عراقيون أجناب …الجزء الخامس

كتبهافيصل عبد الحسن ، في 16 تموز 2009 الساعة: 14:24 م

 

- 25 -

بلغ بوادي الحب لليلى مبلغا تعدى الهيام، وهي حالة لم يشعرها من قبل أحد من أهل الجوابر، فقد أخذ وجهها الجميل يطرز أحلامه ليلاً، ويغزو خيالها العذب نهاراته، ولم يعد يطيق الجلوس في دكان أبيه وعقله معه، لسماع بلاغات الثورة الإيرانية، التي يذيعها المذياع الصغير، ومناشداتهم لأبناء الشيعة في كل مكان من العالم للثورة ضد ظالميهم! من أجل إنطلاق عصر جديد يهيئ لظهور الغائب المنتظر!، وعافت نفس الشاب الطعام والشراب وصار يعُدُّ الطيور الهادلة فوق أشجار النبق الضخمة في ساحة القرية وعيناه مصلوبتين على بيتها، عسى أن يلمح وجهها أو طيفها عبر باب مفتوح أو كوة أُزيحت عنها الستارة. يتأمل خيالها في خلواته، مراقباً كلاب القرية في لعبها ومطارداتها لبعضها البعض في دروب القرية الخالية، ويتابع النمل الأسود متسلقا الجذر الضخم والصاعد إلى أعلى الساق المتحرشفة، بلا كلل أو تلكؤ، وينظر ذرق العصافير المتساقط على الأرض ويسمع أزيز زنابير سوداء ورفيف أجنحة الفراشات المحلقة، فوق أزهار عين الشمس المتفتحة كالشموس وأزهار أشجار البرتقال البيضاء، ورأى في مرة من المرات أخاها الصغير مرتضى وحالما رآه سلم عليه كغريق وجد طوقا ينقذه! كان الصبي خارجاً للذهاب إلى الحسينية ليحفظ سور القرآن على يد الملا قنبر، وكان الولد الوحيد في عائلة السيد مهنا، وكان أبوه يعده لإستلام أسرار الحفيظ. أراد أن يسأله عن ليلى وأحوالها وينقل تحياته لها، لكن لسانه لم يطاوعه ولم يجرؤ على ذلك أبداً، فقال له مستفسراً عن أحوال عائلته، فأجابه الصبي باقتضاب: إنهم بخير. ثم سأله الصبي لماذا لا يجيء إلى الأرض ليعمل مع أبيه كما كان يفعل في الماضي، فأجابه إنه يعمل الآن في الدكان مع أبيه، لكنه سيمر في يوم من الأيام على الأرض ليساعدهم في حرثها، استعداداً لموسم الزرع الجديد. وغمز الصبي له وقال: أن الملا قنبر سيعنفه إذا تأخر عن موعد الدرس، ويقول عني إني سأرث مكانة أبي وعليَّ أن أحفظ القرآن بأكمله عن ظهر قلب!، وذلك صعب كما تعرف. تساءل وادي وهو يفكر بذات الوقت عن شيء ما يقوله لليلى عبر أخيها، لكنه لم يجد شيئاً وتبخر الكلام كله مرة واحدة: هل تحفظه بأكمله ؟!. أجاب الصبي بحميمية: بأكمله يا وادي، ما أصعب ذلك يا أخي!. فقال وادي مواسياً: لكنك ذكي وتستطيع أن تفعل ذلك بسهولة!. وأثناء ذلك الحوار القصير، كان يستشف قسمات الصبي ويتذكر الحبيبة وحرمانه من رؤيتها، ويشعر بشوق مرير يسيطر على فؤاده!، وما أن غادره الصبي، إلا وشعر أنه لا يطيق الصبر والجلوس بعد ذلك أبداً، ودق جرس كبير في رأسه معلنا أنه يريد أن يتملى ذلك الوجه الحبيب ويرى ذلك الثوب ملتصقا بجسدها ويحدق عميقاً بصفاء عينيها، يريد أن تمس أصابعه شفتيها، أن يقول لها إنها له وهو لها، ولن يفرقهما إلا الموت، وفي لحظة عمى حقيقية، فقد قدرته في السيطرة على عواطفه وأشجانه، وشعر بقدميه تقودانه، دون إرادة منه، إلى جدار بيت السيد مهنا، لم يقصد جهة الباب الصفيحي ليطرق عليه بيده كما يفعل من قبل!