عراقيون أجناب: الجزء السابع…
كتبهافيصل عبد الحسن ، في 10 تموز 2009 الساعة: 14:56 م
عراقيون أجناب: الجزء السابع

- 37 -
حملت الشاحنات العسكرية المئات من أهل الجوابر المهجرين، وأنزلتهم عند الحدود وطلبوا منهم الذهاب صوب المدن الإيرانية مشياً على الأقدام، الرجال والنساء، الأطفال والشيوخ، وبقي الناس هناك دون مأوى أو طعام، وأسرعت إليهم شرطة إيران وأحاطتهم، مخافة أن يكون بينهم من مخابرات الدولة العراقية وجواسيسها! فأقامت لهم مكاناً ممهداً بين الصخور ووعدتهم بالخيم ومنعتهم من التجوال في المنطقة، وبقوا هناك سجناء يعدون على أصابعهم الأيام! يلتحفون السماء ويقتاتون العشب والأحجار، ويطلون على تلك الجبال البعيدة التي تبدو لهم كخرائط بيضاء وسوداء في ذلك الأفق، ملتحمة بالسماء الزرقاء، الناصعة.
كانت أوامر الحكومة تذاع في قرية الجوابر بمكبرات الصوت في دروب القرية: التجوال ليلا ممنوعاً، الالتحاق فوراً بدورات ثقافية تهيء حزبيين من أهل الجوابر للإنخراط في بنية كوادر الحزب الحاكم، تسليم أية قطعة سلاح، إستلام صور رئيس الجمهورية لتعليقها في البيوت وعلى الأبواب، الاكتفاء بالصلاة في البيوت وأن لا يقصد أحد الحسينية وكل من يتم ضبطه قريباً من الحسينية فسيتم اعتقاله، تقديم الشباب، الذين في سن الخدمة العسكرية أنفسهم إلى وحدات الجيش لغرض تجنيدهم!، وتُختم تلك النداءات بأغنيات وطنية ودبكات(1) من شمال البلاد لتسلية الجنود، والناس لأول مرة في القرية أخذوا يحفظون كلمات فيروز وهي تردد: القدس لنا، والبيت لنا!… كانت هناك سرية من الجنود بلحايا طويلة ورائحة زنخة يجوبون القرية ويضربون الناس بلا رحمة، وثارت الشائعات بين أهل القرية، إن هذه السرية من الرجال التي تستخدمها الحكومة لاضطهادهم قد جندت أفرادها من قبائل تسكن في شمال البلاد ومشهورة بعبادتها وتقاليدها الغريبة وتحريمهم للعن الشيطان ورجالها لا يتورعون عن ذبح الناس وشرب دمائهم بلا رحمة، وتهديم المساجد بلا تأنيب ضمير وخوف من أنتقام الله!.
