عراقيون أجناب: الجزء الثامن..!!!
كتبهافيصل عبد الحسن ، في 5 تموز 2009 الساعة: 16:17 م
- 43 -
أدخل جاسم العطية بلقيس إلى صريفته وهمس لعاقول أن لا يخبر أحداً بمجيئها، ونظر إليه عاقول بغباء وقال: "حتى الشيخ؟". أكد عليه أن لا يخبر أحداً بما في ذلك شيخ المعدان. جلست بلقيس وسط أكوام الملابس المرمية وأعقاب سجائر اللف، ونزعت نصف عباءتها عن رأسها وظهرها، فبدت في ذلك المكان الموحش مثل صورة حسناء نزلت للتو من إطار لوحة ملونة لغادة جميلة! دخل جاسم عليها وسألها عن سبب مجيئها وقد بدا عليه الإحراج والارتباك، لقد كان في لحظات وحدته يفكر فيها، يتمناها أن تكون قريبة منه لا في تلك المدينة الغادرة، قالت: "لم تزرني طيلة ثلاثة شهور، قلت في نفسي أزورك!".
"وكيف وصلت إلى هنا؟".
ضحكت ضحكة مجلجلة تعلمتها من زميلات مهنتها: "جئت بسيارة إلى الجبايش وسألت عنك، فطلع لي عاقول كالقرد وقال إنه يعرفك، وأركبني المشحوف وجاء بي إلى هنا لأراك ".
ضحكت من جديد بصوتها الجهوري. أراد أن يضع كفه على فمها ليمنعها من الضحك العالي، وهمس: "الناس هنا أشراف يا بلقيس، سيقتلوننا معاً لو عرفوا وضعنا!". قالت متبرمة: "اعتقدت أنك سترحب بي!". قال جاسم: "مرحباً بك، ولكن الأمور هنا صعبة وغير آمنة، تخيلي لو شم أبوك خبراً عن وجودك هنا؟".
"وهناك أصعب يا جويسم، لقد أغلقت الحكومة دورنا وقطعت أرزاقنا، وشتتنا في البلاد وفطومة القوادة وضعوها في السجن هي والبنات، أنا الوحيدة التي نجت من الاعتقال!.
ضحك جاسم ساخراً وقال: "حتى القحاب ما نجت من شرور الحكومة!". ضحكت بلقيس وقالت: "لو رأيت القوادة العجوز والشرطي يضع القيود في يديها لمُت من الضحك، لقد خمشت وجوههم جميعا بأظافرها الباشطة كالسكاكين!". لم يضحك جاسم لضحكها وقال بحزن:
"أنا معرض في كل لحظة للحبس، بل إنهم سيجعلوني هدفاً لبنادقهم ويطلقون النار!".
قالت متبرمة:
"أنا لست إلا ضيفة عندك وسأبقى يوماً أو يومين وأعود!".
"ولكن إلى أين ترجعين وداركم أغلقوها؟".
وشابت صوتها المرارة والحزن: "حتما سأجد أحداً من أهل الحلال يأويني ".
صمت لحظات ثم قال: "هل أكلت؟".
"على لحم بطني منذ الصباح!".
وقف في باب الصريفة وصاح على عاقول، كان المعيدي مشغولاً بلف سجارة: "اِذبح لنا اليوم دجاجة كبيرة!". ورجع إلى بلقيس: "سنأكل أولاً ونتدبر أمرك فيما بعد!.. هل تجيدين الطبخ؟". هزت رأسها إيجابا: "كنت أطبخ لصاحباتي".
"شمري عن ذراعيك واطبخي لنا الغذاء!".
دخل عاقول إلى الصريفة الصغيرة التي أعدها جاسم لتكون مكاناً لطهي الطعام، وأخذ يبحث عن سكينة أو شيء حاد يذبح به الدجاجة التي كان يمسك بها من قدميها وهي تناضل بجناحيها مرفرفة للخلاص من قبضته، وعندما لم يجد شيئاً حاداً قطع رقبتها عضاً بأسنانه وتناثر دمها في فمه وعلى ثوبه الأسود!.