، وهو يعرف إنها لن تأتي إليه لتعرف من هو الطارق، ستقوم أمها بفعل ذلك، فليس في القرية فتاة تفتح الباب لطارق مجهول أو عابر سبيل!، وهو يريد أن يراها ويتملاها دون استعداد منها أو معرفة إن وادي الهائم بعشقها قد جاء ليسأل عن أمرها، فتأخذ حذرها وتلبس العباءة والحجاب فلا يلمح ما يطمع برؤيته!، وتغزوه ملابسها المعتمة وخيال الحبيبة المختفي وراء الأقمشة!، يتمنى أن يراها بثوبها، عارية الصدر والوجه، يحلم بلمس أصابعها الطويلة وحمرة خديها، ويروي ظمأه من الوهج الأخاذ في عينيها!، ولكي يرى تلك المباهج مرة واحدة، عليه أن يزيح جانبا من جدار القصب ويدخل دارهم عنوة، مهما حدث له أو جرى عليه!. في تلك اللحظة الآنية التي كان يراها في خياله بغلالتها الشفافة، ووجهها المشرق، شعر أن رؤيته لها في ذلك الوضع تسكره وتخلب لبه وتجعله فاقداً للإرادة وبعينين رصاصيتين خامدتين، وأصابع متوترة علق بها الإرتجاف والتشنج، أمتدت كفاه صوب الجدار القصبي وأزاحه إلى فرجتين، وأدخل جسده من خلال الفتحة التي أحدثها، وأصبح في باحة الدار الفارغة، ولم يشعر إلا وهو بمواجهة كلبهم المتوحش، وقبل أن يسترد أنفاسه وعقله، قرر العودة إلى الطريق في لحظة رعب لا مثيل لها! كان الكلب قد أنشب أنيابه ومخالبه في ثوبه! وللخلاص من هذه الأنياب المتوحشة قفز من جديد إلى خارج الدار من خلال شق الدخول ذاته، تاركا بين شدقي الكلب جزءاً من ثوبه، ولم يكتف الكلب بذلك الانسحاب الخائف، بل أخذ يطارد الشاب في درب القرية الضيق، وحمد وادي الله وهو يسترجع أنفاسه المتقطعة: إن أحداً لم يمر في ذلك الطريق ليرى عاره وخيبته في تلك اللحظات المخجلة!. أمسك حجراً من حجارة الطريق، وثوبه الذي قُدّ من قُبلٍ أظهر ساقيه المرتجفتين والكلب ينبح بوجهه! متقدماً بجسارة لا مثيل لها محاولاً النيل من العاشق الولهان!..

- 26 -

في تلك الليالي المقمرة، وعلى ضوء الفانوس يتحدث جاسم العطية عن عمال المدن، الذين ينبغي أن يتحدوا، ويهز شيخ المعدان رأسه! كأنما يتابع صاحبه، لكنه كان يفكر بالمدينة التي يجيء ذكرها شذرات متناثرة في حديث صاحبه المتشعب! قال في ليلة من الليالي راوياً عن المدينة التي يأسره ذكرها: بعد فراري من قرية الجوابر في حوض حافلة تنقل محصول الرز، فوجئت بأحوال المدينة، رأيت النساء بتنورات فوق الركبة شبه عاريات! ويلبسن بنطلونات تظهر كل ما خلق الله في المرأة من عورات! وكل واحدة تسير مع رجل وتتكلم وتضحك بلا احتشام! فوقفت إلى جانب الشارع أنظر وأتملى النظر بدهشة، وأقول لنفسي أخيراً سأتوقف عن مضاجعة البهائم وجلد عضوي في دار الخلاء! وأجد حريتي الكاملة مع هاته النساء الجميلات، وعندما اقتربت من واحدة منهن معتقداً أنها أجملهن وأكثرهن وداعة واستسلاماً، ولم يكن بصحبتها رجل، فاجأتني وهي تنحني لتلتقط كعبها العالي! لتضربني به، وقد حذروني في السكن من ضربة الكعب القاتلة، قلت في نفسي إنها مـجنونة بلا شك وتركتها! وحاولت مع أخرى أصغر سناً، ولولا أهل الخير والشهامة لأودعتني السجن ؛ ثم اكتشفت مع الأيام أنهن يشبهن