أعطى رجال القرية الأذن الطرشاء لبلاغات الجيش، فلم يذهب أحد لدورة التنظيم الحزبية، كما أن صور رئيس الجمهورية المطبوعة بالألوان بقيت مصفوفة على مناضد العسكريين دون أن يستلمها أحد من الأهالي، وأما الفقرة الخاصة بتقديم الشباب أنفسهم للتجنيد في جيش الحكومة، فلم يتقدم أحد من أهل الجوابر للتجنيد! مما أضطر الضابط إلى إرسال مفارز كثيرة العدد من سرية قوات خاصة، للقبض على من هم في سن العسكرية، وشن الجنود حملة كبيرة وتم ربط المقبوض عليهم بالحبال وإرسالهم مجموعات في شاحنات مكشوفة تحت الحراسة إلى مكان مجهول يتبعهم آباؤهم وأمهاتهم الباكيات وأطفالهن يمسكون بتلابيب ثيابهن ويختلط مخاطهم بدموعهم برمد عيونهم! وتغيرت معالم القرية يوماً بعد يوم في ظل هذا البلاء الذي حط عليها، وفي ساعات النهار، التي يُسمح فيها للناس بالتجوال وقضاء حاجاتهم، يجلس الشيوخ مجموعات صغيرة، قرب أسيجة الصرائف الواطئة للتباحث في الأمور المستجدة وطلب الرأي فيما يفعلونه! ودارت الإشاعات على ألسنة الناس في تلك المجالس عن سريين من أبناء القرية ذاتها، يستخدمهم الجيش لمعرفة أخبار القرية وما يبيت أهلها من أمور تمس أمن الدولة وأحاديث يتداولونها بينهم، ولغط الناس بأسم شرهان القاطع، أبن قريتهم وأقسموا أنه أول من تعاون مع الجيش وأفشى أسرار القرية للحكومة وأرشدهم إلى الأمكنة التي دفنوا فيها السلاح!. وحقيقة الأمر إن شرهان القاطع هو أول من طلبوا منه تأسيس فرع لحزب الحكومة في القرية، وأعطوه مالاً لبناء صريفة لتكون مقراً مؤقتاً لفرع الحزب وصوراً لرئيس الدولة مع حزم من كتيبات صغيرة لخطب الرئيس عليها صورة رئيس الجمهورية، بلباسه العسكري الضيق، الذي امتلأ صدره بالأوسمة والنياشين والنجمات الذهبية، وخلفه كوكبة من رجال الأمن والمخابرات بنظاراتهم السوداء وملابسهم المعتمة! ومع ذلك كله أعطوه بذلة عسكرية المظهر، بلا رتب أو مداليات، ماعدا صورة صغيرة للرئيس مغلفة بورق السوليفان اللماع يعلقها على صدره وكاسكيتة صغيرة يضعها على رأسه، وخلال يومين تمت إقامة الصريفة ووضعت المنضدة الخشبية داخلها، وصفّت الكتب وصور رئيس الجمهورية، لكن لم يقترب أحد من أهل الجوابر لتسجيل أسمه في فرع الحزب الجديد! وراح شرهان القاطع يدور داخل الصريفة أو يقف عند بابها، مرتدياً بذلته الزيتونية الجديدة وقد وضع الكاسكيتة على رأسه في وضع متحد لأهل قريته، ناظراً إليهم من فوق إلى أسفل ومن أسفل إلى فوق!.
وخلال الأيام الأولى من البحث عن شباب القرية، الذين هم بسن الخدمة العسكرية، بدأ الشباب باستخراج السلاح المدفون تحت الأرض والخروج من القرية ليلاً عبر ممرات وطرق غير محروسة من الجنود والذهاب صوب الهور حيث الملجأ الأمين لكل من فر من أهل المدن والقرى، وفي إحدى الليالي اكتشف الجنود مجموعة من شباب القرية على وشك الفرار إلى خارج القرية فحصل تبادل إطلاق نار بين الطرفين وقُتل في تلك المواجهة أحد جنود السرية، وقبضوا على المجموعة بعد تمشيط طويل للمزارع