- 44 -
بعد شهور ستة من ترحيل نصف أهل الجوابر إلى إيران جاءت رسائلهم بواسطة لجان الصليب الأحمر الدولية وقد بُعثت أولا إلى جنيف ومن هناك أُرسلت إلى العراق، وقام بتسليم تلك الرسائل إلى المعنيين في القرية ضابط الوحدة العسكرية، المشرف على القرية بحضور مسؤول الحزب الحاكم شرهان القاطع، الذي كان يُذكر أصحاب الرسائل بأن الحزب الحاكم هو الذي سهل مهمة لجان الصليب الأحمر لأداء مهماتها الإنسانية، وأضاف أن عليهم أن يجيبوا عن تلك الرسائل دون أن يذكروا أحوال البلاد بشر وعليهم أن يشيدوا بالحزب الحاكم ورئيس الحكومة وأن تكون إجاباتهم عن الرسائل في ذات الأوراق وعلى ظهرها الفارغ ليتم تسليمها إلى لجنة الصليب الأحمر في العاصمة، وطلب منهم أن يهتفوا بملء حناجرهم بطول العمر لرئيس الجمهورية وحزبه المناضل وكانت ثمة كاميرا للتلفزيون تصور ذلك الحشد من الناس، وأخذ الناس الرسائل بأيدٍ مرتجفة كأنما يستلمون شيكات مالية بمبالغ كبيرة، وراحت الرسائل تُعرض على الذين يعرفون القراءة والكتابة في القرية. كان سلمان، الأخ الأكبر لكعيد البلام يوصي في رسالته أخاه: "أما من حيث البقرة المبقعة بالسواد في رقبتها، فأريد أن ترعاها كما لو أنك ترعاني، وتكثر لها من العلف، ولا تدع عجلها يرضعها كثيراً، فهو شره للرضاع وأخاف أن يضعفها الرضاع الكثير، وهنا يقولون يا أخي إننا سنعود إلى العراق عما قريب بقوة الله. أوصيك أن لا تزيد في عذاب حماري بتحميله أكثر من طاقته واعلم يا أخي أن ثمة كسراً قديماً في ساقه اليمنى كانت قد عالجته امرأة أخيك قبل سنتين ولم يشفَ تماما من عرجه الخفيف، وعليك أن تجعله يتفادى المرور على القنطرة القريبة من أرض السيد مهنا، لأنه سيقع حتماً مرة ثانية في تلك الساقية، التي كانت سبباً في كسر قدمه القديم!".
وفي رسالة أخرى يوصي الحاج عبود زوجته الصغيرة التي رفضت الحكومة ترحيلها معه، لحيازتها على شهادة الجنسية العراقية: "حين يردك خطابي الأسود هذا، أكون قد أكملت أوراق طلاقك، وأوصيك بالزواج من أبن عمي سرحان، فهو شاب ويعمل في الأرض، ويستطيع أن يحميك ويعيلك ويربي أبننا الصغير، واعلمي أن لا ذنب لنا فيما حصل وهي إرادة الله أولاً وأخيراً، وهنا الناس يعاملوننا بالمعروف ويعطوننا الخبز كصدقة، ولست سعيداً هنا وأتذكر تلك الليالي التي كنا نقضيها معاً حتى يحل الفجر، ونحن نضحك من حماقات هلال المجنون ونمزح قبل أن يغلبنا النوم، قلبي أصبح جمرة متقدة لفراق الأهل والأعمام والأصحاب، ولشدة احتراق قلبي اكتوت الرسالة بهذه النار!". وظهرت على ورق الرسالة السميك الأصفر لسعات جمرة سجارة!.
وفي رسالة أخرى تلقتها نرجس، المعتكفة منذ زمن طويل، وحملوا لها رسالتها من أبن عمها فرحان، التي كان يقول في إحدى مقاطعها: "يعلم الله يا أبنة عمي، إني لم أبح لأحد بما أقوله لك الآن، إني منذ زواجك وموت زوجك المرحوم في ليلة عرسه، لم تهدأ نفسي ولم يبرد قلبي، وكنت أقول لنفسي كيف طاوعك قلبك وأخفيت عشقك لابنة عمك؟ كيف سمحت للناس بأخذها منك وأنت كنت في كل ليلة لا تستطيع النوم والراحة إلا بعد أن تكرر أسمها مائة مرة قبل النوم، أقول لك في هذه الرسالة هنا الأحوال بائسة يا أبنة عمي ورغيف الخبز يباع بثمن كبير مقداره كرامتنا وعزة أنفسنا! وكلهم يقولون إنها أيام قليلة ونعود إلى العراق، وطننا، فاعلمي إنني حين أعود سأطلبك للزواج، فلم يعد في العمر بقية تساوي كل ما أشعر به من أسى!، حتى إذا اعترض الأهل وتعللوا بأنك أرملة ولا يصح للشاب أن يتزوج منها حتى ولو كان أبن عمها! لكنني سأفعل ذلك يقيناً ثابتاً لا أحيد عنه حتى لو ضحك كل أهل الجوابر مني وأسمعوني كلاماً جارحاً، وسخروا مني، فإنني سافعل ذلك!".