نساء قريتنا في العفة؛ ولكن الفرق الوحيد أنهن مصبوغات بالألوان وشبه عاريات! أما الرجال الذين في صحبتهن فإما أن يكونوا أزواجهن أو إخوانهن، أو زملاء عمل يحرصن على إيقاعهم في براثن الزواج! وأخذت أدق على جبهتي بكفي في تلك الغرفة القذرة، الرطبة، التي أكتريت فيها سريراً لأنام عليه، فسمع بكائي عامل بناء كان يسكن في الغرفة المجاورة، وعندما عرف سبب بكائي ضحك، وأخذني من يدي في ذلك الليل إلى سرداب أحد الفنادق القديمة في باب المعظم(1)، وعرفني على أم جابر العوراء، التي تبيع الشاي في النهار وتفتح في الليل فخذيها بربع دينار! وما أن تضطجع فوقها حتى تشعر إنك مبلل وحسب! ولكي تتحاشى ركلتها العظيمة بقدميها المتفطرتين، فعليك أن تنط إلى الوراء كالقرد قبل إتمام العملية! وأن تكمل ما بدأت به عندها في غرفتك بالفندق القديم، على الفراش الأصفر النتن! وبعد أن توطدت علاقتي بأم جابر، حكت لي عن أصلها وفصلها، وقالت إنها جـاءت قبل سنوات من قرية من قرى الجنوب، وإنها تطمح أن تعود في يوم من الأيام إلى مسقط رأسها، ونظرت إليها وأنا مشفق على حالي، وقلت في نفسي: يا جاسم المطية وليس العطية! لم يتغير في حياتك شيء حتى وأنت في المدينة! حملت بهائمك على ظهرك وفوق رأسك لتضاجعها في سراديب باب المعظم!. وحدثه عن البارات التي تبيع الخمرة، والنساء النظيفات والجميلات. الشوارع العريضة والنيونات التي تجعل ليل المدينة نهاراً، فيدلق شيخ المعدان في جوفه بحرقة غضب السائل الأبيض، الذي اعتاد مرارته، ويحدثه جاسم العطية من جديد عن موسكو، المدينة التائهة في الثلوج والمتع الخرافية! ويسأله الشيخ متعجباً: وهل رأيتها ؟. ويهز جاسم رأسه نافيا، ويكرر لازمته المعتادة حين يدلي بشيء غير متأكد منه: يقولون عنها أشياءً عجيبة، سمعتهم يروون عنها في المدينة ومن رواياتهم عشقتها!، ثم يضحك ويرجع رأسه إلى الوراء فيبرز شارباه الكثان أمام عيني الشيخ ويمتلئ صدره الواسع بالفخر وهو يقول: عشت في بغداد سنة وفي البصرة أربع سنوات!، ثم أخذ يحدثه عن البصرة، وكان شيخ المعدان قد زارها بصحبة والده حين كان صبياً مرة واحدة، وأكل الكباب(2) الشهي في مطاعمها، ولكن بعد ذلك لم يزرها أبداً خوفا من الانضباط العسكري كبقية الرجال من المعدان الذين لم يخدموا الخدمة العسكرية المطلوبة من كل مواطن، وينتظرون في الهور حتى تتجاوز أعمارهم الثلاثين بسنوات، وبعدها لا تلفت هيئاتهم أنظار الانضباط العسكري فيزورون المدن متوجسين، متحاشين النظر بوجه كل من أرتدى بزة حكومية. وعن تلك المدينة حدثه جاسم قائلا: إنها مدينة كبيرة وواسعة، تمتلئ بالسيارات والحدائق و….