وكانت قد تعلمتها من أفراد طبقتها والناس الذين عاشت معهم ، وتعلم منها الكثير مما لم يتعلمه من أهله الفقراء ، الذين كانوا يرتجفون أمام أقل ا لموظفين منزلة في الحكومة . فجأة رأى زوجته تنظر في ساعتها وتهب مذعورة ، سألها : ماهي الحكاية ؟ قالت : كادت تقع كارثة حقيقية لحبنا . فقال متوفزاً : يا ستار ….
كان بعض الجالسين في الحافلة حولهم قد أنتبهوا الى الحوار الذي دار بينه وبين زوجته ، ورآها تجمع حاجبيها ، والجميع أخذوا يتلفتون حولهم معتقدين أن حادثاً مرورياً سيقع للحافلة التي يستقلونها ، وسألته كأنما تسال تلميذاً في الثانوية ، هل حضر واجبه البيتي :
- إلا يذكرك يوم الرابع من آذار بشي ء ؟؟؟
وسمع في صوتها بحة غريبة كأنما توشك على البكاء ، وحاول أن يتذكر ، ولكن ماذا يتذكر وهما يعيشان في دوامة حياة صعبة كثيرة الاحداث ،سريعة التقلبات لا تمهل احداً هنيهة ليتأمل حياته وما آلت إليه احلام طفولته وشبابه ، ماذا يتذكر الانسان وهو يركض صباحاً ومساء ليوفر القليل الذي يكفي للعيش المستور ؟ وحاول أن يتذكر، لقد بدا له وجه زوجته وهي تنتظر إجابته كالحا ، وكأنها لن تنتظر طويلا لتلقي عليه بحكمها القاسي ، أنه بلا عواطف وأنه توقف عن حبها ولا يعبأ بها، ولا بأهلها وحياتها معه صارت بلا طعم ولا معنى وحاول أن يشحذ ذاكرته متوسلا بالله تعالى أن يمسح الشاشة التي أصطبغت بالبياض في رأسه بكلمات يستطيع قراءتها لفك هذا اللغز المبهم الذي تطرحه عليه زوجته الحبيبة ، وتلفت مستنجداً بوجوه الذين حوله من ركاب الحافلة وعندما شعر الركاب أنهم أزاء مسائل شخصية بين رجل وزوجته أداروا وجوههم بأتجاه زجاج النوافذ أو الى صحفهم المفرودة بين أيديهم ، تاركينه في محنته الخاصة أمام ملامح صلبة تنتظر الإجابة على مضض ، وكأنها أتخذت قرار الادانة حتى قبل أن أن تلقي السؤال عليه ، وتساءل مع نفسه : يا ربي هل هو يوم زواجنا ؟ أو خطوبتنا ؟ هل هو يوم وفاة أبيها ؟ أو موعد دفع الايجار لصاحبة البيت الذي نسكنه ؟ أو موعد حلول دفع قسط أثاث عش الزوجية الفاخر ؟ أم هو موعد حلول احد الوعود الذي قطعته على نفسي في لحظة حب لها لم احتسب فيه، ولم أتروَ وعلي الان أن أدفع الثمن ؛ تنفيذ الوعد ومواجهة غضبها لاني نسيت تاريخ الوعد . وأخذ يضرب أخماساً بأسداس ،وأنطبعت على وجهها قسمات الأستاذ عندما يحاول تقريب الإجابة الصحيحة لطالبه الغبي، وهو يراه يحير أمام سؤال بسيط لكنه يحتمل إجابات كثيرة ، فقالت بصوت فيه الرحمة ومشاركة المحتار :
- الرابع من آذار ، الساعة التاسعة مساء ؟؟؟
أراد أن يعرف ما جرى في التاسعة مساء من ذلك اليوم (الزفت) ، لكنه لم يتذكر برغم محاولاته العديدة ، وكان كلما حاول التركيز على يوم من أيام شهر ماض تناثرت في رأسه صور حياته مثل أوراق الاشجار وقت الخريف . يا الله كم من الذكريات في هذا الرأس وكم من الصور المرتبكة التي تختلط ببعضها وتتناسل كأنما دخل الى صالات سينمائية عديدة ليشاهد في وقت واحد عدداً لايحصى من الحوادث والمصائر، سبحان الله بالرغم من ذاكرتنا المدهشة ، لكننا لانستطيع أن نجد ما نبحث عنه إلا حين نضع العنوان الواضح لما نبحث عنه ، وسألها متردداً :
- هل الأمر يخصك أم يخصني أو له علاقة بعائلتينا ؟
حدجته بالنظرة التي سحرته عندما التقاها أول مرة :
- أمر مهم لي ولك ….
ولم تضف عبارة جديدة ، وفجأة أشرقت شجرة يوكالبتوس ضخمة في خياله ، وصاح كطالب وجد الإجابة الصحيحة في اللحظة الاخيرة من الامتحان :
- شجرة الحب . شجرة حبنا الاولى …..
ورأى أبتسامتها تتسع لتصير ضحكة ، ونظرت الى ساعتها ، وقالت بأستعجال : سنوصل البيض الى شقتنا ونغير ملابسنا لنخرج من جديد لنحتفل بذكرى أول لقاء لنا عند شجرة الحب .
- في هذا الوقت ؟؟؟ ونحن بهذا الارهاق والجوع ؟؟؟
قالت برومانسيتها وخفة روحها :
- سنأخذ سندويجتين من الطريق لنلحق نصل بالوقت المحدد ، سنكون في التاسعة عند شجرة الحب ونشعل عندها شموع سنوات حبنا الماضية ….