وكتب حسان لزوجته وأولاده وهو يرشدهم إلى مكان المال، الذي أخفاه في الدار ولم يستطع يوم التهجير فعل ذلك بسبب سرعتهم في نقله إلى الشاحنة، وعدم سماحهم له بالتحدث مع أحد: "إلى اليمين تسيرين عشر خطوات باتجاه زاوية الصريفة المجاورة لحظيرة البقر، تحفرين تحت الجدار الطيني مسافة ذراع لتجدي صرة تحوي مائتي دينار وذهب أمي يرحمها الله، والذهب عبارة عن قلادة من عيار واحد وعشرين، وأساور من الفضة وخاتم زواج وقرطين ذهبيين عيار ثمانية عشر والله على ما أكتب إليك شهيد!".
وفي رسالة محمد لعمه نوري: "وأعترف لك يا عمي العزيز أني أنا من قام بتسميم النعجتين وليس جارنا كما اعتقدتم، وقد كنت سبباً في ميتتهما المؤلمة، التي جعلت أهل بيتك، كلهم يبكون في ذلك اليوم الكئيب ويرتدون الملابس السوداء حزناً، ولا تنسى أنني طلبت منك أن تشتري لي ثوباً جديدا بمناسبة عيد الأضحى لكنك بكل أسف رفضت ذلك بدعوى أنك لا تملك المال اللازم، وأنا أعرف والعائلة كلها تعرف أنك تضع مالك عند العم سوادي لأيام الشدة، وبالرغم من عملي عندك طوال العام ولم أتوانَ في رعي غنمك وبقرك، إلا أنك وللأسف بخلت علي بذلك الثوب الجديد الذي طلبته منك، فعمدتُ إلى فعلتي السوداء التي أطلب من الله ومنك ومن أفراد العائلة الكريمة الآن وأنا على هذا البعد الشاسع أن تسامحني، وتدعون الله لي أن يغفر ذنبي، فأنا لم أقترف غير هذا، فهنا يا عمي لا يدري الواحد منا متى وكيف يموت تحت هذا الجبل؟".
وبالرغم من أجواء القرية الحزينة على شبابها إلا أن تلك الرسائل، الموشومة بعلامة الصليب الأحمر قد بددت بعض الحزن وجعلت الناس يتبادلون أخبار الأقارب التي وردتهم في الرسائل، وبذلك تكونت عند الجميع صورة شبه حقيقية عن الأهل المهجرين هناك عند سفح الجبل الإيراني وما يحصل لهم من عذاب!.
- 45 -
ما أن قرأت نرجس في معتكفها المظلم رسالة فرحان حتى ساحت دموعها، كان أبن عمها بمثابة أخ لها وقد ترعرع في البيت عندهم ويصغرها بسنتين أو ثلاثة، ولم تكن في يوم من الأيام تفكر أن يجيء اليوم، الذي يكون فرحان زوجاً لها، لكن أين هذا الحبيب الآن؟ وازداد بكاؤها وعلت شهقاتها، حاولت أمها أن تسكتها وتخفف عنها، بعد ذلك زمت الأم حاجبيها وأجهشت هي أيضا باكية، وأخذت تتناوبان العويل وترديد عبارات حزينة بين الحين والآخر:
"يا فرحان ما فرحت بدنياك،
يا فرحان فرقنا زماننا!..".
وما أن سمعت الجارات أصوات البكاء حتى اجتمعن في بيت نرجس وجلسن في الباحة كأكوام من السواد والوجوه المعبأ نصفها بالشيلات، سافحات الدموع والمخاط والآهات، مولولات، شاكيات سوءات الزمان وظلمه!.