، المنزول(3) هناك فيه من البنات الجميلات ما لا يصدقه عقل!. ثم يضرب بيده على الناصية الترابية أمامهم، التي جعلوها كمائدة، كانت مزتهم في تلك الليلة: رؤوس الفجل وحبات الطماطة والحمص المسلوق، وعلى ضوء الفانوس كان وجه الشيخ الأسمر النحيل يبدو وكأنه رغيف خبز طالت مدة بقائه في التنور، فاحترقت حافاته واسمرّ متنه وتقطف شاربه الرفيع،بعينين خرزيتين تلتمعان، وذلك النبل الغامض في القسمات الذي ورثه عن أجداده شيوخ الهور، الذين يصل نسبهم للسومريين قبل آلاف السنوات، وقال الشيخ محركاً رأسه كما يفعل صبي أمام أبيه لينفذ وعداً قطعه على نفسه: متى تنفذ وعدك لي وتأخذني إلى البصرة؟. نظر إليه جاسم وخوص بعينيه، وقد بدأ تأثير الخمرة يظهر واضحاً على صوته: في الغد إن شاء الله . قبل شهور عديدة وهو يعده بذلك الغد الموعود ولا يأتي هذا الغد أبداً، ففي الصباح يذهب مع الشيخ في جولة على المعدان، الذين سيخرجون لصيد السمك، وجولة أخرى على المعيديات اللاتي سيذهبن إلى حماد الجبايش ليعرضن ما لديهن من زبد وقيمر وحليب وبيض ودجاج وبط للبيع، وللشيخ في كل هذا حصة، وجاسم منذ اليوم الأول أصبح مسجل حساباته، فيسجل ما سيخرج به المعدان من بضاعة إلى السوق، وبعد العودة قبل المغرب بقليل يجرد ما رجعوا به ويأخذ نسبة الشيخ، ويدفع المعدان تلك النسبة بطيب خاطر ودون قسر أو إلحاح من أحد، فهم يعرفون منذ الولادة أن عليهم الدفع للشيخ، الذي تسوى عنده جميع المشاكل التي تقع بينهم أو بينهم وبين العشائر الأخرى التي تسكن الحماد، كما أن الشيخ ينظم الصرف على الولائم الجماعية التي تُقام في الأفراح والمعازي للمعدان وأيام عاشوراء، وهو الذي يعوض المتضررين أثناء حدوث الكوارث والنوائب، فالناس تتذكر قبل سنوات عديدة عندما بدأت السماء تلقي بالحالوب، وكانت الواحدة بحجم البيضة، وقتل ذلك البلاء النازل من السماء أغلب ما يمتلكه المعدان من جواميس، وهي وسيلة حياتهم ومصدر رزقهم، وما أن توقف سقوط الحالوب الكثيف، أرتفع عويل الناس على جواميسهم ودجاجهم النافق! واشتد الحزن بالجميع، وأخرج الشيخ ما ادخره من مال وأعطاه للمتضررين، ليشتروا بدل الجواميس التي ماتت، وأثناء ذلك العام حل بينهم مرض أبو زويعة(4)، وكان الناس يتقيئون ويتبرزون وتزداد حالتهم سوءاً ويموتون، وأخذ المرض يحصد العائلات واحدة بعد الأخرى، وعندما سأل الشيخ عن سبب ذلك المرض أجابه الحكيم الذي أوفدته الحكومة إلى الهور، بأن مرض المعدان بسبب قلة النظافة، والماء الملوث! وحين طلب منه أن يوضح لهم، أفهمه الحكيم أن من الأمور المهمة أن يغلوا المياه قبل شربها! وضرورة أن تكون لكل واحد منهم قطعة صابون يفرك بها جلده أثناء الاستحمام، فأعطى الشيخ المال اللازم لشراء ذلك الصابون الضروري لإنقاذ المعدان من الموت! وما أن جُلب الصابون واستحم الباقون بهذا الصابون العجيب برائحته الزكية ولونه الناصع، وشربوا الماء الذي سبق غليه، وجاءت كل تلك التطورات الصحية في نهاية دورة المرض، فأختفى المرض فجأة كما ظهر فجأة! وعادت للمعدان ابتساماتهم وشاع الفرح بينهم، وارتفعت أيديهم بالدعاء للشيخ، وما أن نفد الصابون حتى عاد المعدان لعاداتهم القديمة، ولكن مرض أبو زويعة لم يطرق أبوابهم بعد ذلك! ولن ينسى الناس سنة الجراد! وعام البرغش! وعام الحكومة! ففي ذلك العام الأسود جاءت زوارق ترفع أعلام الحكومة وفيها عدد كبير من الجنود، وعلى زوارقهم نُصبت مدافع موجهة لجباشات المعدان! وطلبوا من المعدان أن يسلموا أولادهم للخدمة العسكرية، ولم يكن هذا مألوفاً ولا معروفاً، فلا سلطة لأحد على المعدان غير سلطة الشيخ!