والسواقي وأرسلوهم مخفورين إلى العاصمة. وبعد تلك الحادثة بشهر واحد ودون إنذار سابق أقاموا سبع مشانق عند نهاية القرية وأتوا بالشباب من العاصمة وقد عصبوا عيونهم وطلب الجنود من الناس بمكبرات الصوت أن يحضروا ليروا إعدام المجرمين، وأخذت النساء تصرخ والرجال يتراكضون حفاة لمعرفة مصير أولادهم وأختلط الحابل بالنابل، ولم يتعرف الناس على الشباب السبعة، الذين غطوا رؤوسهم بأكياس من قماش حمراء ووضعوا على صدورهم يافطات خشبية حملت أسماءهم وأعمارهم وتاريخ محاكمتهم وجريمتهم: الهروب من الجيش ورفع السلاح بوجه الحكومة!. وأزاحوا البراميل الصغيرة من تحت أقدامهم، فتأرجحوا في الهواء وانتفضت الأجساد الشابة مرات عديدة قبل أن تخمد حركتها إلى الأبد، وتدافعت النساء مع الجنود المسلحين، الذين كانوا يقفون بصفوف عديدة لمنع الناس من الاقتراب من المعدومين، وتعالى عويل الرجال، ورفع الشيوخ رؤوسهم إلى السماء طالبين من الله أن يبعث الإمام من موته لينتقم من الظالمين، وظهر شرهان القاطع بملابسه الزيتونية وبيده بندقية كلاشنكوف وإلى جواره أبنه الشاب سامي وهو يقول للناس أن الخطأ هو خطأ الشباب السبعة، لأنهم رفعوا السلاح بوجه حكومة الثورة وحزبها القائد ؛ وقتلوا أحد الجنود وكان الناس في غاية الحزن والقهر، وحالما ذهب الجنود هرع الناس للجثث المعلقة وقطعوا الحبال وأنزلوا الميتين وأزالوا الأكياس الحمراء عن الوجوه الحبيبة، وكلما اكتشفت مجموعة من الناس ابناً لها تعالت الصرخات وشقت النساء ثيابهن وأهالن التراب فوق رؤوسهن وحملوا الجثث إلى صريفة سجاد الغسال، لغرض تغسيلها وتشييعها إلى النجف لدفنها هناك!..
- 38 -

بعد خمسة عشر يوماً من هجر المعدان لجباشاتهم والبقاء في العراء، في موسم الفيضان وقد ارتفعت مناسيب مياه الهور بشكل لم يألفوه من قبل، كانوا يقضون ليلهم على الإيشانات الصخرية البارزة كجزر صغيرة في الأهوار، وعند الفجر يتركون تلك الجزر الصخرية ويختفون مع مشاحيفهم، بين غابات القصب والبردي، ونفد ما لديهم من سكر وشاي، فاكتفوا بمص قصب السكر(2) الذي وجدوه نامياً إلى جانب واحدة من الجزر الحجرية، ومات عدد كبير من أطفال المعدان الرضع، فدفنوهم كيفما اتفق في أرض الإشانات المختلفة ووضعوا الأحجار الصغيرة على القبور كعلامات يتعرفونها. كان البرد الليلي يفتك بالأطفال الضعفاء، وساءت حالة الجميع مما اضطر شيخ المعدان للتفكير جديا بالعودة إلى صرائفهم التي تركوها في الدبن، فأرسل الشيخ عدداً من المعدان لاستطلاع أمكنتهم السابقة، وعادت العيون التي أرسلها الشيخ بأخبار مفرحة، أخبروه إن الجيش لم يقصد جباشاتهم، ولم تحوم الطائرات في سماء مناطقهم، والهدوء يخيم على المنطقة. كان في ذلك المساء، الذي نصبوا فيه خيامهم الصوفية في ذلك الإيشان البعيد الممتلئ بالصخور ونباتات العاقول الشوكية وتحيطه المياه إحاطة تامة، وأخذت الديكة التي أتعبها الجلوس طيلة النهار في المشاحيف تطارد الدجاجات بين الصخور، وجلس الشيخ بين زوجاته الثلاث