- 46 -
في ذلك الفجر، الذي أخذت تنبح فيه كلاب المعدان نباحاً عالياً متصلاً، وهي ترى ظلالها المتحركة في مياه الهور، وترى لبط الأسماك الضخمة وتقافز الضفادع، وتمايل قصب البردي الغض، الذي لم يكن موجوداً قبل شهر، وقد بدأت تتصاعد في الأفق الشرقي الأدخنة البيضاء من الجباشات المتفرقة وتتعالى شعلات النار من تنانير أوقدت لخبز الصباح، وأشباح ملفوفة بالسواد لنساء يقفن خلف تلك التنانير، والديكة تقف فوق المنصات الترابية التي يستخدمها الرجال في الجلوس مساءً لتبادل الأحاديث على أبسطة الصوف، المنقوشة بالقباب والأقواس. كان المعدان يعرفون بحكم خبرتهم أن نباح الكلاب المستمر يعني أن ثمة غريباً قادماً، وليس الغريب فرداً، إنه مجموعة من الرجال، وليست مجموعة صغيرة من الرجال، لو كانت كذلك لاكتفى كلب أو كلبان من جباشتين أو ثلاث بالنباح المتقطع، أما حين يكون النباح بهذا الشكل المتصل، وعلى مساحة القرية فهذا يعني أن الغرباء قادمون بوفرة وكثافة!. استيقظ المعدان وخرجوا من تحت أغطيتهم، وجلسوا عند حافات الماء يلفون لفافات التبغ في ذلك الفجر وينظرون صوب ممرات القصب ينتظرون رؤية الوافدين، لكن شيخ المعدان بقي ممدداً فاتحاً عينيه على سعتهما في صريفة زوجته الصغيرة تحت الغطاء الصوفي ينظر في النور المتعرش على تعاريج أعمدة السقف ومسرى عروقها، وأخذ يتمتم بصوت واطيء: "اللهم اجعله خيراً لنا ولا تجعله شراً علينا!". وازداد نباح الكلاب وبدأ المعدان يميزون بأسماعهم المدربة أصوات محركات زوارق بخارية، وبدأوا يخمنون أن القادم بهذه الكثافة من أصوات المحركات هو من طرف الحكومة! وركض عبيد الشيخ ينبهونه ويستحثونه على الاستيقاظ، أخبرهم أنه مستيقظ منذ بداية نباح الكلاب، وقال لهم بلا مبالاة:
"البلاء القادم لا يرفعه إلا الله وحده، ولن أُفيد بشيء حتى إذا تخليت عن غطائي!".
واعتقد عبيده أنه لم يفهم الخطر على حقيقته، فاستحثوه من جديد وطلبوا منه أن يستيقظ، فطردهم، وقال:
"اخرجوا الآن، وحين تستطيعون تمييز القادم أخبروني!".
وبدأ الناس في الدبن يميزون الزوارق القادمة وصرخوا بصوت واحد:
"إنه زورق القائمقام، تتبعه زوارق الشرطة النهرية!".
وركض العبيد إلى الشيخ وأخبروه، فقال لهم:
"لن يرفع البلاء إلا الله، استقبلوا القائمقام وأدخلوه المضيف وقدموا له القهوة حتى ألبس ملابسي!".
اقتربت عشرة زوارق من جباشة الشيخ وهي تحمل عدداً غفيراً من الجنود المدججين بالسلاح ووسط تلك الزوارق، زورق يرفع علم الدولة، صرخ عبيد الشيخ مرحبين بالقادمين وأيديهم ترتجف من الخوف وأمسكوا بحبال الزوارق ليربطوها إلى المرساة، وركض اثنان من العبيد لوضع القهوة على النار، ونزل من الزورق القائمقام أولاً، وقال: "أين شيخكم؟".
وطلب منه سويجت أن يتفضل إلى داخل المضيف ليشرب قهوته.. نظر إلى سويجت متأففاً، ولحق به أربعة ضباط بنجومهم اللامعة، وعصيهم التي يلصف عليها الضوء في أكفهم المملوءة بالخواتم الذهبية.