، فكيف يسلمون أولادهم إلى الحكومة ؟، ومن هي الحكومة لتأخذ منهم أولادهم ؟، وأطلق بعض المعدان النار من بنادق الصجم القديمة التي يمتلكونها، فرد الجيش برمية مدفع مفردة أزالت الجباشة التي انطلقت منها رمية الصجم بمن عليها، وأرتفعت النار وعلا الدخان، وعلا الصراخ في الجباشة المنكوبة، وأُسقط في يد المعدان، كيف يقاومون هذه الكارثة التي توجه فوهتها إليهم وتهز الأرض تحت أقدامهم!، وعلق صاحب الجباشة المنكوبة الذي نجا بأعجوبة من قنبلة المدفع: هذا بلاء من الله وكذاب من يقول إنه من صنع بشر!. وحدث المعدان بعد شهر على تلك الحادثة: كان أخي المرحوم في الجانب الآخر من الجباشة يُدخل الدجاجات إلى القفص حيث صُوبت الدانة(5) إلى الجباشة، وأنفجرت فهزت الأرض وانفتحت باب جهنم على الصريفة كتلة من النار ولحم البهائم المحترق! ورأيت أخي كان سالما يرحمه الله ولم يُصب حتى بخدش واحد!، لكنه جلس لا يستطيع الوقوف، ولف سيجارة!، وقبل أن يتم لفها فاضت روحه ومات!. في تلك الساعات المريرة، ركب شيخ المعدان مشحوفه وقد تمنطق بحزامه، وقد ملأ جوف ثوبه فوق الحزام بحزم الدنانير وتوجه صوب كبير الجيش، وبقي هناك حتى العصر، وعاد مبتسماً، وغادرت المراكب الرمادية وعمت الأفراح جباشات المعدان، وأرتفع صوت إطلاق النار في السماء وهم يشيعون الميت الذي سقط ذلك اليوم!. ومنذ ذلك اليوم، الذي سُمي بيوم الحكومة شُطبت قرية الدبن من سجلات وزارة الدفاع! ولم يقصدهم أحد ليطلب أولادهم لأداء الخدمة العسكرية، وكان جميع المعدان يحلفون برأس الشيخ، وإذا حلفوا بذلك القسم فهم لا يحنثون به أبداً، وكان ذلك الشيخ هو جد شيخ المعدان الحالي، وكان الحفيد يتباهى بأمجاد جده عندما تُدق هاونات(6) القهوة وتعلو أدخنة المطال الحريفة!.

 

- 27 -

كان القس يشعر بأشياء تتغير داخله، أشياء لم يعهدها من قبل تتبرعم داخل روحه، لها عطر الورد وبصيرة الذين يرون كوى النور. تنملت أعضاؤه وتحول إلى لا شيء، بلا وزن أو حجم، هل تحول في تلك الساعات إلى نور؟، كان يشعر أنه تحول إلى مشاعر فياضة هائمة، وخطوط ضوئية لا يمكن مسكها، لا ظل له، لا شيء يوقفه عن أختراق الجدران، وبسعادة فضفاضة تملأ روحه وتكفي لملايين من البشر وتفيض عليهم وتموج كالمحيط المتلاطم، وترتفع بخاراً وضباباً وشذى ياسمين، مستمتعاً بغناء قادم من بعيد ولا يفقه كلمة مما تقول كلمات الأغنية، لا يسمعها بأذنيه، فقد تعطلت حاسة السمع عنده، لكنه كان يسمع بمساماته وذراته النابضة بدبيب الحياة، وأنغمرت الأشياء في غرفته بروح قدسية لا يمكن لملمتها أو أكتشاف ما تفعله بالأشياء المشكلة كمادة، أهي من أنواع الخمرة السماوية، التي جاء ذكرها في التوراة والإنجيل ؟، أم إنها خروج الروح والهيام في العتمة فلا سلطان للبدن عليها؟، أيًّا تكون فلن يتذوق بشر السعادة التي تذوقها ميلانصو في تلك الليلة العظيمة! هل حدث الرأس المقطوع في تلك الليلة؟