بملابسهن السود وعباءاتهن الصوفية وهن يتعاون بفتح بطون أسماك صادها عبيد الشيخ في النهار، وعلى امتداد الإيشان أنتشر المعدان يشعلون النار في الأعشاب اليابسة التي جمعوها استعدادا لشي خبزهم للعشاء، وهي وجبتهم الثانية بعد الفطور، الذي تناولوه عند الفجر، وانتظم أطفال المعدان يلعبون بالكعاب(3)، التي أحضروها معهم من الدبن في أكياس من القماش والحصى، عند ضفاف الإيشان، ومن خلف تلك الصخرة الكبيرة التي لها شكل طائر وأستتر خلفها الشيخ ونساؤه، جاء جاسم يبحث عنه وقد نمت لحيته وتبقعت ملابسه بخرائط الملح وبقع الدهون، وأصبحت رائحته تزكم الأنوف، جلس قرب الشيخ، وتلفلفت نساء الشيخ بعباءاتهن الصوفية استحياءً، وسأل الشيخ عن الأخبار، فقال الشيخ وهو يأخذ نفساً عميقاً من سجارة اللف التي كان يُدخنها: سيموت الناس يا جويسم.. يومياً يموت طفلان أو ثلاثة، البرد في الليل لا يحتمله الكبار، فكيف بالأطفال؟ والفيضان هذه السنة بلاء وليس ماءً، مصالحنا وأرزاقنا تركناها هناك وأصبحنا مثل الغجر!. أطرق جاسم برأسه وهو يرى جاموسة سوداء تحلبها وصيفة الشيخ، والأسماك الكبيرة مفتوحة البطون، التي تعدها النساء والنار التي نجحت واحدة منهن بإشعالها على بعد خطوات منهما، وذلك الخيط البشري على طول الإيشان والحرائق الصغيرة والأدخنة المتصاعدة ولغط الرجال، قال جاسم:
وماذا قال الرجال الذين أرسلتهم إلى الدبن؟.
لا شيء.. لم تأت الحكومة، وليس في نيتها الانتقام منا!.
رفع رأسه إلى الشيخ وبإنكسار قال: وما رأيك أنت؟.
رمى حجارة صغيرة كانت بيده وقال: أهلنا يموتون هنا ولم نألف عيشة الترحال، سنعود إلى ديارنا يا جويسم والله يفعل ما يشاء!.
كان ذلك آخر مساء للمعدان في ذلك الخلاء الموحش، وعند الفجر سيشدون رحالهم وتنسرب مشاحيفهم وجواميسهم في ممرات البردي والمياه الضحلة عائدين إلى قرية الدبن التي هجروها!..
- 39 -
في ذلك المساء الذي انفضت فيه المعازي السبعة التي أُقيمت على أرواح الذين أعدمهم الجيش شنقاً من شباب القرية، تناقل الرجال توجيهات السيد مهنا بضرورة تلاوة دعاء السجاد عليه السلام في صرائف القرية، بصوت عال، ويقوم بتلك التلاوة الرجال والشباب والصبيان، بعد صلاة العشاء مباشرة، وضجت القرية ذلك المساء بالدعاء إلى الله لرفع البلاء عنهم، وصدحت الحناجر، قائلة بصوت مؤثر:
إلهي: هديتني فلهوت، ووعظت فقسوتُ وأبليت الجميل فعصيتُ ثم عرفتُ ما أصدَرْتَ إذْ عرفتنيه. فاستغفرتُ.. فأَقَلْتَ!.. فعُدْتُ فسترتَ! فلك إلهي الحمدُ. تقحمتُ أودية الهلاك. وحللتُ شعاب تلفٍ تعرضتُ فيها لسطواتك وبحلُولها عقوباتِك. ووسيلتي إليك التوحيد وذريعتي أني لم أشرك بك شيئاً، ولم أتخذ معك إلهاً، وقد فررت إليك بنفسي.. وإليك مفر المسيء ومفزعُ المضيع لحظ نفسه الملتجئ.. فكم من عدو انتضى علي سيف عداوته، وشحذ لي ظبة مُديته، وأرهف لي شبا حده، وداف لي قواتل سمومه، وسدد نحوي صوائب سهامه، ولم تنم عني عين حراسته وأضمر أنْ يسومني المكروه، ويُجرعني زعاف مرارته.