في ذلك الصباح الضاج بالجنود ورجال الحكومة أبلغه القائمقام أن الشيوعيين قد جاؤوا إلى الهور! وهم مجموعة من الملحدين، الذين لا يعبدون الله ويريدون أن يزعزعوا أمن الدولة والناس، وإنهم كالوباء إذا دخل منطقة أنتشر فيها ولا يفيد معها علاج غير الحرق! وقد أنزل مدير الأمن أمراً بإحراق المنطقة بكاملها لدرء خطر الوباء، لكن القائمقام طلب من مدير أمن المحافظة إعطاءه فرصة للكلام مع شيخ المعدان ليقبض على الفارين! ثم لمح القائمقام للشيخ أثناء حديثه عن ذلك الموضوع:
"إن أغلب المعدان من أفراد عشيرته لم يلتحقوا لإداء الخدمة العسكرية -والتفت إلى شيخ المعدان ضاحكاً وقال له مازحاً- حتى أنت لم تؤدِّ الخدمة العسكرية! وعموماً.. "قال القائمقام" إني طلبت مهلة لكم، لمدة يوم واحد، أن تسلمونا الهاربين من الشيوعيين، وإن لم تفعلوا ذلك بعد الأربع والعشرين ساعة، ستقوم الطائرات بحرق الأخضر واليابس هنا!.. وستقوم الحكومة بتسميم مياه الهور فتموتون مع دوابكم، فأنتم في حكم الهاربين من الخدمة العسكرية، والهارب من الخدمة العسكرية حسب القانون يُعدم كخائن للبلاد!. وهنا ضحك شيخ المعدان ولمعت عيناه الخرزيتان وهو يخمن حجم المخاطر القادمة! وقال: "نقلت لنا صورة سوداء، يا قائمقام! نحن طوال عمرنا لم ندخل الجيش وتركنا الحماد لكم! وقلنا نهيم في الهور للتخفيف عنكم، ما ذنبنا إذا جاء هاربون ليختفوا في الهور؟!". وهنا أخرج القائمقام مسبحته الطويلة، وقال مقاطعاً: "أنا واسطة خير لا أكثر، ها هم الضباط أصحاب الأمر والنهي، يسمعون!". وفكر الشيخ أن القائمقام يذكره بفضل الهدايا التي كان يحملها له عبيده بين الحين والآخر، في الأعياد، وبأن تلك الهدايا جعلت القائمقام واسطة خير لا أكثر وليس طرفاً، فكر الشيخ قليلا، وقال: "مادام الأمر كذلك، أريد أن تعطوني وعداً وأنا أقبض لكم على الهاربين!". تساءل القائمقام:
"وما هو هذا الوعد؟". تنحنح شيخ المعدان: "إذا قبضنا على الهاربين، فقد قمنا بدور الجيش، هل هذا صحيح؟!".
أجاب القائمقام: "نعم!". أبتسم الشيخ: "تعطونا ورقة تقولون فيها إننها خدمنا في الجيش وتسرحنا، وسنحافظ لكم على الأمن في الهور، دون الحاجة لخدمة شبابنا في الجيش!".
فكر القائمقام، ثم قال: " هذا الأمر ليس بيدي، وهو من اختصاص وزارة الدفاع وأنا أتبع الإدارة المدنية!". ثم أخذ يناقش الضباط، وأخذ النقاش يشتد بين القائمقام والضباط، وعلت الابتسامة وجه شيخ المعدان والتفت إلى أعمامه وأفراد عشيرته وغمز لهم بعينه، متباهياً أنه نقل الصراع بين أفراد الحكومة ذاتها، والتفت القائمقام بعد دقائق من النقاش إلى الشيخ: "هل تتعهد لنا بحماية أمن الهور؟".
وضع شيخ المعدان يده على صدره: "نقسم لكم يا حضرة القائمقام، ولكن شرط أن يكون لكل واحد من المعدان دفتر خدمته العسكرية، وتسريحه المؤشر والمختوم، ويذهب كل واحد منا إلى المدينة ويعود بأمن الله وحماية الحكومة!". طلب القائمقام مهلة حتى يرجع ويتصل بمدير الأمن ووزارة الدفاع، وفي تلك اللحظة حمل عبيد الشيخ فطور الضباط والقائمقام: سبعة أسماك كبيرة، مفتوحة البطون، مشوية شياً ممتازاً وأقراص خبز ساخنة، وهمس شيخ المعدان للضباط بأن العبيد حملوا إلى الزوارق فطور الجنود وبعض الهدايا من أهل الهور يحملونها إلى أهلهم في المدينة!.