، وبقي ذلك الحديث السري في صدر الرجل لا يقوله ولا يكتبه وقد اعتاد الرسم والتدوين لظواهر وأحداث أقل أهمية من تلك المعجزة، ولو لم تكن الرأس قد حدثته فلِمَ كل هذه المبالغة منه في متابعة جيش يزيد الراجع إلى دمشق، وهو يقدم خدماته إلى السبايا من عائلة الحسين(7)، وينط كالقرد ليلا عندما تتوقف القافلة للراحة قرب الآبار والواحات تحت أشجار الغضا والأرطا(8)، بين الرؤوس المحمولة على أسنة الرماح، يمسح التراب عن وجوهها ويرشها بماء الورد، ولا يبتئس مما يفعله معه حراس الرؤوس الغلاظ من دفع وجر وتهديد بالنطع! وفي الليلة السابعة والعشرين من تلك الرحلة الضاجة بالأحزان أوسعوه ضرباً حتى تساقطت بقية أسنانه من فمه، وبالرغم من الدماء النازفة من فمه ومنخريه والألم. كان يقبل أيدي الجنود أن يعطوه الفرصة لغسل شعر الرؤوس المقطوعة والتي تخثر عليها الدم ممزوجاً بالتراب، بماذا حدثه رأس الحسين في تلك الليلة ؟ هل أُصيب الرجل بلوثة جراء بقاء الرأس المقطوع عنده ليلة كاملة ؟ أعمال ميلانصو الأخيرة لا تشير إلى جنونه مطلقا، فقد تجاوز عمره المائة قبل أن يموت وكان مثالاً للحكمة والاتزان والتبصر، وكان له طلاب وأتباع ومدونات، وقد تابع المجلس الأعلى للشيعة في العالم تلك المدونات(9) وحللها كلمة كلمة وحرفاً حرفاً، لمعرفة هل تم ذلك الحديث السري بين راس الشهيد وذلك الرجل الذي أمضى ليلة صوفية معه! وبعد ذلك تبع رأس الشهيد إلى دمشق وبقي ينتظر وينتظر حتى أرضى يزيد غروره وأمر بدفن الرأس، حينذاك برز ميلانصو من جديد للرجال المكلفين بدفنه وأغراهم بمال كثير لا يعرف المؤرخون من أين حصل عليه، وأخذ يتبعهم متوسلاً كما روى ذلك أحد الرجال المكلفين بدفن الرأس لابنه، ومن الابن إلى الحفيد وهكذا لألف عام بعد تلك الواقعة، حتى سجلها المؤرخون وإضافوها إلى التاريخ:
أعطوني الرأس لأدفنه، ولكم ما تشاءون من المال!.
نظروا إلى ملابسه القديمة، التي مزقتها كلاب الطرق السائبة، فقد أمضى الليالي متربصاً، قريباً من أسوار القصر الأموي، بأقدام حافية مرتجفة ووجه مدمى، يدفعه الحراس ويسخر من طيشه عابرو السبيل، ويجيبونه بفظاظة:
أمرنا خليفة المسملين بدفن رأس المرتد، ولا يدفنه أحد غيرنا!. كانوا ثلاثة، وقد وضعوا الراس المبارك في كيس من الخيش وحمل الكيس أصغرهم سناً، وأخذوا يسخرون منه:
أنت يهودي أ م نصراني ؟ لحيتك تدل على يهوديتك وأنفك لا يدل على ذلك !. قال لهم: ما دخل ديني في إجراء صفقة ؟.
قال الذي يحمل الرأس:
أتعرف لمن هو.. ؟. لم يجب ميلانصو لئلا يعطيهم الفرصة في معرفة نواياه، قال الرجل الأول: هذا الرجل معتوه، أو يريد إثارة البلبلة في دمشق!. وكانوا يسيرون وكأنما كانوا يركضون بحملهم! وهو يبذل جهده ليصل إليهم ويتشبث بالكيس المخضب بالدم، قال أحدهم:
لنضرب عنقه!.
ضحك الآخر: إنه معتوه.
وتبعهم حتى المقبرة، كان أحدهم يحفر، وكان هو يتجول حولهم بثوبه الأبيض المتسخ، الممزق وقدميه الحافيتين. كانت الأرض قاسية على الفؤوس التي يستخدمها الرجال، وترتد إلى الوراء عند كل ضربة، وكانت الشمس في أوج سطوعها، عرض عليهم الدنانير الذهبية وقال من بعيد:
سأوفر عليكم كل هذا الجهد، وتأخذون هذه الدنانير الذهبية الكثيرة!.