هذا مقامُ من اعترف بسبوغ النعم وقابلها بالتقصير، وشهد على نفسه بالتضييع، اللهم فإني أتقربُ إليك بالمحمدية الرفيعة، والعلوية البيضاء وأتوجه إليك بهما أن تعيذنا من شر هذه الجيوش الظالمة المحيطة بقريتنا، وأن تطيح بها مثلما أطحت بالفراعنة والظالمين. فإن ذلك لا يضيقُ عليك وجُدك، ويتكادك في قُدرتك وأنت على كل شيء قدير. فهب لي يا إلهي من رحمتك ودوام توفيقك ما أتخذه سُلَّما أعرج به إلى رضوانك، وآمنُ به من عقابك يا أرحم الراحمين!(4).
منذ أول صوت صرخ بالدعاء خرج شرهان القاطع وهو الذي يعتبر نفسه المسؤول الأول عن أمن القرية، ركض كالمجنون بثوبه الواسع، الرمادي اللون ورأسه المكشوف من الغطاء وأخذ يدور في القرية ويطرق الأبواب لمنع الناس من ترديد كلمات الدعاء، كان ينعتهم بالمجانين والجهلة وأن الجيش سيذبحهم فرداً فرداً إن سمع الجنود أحداً يردد هذا الدعاء الذي منعته الحكومة منذ أمد بعيد! كان كالمجنون يسير في دروب القرية ليمنع ذلك الدعاء، الذي يمزق الصمت، حتى إن الجنود الذين كانوا يأخذون قصعتهم المسائية من مطبخ السرية تساءلوا: ما الذي حذا بمجانين الشيعة هؤلاء حتى يغنون بأصوات موحدة ذلك النشيد الغريب، في هذا المساء الهادئ، وبعد انفضاض معازيهم على المشنوقين؟!.
- 40 -
في ذلك الربيع تعرضت المدن لحملة شرسة وواسعة من التمشيط في صفوف الشعب، للبحث عن المعارضين للحكومة من الأحزاب والشخصيات الوطنية، التي رفضت التعاون مع الحزب الحاكم، وكان القانون الذي سنته الحكومة واضحاً لا لبس في ولا رأفة: كل من أنتمى لغير الحزب الحاكم، أو انخرط في مجموعة أو تكتل، يُعدم فوراً، وأُعطيت صلاحيات التنفيذ لأبسط جندي أو رجل أمن أو حزبي وتتابعت الإعدامات في المدن والقصبات والنواحي، وفر المعارضون إلى الصحراء والأماكن غير المأهولة، ولم يكن أمام القيادة المركزية للشيوعيين غير الفرار إلى الهور بغية تنظيم المقاومة المسلحة من هناك لتنطلق بعد ذلك إلى المدن ؛ وبالفعل نقلوا مطبعتهم الصغيرة وأعضاءهم وحاجاتهم إلى ركن بعيد من أطراف الهور، استعداداً لإجراء الاتصالات بالمعدان وأهل الريف للشروع في النضال المسلح ضد الدكتاتورية! وكاد خيط الاتصال أن ينقطع بجاسم العطية، لكنه اهتدى إليهم، وعلى صفحة المياه المترقرقة، عانق جاسم رفاقه، لم يكن يعرف اللجنة المركزية، لكنه بسبب موقعه الجديد الذي انتزعه بفعل معرفته بمنطقة الأهوار واعتماد الرفاق عليه وجعله همزة الوصل مع شيخ المعدان، لمحاولة كسبه إلى قضية العمال والفلاحين، فوعدهم خيراً، لكنه أبلغهم أن الوقت غير مناسب لمفاتحة شيخ المعدان بالانضواء في صفوف حزبهم! وقفل راجعاً إلى قرية الدبن، وأخذ يفكر كيف يستطيع أن يكسب شيخ المعدان إلى جانبهم، ورفس عاقول المعيدي بقدمه ليزيد من سرعة جذفه ليصلا إلى قرية الدبن قبل أن يحل المساء فتفوتهم فرصة العشاء مع الشيخ والحديث معه عن الأمر الجديد!..