- 47 -
في ذلك الليل لم يُغمض لبلقيس وجاسم جفن، بقيا يتحدثان ويقبلان بعضهما طيلة الليل، وكلما خبت الرغبة عند أحدهما أثاره الآخر، في تلك الجباشة المنعزلة، وعلى ضوء شعلة النفط المدخنة. كانت أرض الصريفة مسرحاً لعناقهم المتواصل، الذي لا يفتر، كان أحدهما يأكل الآخر، وعلمته أثناء ذلك كل ما أتقنته من فنون مهنتها. كان يطلب منها أن تحكي له عما كان البحارة المهووسون يفعلونه بها حين يزورونها في ذلك المبغى النتن، وهي تروي له أدق التفاصيل بلا خجل، وكانت غيرته عليها تستحثه لفعل المزيد من الحب والعناق، وهي تتمتم من بين أسنانها المصطكة بفعل رجولته الفائقة: "إنك تقتلني هكذا، وتقتل نفسك!". وفي ذلك الليل الذي امتلأ برائحة اللوز وزفرة السمك، وروائح القصب المبتل، ونقيق الضفادع ولسع البعوض، ونار الحفيظ الحمراء، البعيدة تتأجج في الكوة مرتعشة، وقصص المومس البذيئة وشهقاتها، المتقطعة، المفتونة بابن العم الضال، زاحفة على ظهرها بكل رغبات الأنثى، فوق أرض الصريفة الطينية وفوقها فارسها مثل مشحوف أغرقه حمل ثقيل!. وقبل أن يغمضا عينيهما بعد سهاد طويل، جاء عاقول المعيدي صارخاً من وراء الصريفة، وهو لم يغادر مشحوفه، الذي أتى به على وجه السرعة قادماً من قرية الدبن: "الجيش وصل يا جويسم! الجيش وصل ".
وأخذ جاسم يركض في الصريفة مرتبكاً، عارياً، باحثاً عن ملابسه ومسدسه، وعقدت الدهشة لسان بلقيس وأخذت تبحث عن ثوبها في ظلام الصريفة ورطوبتها!.
- 48 -
بدأت قرية الجوابر تستعد لمبايعة "مرتضى" أبن السيد مهنا، الذي بلغ الحلم، وهي سنته الثالثة عشرة، وهي العادة المعروفة في القرية لتولية السيد الشيعي مكان أبيه ويبقى أبوه عليه وصيًا يعلمه ما ينبغي أن يعرفه من مسائل شرعية تخص الطائفة، وفي تلك المرحلة من الوصاية يُطلق على الشاب الصغير اسم السيد الشيعي حتى وفاة والده، ليأخذ بعد ذلك دوره كاملاً، وفي تلك الحفلة التي يقلد فيها الشيعة ما روته الشيعة عن تولية القاسم أبن الحسن عليه السلام، في تلك الليلة المأساوية، التي سبقت واقعة الطف بليلة واحدة وتم زفافه الرمزي على سكينة بنت الحسين أبنة عمه، عليهما السلام، لابسًا جبة أبيه، معتمًا بعمته وسط الأهل والأنصار قبل قتلهم جميعاً بأربع وعشرين ساعة، تلك المناسبة الصغيرة، الأليمة، التي دارت فصولها على أرض كربلاء الصحراوية ووزعت أثناءها على الحاضرين كسرات خبز وفردات تمر وما تبقى من ماء قليل، وذلك البخور اليمني، الذي أشعلوه ففاض دخانه المعطر في خيمة القاسم، الإمام الجالس، تحيط بوجهه هالة من نور، ويحوطه أبناء عمه وإخوته.