تركوا الأرض القاسية إلى مكان آخر في المقبرة وحاولوا من جديد الحفر وميلانصو يدور حولهم في دائرة تضيق، قال أحدهم وهو يمسح العرق عن جبينه ويسمع إلحاح ميلانصو:
أقسم بالله إن هذا الرجل سيبيع الرأس بثمن أكبر، وإلا لما قاتل كما يقاتل الآن للحصول عليه!.
ومن جديد ظهرت لهم قساوة الأرض، وأخذت الفأس ترتد بقوة وتوشك أن تفلق رأس الذي يحفر، وصرخ أحدهم قائلاً إنهم يحفرون في الحديد، لقد تحولت الأرض إلى حديد حقيقي دونه حديد الدروع، قال لهم ميلانصو وهو يرى صعوباتهم ومن بعيد لئلا يقتلونه بالفأس من شدة يأسهم وتعبهم:
الشمس ساخنة، والأرض قاسية، أتركوه لي وأنا سأقوم بدفنه!.
للمرة الثالثة غيروا المكان دون فائدة، وجرحت الفأس كف أحدهم وكان ذلك نذير شؤم للرجال الثلاثة، فاتفقوا بينهم وتعاهدوا وأقسموا أغلظ الأيمان أن لا يشي أحد منهم بالآخرين إذا سألوهم عن مصير الرأس! وفي نهاية الأمر أعطوا الرأس لميلانصو وأعطاهم الدنانير الذهبية، وخرج الرجل من المقبرة بـحمله، كأنما أخيراً حصل على كنوز الأرض. ذلك ما توفر من القصة في السجلات القديمة، ولم يرد في مخطوط مدافن الأئمة الأطهار لشدة خصوصية الأمر، في بحثه عن رأس الحسين الشريف، وتعلق الأمر بالعقائد الشيعية التي تقوم على حتمية رجوع الأجزاء وتكوينها الكل، المكتمل بإرادة الله، وتلك النظرية المعقدة لا يعرفها غير المتبحرين في علوم أهل البيت وآثارهم عليهم السلام أجمعين، ووردت قصة أخرى في شموس وأخبار الصالحين، والتي لم يرد فيها أن ميلانصو قد أشترى الرأس المقطوع من جنود الخليفة، ولو كانت قصة الشراء قد تمت، لما بقيت أية قيمة فكرية لذلك الحوار الذي دار بين ميلانصو والرأس في تلك الليلة التي استأجر فيها الرأس وأبقاه عنده ليلة كاملة! لو تم الشراء فعلاً لتمكن ميلانصو من الحديث معه ما شاء من وقت وليالٍ طويلة، وما بقي من حكاية الشراء وترتيب الحوار وما دار في القصة من حوادث هي من نسج أهل الشيعة المتأخرين!.
وعموماً، فقد ظهر رأس الحسين المقطوع في مصر بعد شهور من استشهاده، ودفن الرأس هناك، وأُقيم له ضريح كبير مازال حتى يومنا هذا يؤمه الزوار من كل حدب وصوب، لقد أنقطعت قصة ميلانصو في شموس وأخبار الصالحين عندما سلم القس الرأس عند الفجر للجنود الغلاظ المسؤولين عن حراسته وأنتهى الأمر عند هذا الحد ماعدا محاورات ميلانصو ومخطوطاته التي تركها وبقيت بأصولها القديمة في مكتبة المجلس الأعلى للشيعة والحوزة في النجف، أما ما جاء من متابعته لقافلة السبايا والتي تُمثل في قرية الجوابر ضمن أحداث فرحة الزهراء، بعد أربعين يوماً على واقعة الطف واستشهاد الحسين وأصحابه عليهم السلام، والتي تمتلئ فقراتها بتلاوة الشعر القديم الحزين والفقرات النثرية الغارقة في الصوفية واستجلاء الذات المقدسة!.