- 41 -
لم يتوقف الوعظ والإرشاد الديني في قرية الجوابر، بل أزداد نشاط السيد مهنا، صحيح أن الجيش منعهم من إرتياد الحسينية وأقفلوا بابها بقفل كبير وقبل ذلك صادروا محتوياتها، لكن أهل القرية جعلوا بيوتهم وقت العصر أمكنة لقراءات السيد مهنا الحسينية وتذكيرهم بدينهم أما في المساء حيث يسري حظر التجوال، فكان الناس يتزاورون من خلال الأسيجة المفتوحة من دار إلى دار ومن كوة في الجدار إلى أخرى مع أطفالهم وقططهم وكلابهم التي تسبقهم راكضة، ودوريات الجيش تسمع اللغط الليلي والكلام والنحيب ونباح الكلاب ووقع الأقدام ولطم الصدور، لكنها لا ترى أحداً في دروب القرية، كما أن إدارة مدرسة قرية الجوابر في جو الإرهاب الحكومي وهيمنة الجيش على القرية تشجعت وأعادت الفصول المتروكة من كتاب التاريخ والتي تتحدث عن الخلفاء الثلاث في عهد الخلفاء الراشدين وأكاذيب أخرى ملفقة عن ثورة الحسين(ع) واستشهاده، وكان السيد مهنا في آخر مجلس وعظ له، قال للناس المحتشدين حول كرسيه المغطى بالقماش الأخضر:
حُكي عن جعفر الصادق عليه السلام أنه قال كتاب الله على أربعة أشياء، العبارة والإشارة واللطائف والحقائق، فالعبارة للعوام، والإشارة للخواص، واللطائف للأولياء والحقائق للأنبياء! وقد سُئل جعفر الصادق عليه السلام عن بسم الله الرحمان الرحيم فقال الباء بهاء الله، والسين سناؤه والميم مجده، والله إله كل شيء، الرحيم بالمؤمنين خاصة. وقال في قوله الله إنه اسم تام لأنه أربعة أحرف، الألف وهو عمود التوحيد، واللام الأول لوح الفهم، واللام الثاني لوح النبوة، والهاء النهاية في الإشارة، والله هو اسم الفرد المتفرد، لا يضاف إلى شيء، بل تضاف الأشياء كلها إليه، وتفسيره: المعبود الذي هو إله الخلق، منزه عن كل درك لمائيته، والإحاطة بكيفيته وهو المستور عن الأبصار والأفهام والمحتجب بجلاله عن الإدراك (5).
ثم عرج في خطبته على وضع الشيعة في العالم، ولماذا تستهدفهم الحكومات الظالمة منذ قديم الزمان، وقال إن ثورة الحسين عليه السلام فتحت الأبواب للناس للوقوف بوجوه الظالمين من الحكام، وضربت المثال في التضحية، ورفعت عالياً مبدأ انتصار الدم على السيف في ثورات الشيعة العديدة! فكلما تضرج السيف بدماء الشهداء أقترب ذلك الظالم من نهايته وأخذ يعد أيامه، لأنه في يوم من الأيام ستخونه إرادته بقتل المزيد من الناس، وهذا المبدأ الثوري لا نجده في الطوائف الإسلامية الأخرى، مما جعل طائفة الشيعة عرضة للانتقام، وعرضت ولاءاتهم لريبة الحاكمين منذ قديم الزمان!.
وفي لحظات الاستماع المشوبة بالسحر العميق، كان وادي ينظر في عيني السيد مهنا، كأنما يستشف إجابته إذا عرف أنه يريد أبنته زوجا وحبيبة، ولم يكن يعنيه في ذلك الخضم العنيف من المصائب المتلاحقة التي حلت على قرية الجوابر، سوى أنه محروم من رؤية من يحب، ومحرم عليه البوح بما يعتمل في صدره لأقرب المقربين له: حب مسكين، صامت، يتوالد في القلب ويكبر مثل موجات عديدة أحدثتها صخرة أُلقيت في بركة ساكنة! وفي ذلك الجلوس الطويل وهو يحدق بشفتي السيد مهنا كان يتساءل أيوافق لو سأله الزواج منها وهو العامي وهي من نسل آل علي عليه السلام؟ وفي رأسه ترددت كلمات أغنية يرددها المطربون في أعراس قريتهم:
رماني واجاني ينشد سهمي وينه ؛اجه يريد يتأكد وين طايح لكَاه بكلبي، كَال الرمية زينة، بس يا حيف شو بعدك ما طايح؟(6).