لقد اقتربت مناسبة مبايعة السيد الشيعي وسط أجواء من الرعب والخوف، فالمفارز العسكرية تجوب الطرقات في القرية، والأحكام العسكرية الصارمة سارية المفعول، حتى إشعار آخر، وشباب القرية اُقتيدوا مكبلين بالحديد إلى السجون العسكرية في العاصمة، لقضاء محكومياتهم الطويلة بسبب تخلفهم عن إداء الخدمة العسكرية، ونصف أهل الجوابر قد وضعوا عند تخوم الجبل الإيراني، لا يعرف أحد مصيرهم، وقد أحاطتهم العساكر الإيرانية وهم في حال صعبة من الجوع والغربة، والبحث عن حل لمشاكلهم ومتعلقاتهم الإنسانية، والبقية الباقية من الشباب هجروا القرية إلى بقع نائية من الهور هاربين من إداء الخدمة في الجيش والخضوع لأوامر الحاكم العسكري في قريتهم!. وفي تلك البقع البعيدة كان الشباب يقتنصون رزقهم من أسماك النهر وطيوره، ويغيرون بين الحين والآخر على مقرات الشرطة، المنتشرة جنوبي مدينة العمارة والبصرة، للحصول على السلاح وبيعه للمعدان وأهل المدن والشراء بثمنه الدقيق والرز والسكر والشاي والثياب!.
كان أهل الجوابر ينتظرون حدثاً جباراً يقلقل الواقع الظالم ويهزه هزاً عنيفاً. كانوا ينصتون لإذاعة إيران الإسلامية التي أخذت تبشر الشيعة بعصر جديد، إنه عصر الأئمة ونائب المهدي المنتظر، وانتشار الإسلام وحضور دولة الحق، وكانت الحكومة تلقي بتبعة كل الأعمال المسلحة على تخوم الهور على الدولة الإيرانية ومتسلليها إلى الأراضي العراقية! وعلى الجناح المتطرف من الشيوعيين، الذين نقلوا نشاطهم السياسي إلى أهوار الجنوب، وفي خضم تلك الأحداث الخطيرة كان الناس في قرية الجوابر من خلال الحجز الإجباري الذي فرضه عليهم الجيش فرضاً لا رحمة فيه كانوا يشمون رائحة حرب طاحنة ومدمرة بين إيران، التي حملت راية الحسين(ع)، الملطخة بدماء الشهداء والجيش العراقي الذي شُحنت رؤوس أفراده بأسوأ ما في مفردات القومية من تسلط وقمع وعنصرية بغيضة، وكان ذلك يحمل الشباب من الطائفة الشيعية على عدم الإنخراط في هذا الجيش، الذي كان يُنعت سراً بأنه جيش يزيد بن معاوية!، أما الذين أُجبروا على الانضواء تحت لواء هذا الجيش من الشيعة من سكان المدن فقد كانوا يتحينون الفرص للهروب منه والالتحاق بإخوانهم في الأهوار، ليكون مأواهم الأمين من هجومات الشرطة والجيش، لصعوبة مطاردة فرق الإعدام التي أنشأتها الحكومة وبثتها في المدن والقصبات والطرق المؤدية إلى النواحي لإعدام الفارين من الخدمة العسكرية بلا أخذ ولا رد أو نقاش!.
تعين موعد تولية السيد الشيعي في قرية الجوابر وأخذ الناس يتناقلون سرًا الموعد، ويستعدون لهذه المناسبة في جو من التكتم والحذر، وكان شرهان القاطع، الذي نسي المناسبة يحاول أن يعرف على ماذا يتكتم أهل الجوابر، ولماذا اشتروا كل الكميات الموجودة في دكان كعيد البلام من القماش الأخضر والشموع وفكر إنها ربما كانت مناسبة أيام عاشوراء؟. لكنه طرد هذه الفكرة من رأسه لكون المناسبة مازالت بعيدة، لكنه لم يشر في تقريره الأسبوعي إلى منظمة الحزب الحكومية التابع لها إلى مخاوفه عما يحدث في قرية الجوابر هذه الأيام!.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























ديسمبر 25th, 2008 at 25 ديسمبر 2008 8:23 م
السلام عليكم
الاستاذ القدير فيصل
لي تعليق ان شاء الله الايام القادمة بعد ان اتصفح كل المدونة
يناير 17th, 2009 at 17 يناير 2009 9:52 م
من جاسم العطية هذا ومن اي دوله ومتى وقعت هذه الاحداث وشكرا ارجوا ان يتم الرد