ردد مع نفسه وهو يشعر بأرهاق لا مثيل له : هذا جنون مطلق …
فسألته والركاب القريبون منهما يحاولون التنصت على ما يقولان من دون أثارة الانتباه لهم خصوصاً بعدما أنارت وجه زوجته أضواء ذكرياتهما الاولى وحبهما العاصف :
- ماذا قلت ؟؟؟
- لا شيء . تساءلت فقط ، هل نجد الوقت اللازم لنصل تلك الشجرة ( اراد أن يقول ملعونة لكنه حبس الكلمة لئلا تغضب زوجته لانه وجه أهانة الى ذكرى عزيزة من ذكريات حبهما الخالد… )
****************
في التاسعة مساء بالضبط كانا قريبين من الشجرة الضخمة ، التي لفها الظلام من كل جهة ولم تكن المنطقة مثلما كانت قبل أربعة أعوام عامرة بالاضواء والباعة الجوالين والناس الفرحين ، كما أن المكان لم يعد نظيفا كما كان من قبل فقد أنتشرت الأزبال هنا وهناك ، وأوى الى حفرة قريبة من الشجرة كلب شرس أخذ ينبح حالما شعر بوجودهما قريباً من وجاره ، كانت امرأته تخاف أشد الخوف من الكلاب ، لكنها لم تفصح عن خوفها من الكلب لئلا يجد زوجها مبرراً للانسحاب من هذا المكان العزيزعلى قلبها . الحديقة الصغيرة التي كانت حول الشجرة تحولت بفعل الزمن وعدم الاهتمام الى خراب موحش ، والاشجار الصغيرة التي كانت تعد بالزهور والاثمار تيبست لانها لم تسقَ بأنتظام ، ولم يهتم احد بها منذ فترة طويلة فيبست وبدت من بعيد في الظلام مثل هياكل عظمية مخيفة ، معلقة في الهواء بخيوط غير مرئية يحركها الهواء كلما هب بين الحين والاخر، فتصدر نشيجاً حزيناً كأنه البكاء على مامضى من الايام السعيدة التي كانت مليئة بالوعود الكاذبة… . قالت زوجته برومانسيتها التي اعتادها و التي لا تريد أن تتخلى عنها مهما تغيرت الدنيا والظروف والاحوال ومضى الزمان السعيد وجاء بما هو أصعب وأقسى :
- سنوقد شموع حبنا هنا …..
وتعالى نباح الكلب كأنما ينذرهما من عواقب الاقتراب من مأواه ، لكن ذلك النباح المبحوح المخيف لم يثن الزوجة عن إخراج أربع شموع ، وأعطت زوجها علبة الكبريت ليشعل لها عود ثقاب ، وما أن فعل ذلك حتى سمعا صوت صفارة يعلو ، وسمعا بعد ذلك صوتأً أجشاً يأمرهما أن يقفا مكانيهما وأن لايتحركا ، فوقفا مدهوشين ومن بين صف الاشجار الواطئة برز لهما رجل وبيده كشاف كهربائي وسرعان ما أستطاعا أن يميزا هيأة رجل حرس محلي من اولئك الذين يصطادون الخارجين على قانون الاخلاق العامة ، وسألهما بصوته الأجش : - ماذا تفعلان في هذا المكان وفي هذا الوقت المتأخر ؟؟؟؟
وحاول أن ينظر في ساعته وهو يقرب نور الكشاف من معصم يده . قال الزوج محاولا تصنع المرح ، وقد فكر بسرعة أنه إذا أخبره بالحقيقة ،فانه سيعتقد انهما يخدعانه وسيضطرهما للذهاب معه الى مركز الشرطة كمشبوهين كي يثبتا انهما متزوجان ولن يطلق سراحهما إلا في الصباح كما اعتادت الشرطة أن تفعل ذلك مع غيرهما في أحداث مشابهة :
- انا وزوجتي جئنا لنوفي نذراً بأيقاد الشموع هنا….
نظر الحارس المحلي بوجهيهما مشككاً ثم نظر بوجه الزوج ، وشعرا أنه سيطلب منهما أوراقاً ثبوتية تثبت أن المرأة هي زوجته. . وسأله الزوج بجرأة ، أن كانت المنطقة ممنوعة على السابلة ؟؟؟ فإجاب (بلا) طويلة تعني نعم في عرف الحرس المحلي ، لكنه أضاف أن الوقت متأخر وعليهما أن يغادرا هذا المكان وإلا أضطر الى أصطحابهما الى مركز الشرطة لأن الاوامر التي لديه واضحة ولا تسمح لهما بالالتقاء في هذا المكان ليلاً واذا كان لديهما نذر ما فعليهما أن يذهبا الى مكان آخر غير منطقته المسؤول عنها لقضائه هناك، شكره الزوج وأمسك بيد زوجته ليستعجلها على مغادرة المكان المرعب ، ونسيان شجرة حبهما الاولى الى نهاية العمر ….
وفي الطريق كانت زوجته تؤنبه لأنه لم يكن حازماً مع ذلك الحارس البلدي التافه الذي وأد فرحتهما بالذكرى الرابعة لميلاد حبهما الخالد ، وبحث الزوج عما تبقى في جيبه من الراتب الشهري وقال لها بكرم حاتمي :
- لا عليك يا حبيبتي سأدعوك الان الى عشاء في المطعم الذي تختارين لنحتفل معا بهذه المناسبة السعيدة ….
فرحت زوجته جداً، وارادت أن تقبله في الطريق ، لكنه أشاح بوجهه عنها وأكمل كلامه بكلمات حازمة :
- لكن بعد هذه الدعوة الكريمة، أرجو أن نجد من يسلفنا مالاً لنعيش به حتى نهاية الشهر …..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