وكان يهز رأسه، كأنما في حضرة المطرب لا في حضرة الواعظ، ودون أن يدري سفحت دموعه، فلف شماغه على رأسه ووجهه وأثناء ذلك مسح دموعه لئلا يراه الرجال باكياً، وقال في ذاته: لن أبقى في هذه القرية الجاحدة، المُنتهكة، إن لم أفز بليلى، فماذا تعني الحياة لي بدونها؟ ستغدو أيام حياتي هروباً من الجندية وأكلا وخراء وسماعاً لمقاتل الأولياء وسبيهم، لا والله لن أبقى إن لم أفز بها!.
- 42 -
في تلك الأصائل حين كان جاسم ينسخ أشعار شيخ المعدان الشعبية على ورق أبيض، ويغير بعض الكلمات ليستقيم الوزن والمعنى وقد جاءت في رأس الشيخ، بالرغم من الظروف الصعبة التي يعيشها الجميع أن يطبع شعره في كتاب! وحاول جاسم أن يثنيه عن عزمه وأخبره أن تكاليف الطبع غالية، كما أن الطبع لا يتم إلا بموافقة الحكومة، لكن الشيخ أخبره أنه سيبيع كل ما لديه من جواميس ليطبع شعره الشعبي في كتاب، ومنذ تلك الليلة التي أمضاها في حجرة العاهرات محاصراً برجال الشرطة، وفقد بعدها فحولته الجنسية وصار لا يزور نساءه ليلاً وكلما فعل ذلك تركهن متعرقاً لا يستطيع أن يبرز فعلاً مفيداً، وكانت الواحدة منهن تلطم خديها، وتتهمه أنه ذهب في غفلة منها لواحدة من ضراتها ويقسم لها بأغلظ الأيمان وأرواح أجداده المعدان الذين ماتوا في سن مبكرة، إنه لم يزر أية واحدة من زوجاته أو طليقاته منذ ثلاثة شهور، وأنه في كل زيارة لواحدة من هذه الزوجات كان أخاً عزيزاً لكل واحدة منهن حتى يشقشق الفجر، وتصيح الديكة، واكتفى بزراعة اليأس والإحباط في فراشهن، وحين تطمئن الزوجة إلى صدق كلامه تعوّل بصوت خفيض، وتقول: إنك أُصبت بعين حاسدة نجسة أو إنك قد رُبطت ولا سبيل لفك عقدتك بغير الذهاب إلى الصابئي السحار!.
ذهبت فيما بعد زوجاته الثلاث في إحدى الصباحات إلى الصابئي بصحبة عمه، لخوف الشيخ من اصطحابهن إلى المدينة مخافة أن يكون مطلوباً بعد حادثته المعروفة في دار البغاء في البصرة، وعادت الزوجات من عند الصابئي بالكثير من التمائم والأدعية والتوصيات وأحرقن الكثير من البخور وجعلنه يستحم ببول الجواميس ويأكل في العشاء ذنب الأفعى، ويشرب في الفجر دم السلحفاة! لكن تلك الأساليب والمعالجات لم تفد معه، وبقي شيخ المعدان على حالته، فازداد شغفه بقول الشعر، إذ كان ينهض في الثالثة صباحاً من نومه ويبعث عبده ليأتي بجاسم من جباشته ليسجل على الورق أشعاراً جاءته في يقظته المعذبة! وبالرغم من معاناة العبد في إيقاظ جاسم من نومه إلا أن جاسم، الذي كان يجيء بعد ذلك إلى جباشة الشيخ، إنما يجيء تحت هاجس أن الشرطة قد داهمت المعدان وأنها تبحث عنه، وحين يتأكد من العبد أن لا شيء من ذلك قد حدث، فيضع كفيه تحت رأسه ويكمل نومه في المشحوف، وما أن يسجل أشعار الشيخ الجديدة حتى ينام من جديد في مضيف الشيخ ولا يستيقظ إلا بعد أن يخنقه دخان المطال وتملأ صدره رائحة القهوة التي تعدها الوصيفة، وفي ذلك الأصيل حين اصطحب المسودات إلى جباشته ليعيد نقلها ويردد بعض مقاطعها لتقويم الوزن والقافية، وكان شيخ المعدان قد اختار عنواناً دالاً لديوانه هو ليل ونوح(7).
وأخذ جاسم في وحدته يردد مقطعاً من قصيدة طويلة قالها الشيخ:
ليل وكاس وآه أتجرع وأون ونة حزن تكتل واحس بجلاوي تتكَــــطع
وألوي بليل للدمعات
ما يخفن ولا يهدن
ولا فاد التوسل بعد ما ينفع
وامد يدي ولك يا ليل
يمتى الغربت تطلع..(8).
رفع طرفه بعد قراءة هذا المقطع إلى ماء الهور عبر كوة صريفته، فرأى عاقول في مشحوفه وفي ذات المشحوف امرأة ملفوفة بعباءة سوداء تجلس وظهرها إلى جباشته، وتساءل: من تكون؟، لم يعرف من هيَّ، وانحدر المشحوف باتجاهه وأصبح بعد ذلك في الحيز الذي لا يراه فيه من كوته، فهرع جاسم واقفاً وخرج بعد ذلك من صريفته، ليقف عند بابها، ولكم كانت دهشته كبيرة حين عرف أن المرأة التي لفت نفسها بالعباءة السوداء لم تكن غير بلقيس أبنة قرية الجوابر الهاربة، فشعر بقلبه يخفق عنيفاً ولا تستطيع قدماه أن تحملانه، وهمس بفرح: كل هذه الفتنة، كلها مرة واحدة ستنير صريفته، إنها ضربة حظ موفقة رمتها الحياة في سلته، ولم يكن يتوقعها أبدا، أخيرا ضحكت لك يا جويسم الدنيا!.
ـــــــــــــــــــــــــ
1- جمع دبكة: نوع من أنواع الرقص في شمال عراق.
2- مساحات هائلة مزروعة في الأهوار بقصب السكر، جنوب العراق.
3- لعبة يلعبها أطفال الريف والهور في العراق ويستخدمون فيها مفاصل الحركة من الهياكل العظمية للجواميس والخراف والأبقار.
4- دعاء الإمام زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب(ع)، من تراث الشيعة المحفوظ.
5- يرد ما قاله وفسره الإمام جعفر الصادق في كثير من قراءات الواعظين من الشيعة وغيرهم في المجالس الحسينية في العراق
6- شعر شعبي دارج، ويعني:
أطلق عليَّ وأتى يسأل إن أصابني سهمه..
أتى يتأكد هل أصابني في مقتل
وحين وجد أن إصابتي في القلب.. قال لقد أصبته
ولكن كيف لم يسقط حتى هذه اللحظة؟..
7- صدر بعد ذلك بوقت طويل، ونسي الطباع أن يضع اسم المؤلف فاكتفى الشيخ بوضع اسمه من ختم كان يستعمله في قضايا العشيرة، وبقي القسم الأكبر من النسخ بغير اسم مؤلفه.
8- ليلى كأس خمر وترديد الآهات - أنيني يقتل وأحس بكليتي تتقطعان
أتلوى ليلا بالدموع - ولا يهدأ حزني أو تتوقف دموعي
ولم يفد توسلي وأمد يدي - وأصرخ يا ليل: متى تنتهي؟.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