وما قام القس به من أعمال في خدمة الرؤوس المقطوعة، فقد وردت في أكثر من مصدر شيعي وكلها تتفق على ما جاء في القصة الأصلية، وتنتهي عند دخول القافلة إلى دمشق وعرض الرؤوس على يزيد بن معاوية، أما رأس الحسين(ع) فقد حُمل أولاً بطست من الذهب، حيث ضربه يزيد عدة مرات بالسوط على أنفه وإلى الأسفل من فمه، وشمت به، وقال شعراً في تلك الواقعة الأليمة، وكل هذا كان مدوناً ومعروفاً وفصلته أقلام الأولين.
المهم في كل ما كُتب وقيل هو الوصول إلى حقيقة أن الرأس الشريف قد تكلم في تلك الليلة، هل تكلم كما يتكلم رأس الحي بالمدارك المعروفة في الحفظ والتحليل والذاكرة خارج القوانين البايلوجية والكيميائية والفيزيائية المعروفة في عالمنا ؟ وإذا تكلم فهل كان حديثه بمستوى العقول الآدمية ؟ أم أنه كان أكثر وأصعب على الفهم ؟ هل كان صوتاً بشرياً سوياً، كما تعودنا -نحن البشر- أن نسمعه ؟ أم كان شيئًا قريباً للصوت ؟ أكان صدى لأحاديث قالها الإمام(ع) حين كان حياً ؟ وبذلك تنطبق عليه قوانين الفيزياء المعروفة للأصوات على أنها محض طاقة، ويستحيل ذهابها إلى فناء، وتبقى تدور وتدور بموجات متضاغطة وأخرى متباعدة ويمكن إلتقاطها من جديد، وفصلها عن الأصوات الأخرى حتى تصبح شيئاً مفهوماً بعد سنة أو ألف عام ؟ وبذلك تتيح لنا إمكانية أسترجاع أصوات الأنبياء والرسل ومعرفة ما كان يقوله جدنا آدم لجدتنا حواء عليهما السلام، حين كانا يتناجيان في غربتهما في الوطن الجديد على فيض تلك السهول الواسعة! لو توفرت للعلماء الوسائل والإمكانيات لبلوغ هذا المرام، والعلم ماضٍ لتأكيد هذا. المدونات التي تركها ميلانصو كثيرة، ويعاني دارسها من الشرود والتشتت، فهي كالخمرة التي يكون مذاقها في البداية يبعث على الغثيان والشعور بالقلق وكره الحياة، لكنها حين تتمكن من قارئها تأخذ بلبه وتسري في عروقه سريان الترياق والخمرة الأصيلة! وحين تسأل القارئ يجيبك أنه يشعر بسعادة غامرة تطلق قيود روحه وتنتزعه من الأرض انتزاعاً وتلقي به في متاهة شاملة، ولا يستطيع أن يجيبك عما فهم من معان وحكم فيما قرأ وهي ليست شعراً ولا تاريخاً ولا نثراً ولا فلسفة، كما إنها ليست ابتهالات صوفية أو صفات قدسية متكررة، إنها تصدمك في البدء، لكنها سرعان ما تتغلغل في مسامات روحك لتوقظ ذكريات وعوالم نسيتها وأخرى لم ترها أو تعشها لا أنت ولا غيرك، هي في حقيقة الأمر كل ما تعرف ولا تعرف عن العالم! وكل ما خضته من تجارب حسية وغير حسية، توقظ في عناد كل كوامنك الغريزية وتأخذ بناصيتها تهذيباً وصقلاً وتقودك إلى ما فوق الذات الإنسانية إلى عالم آخر، لم تعرف أنه يقيم بين جوانحك منذ الأزل، ونضج معك كالخبز المحمص، يراقبك وأنت لا تشعر به ويحدثك فلا تسمعه! حتى تجيء اللحظة وتتسع عيناك لترى وتشنف أذنيك لتسمع، فما معنى هذا المقطع الذي ورد في إحدى مدونات ميلانصو ويكرر في المجالس الأربعينية(10):
لقد أستقام لنا الأمر في كلا العالمين من سبعة أشياء معوجة، فهل رأى أحد منكم كيف نقوم المعوج ؟ زججت نفسك في أصول الأفول وألقيت بالشمس والقمر في الملكوت، ووضعت الروح في الحبيب، فنطق حباً، وباح كلاماً ونأى عن النفس والولد والأهل منفرداً، وأزال الحجاب عن وجه الدنيا، وطرحها بأسرها أسفل قدميه وقال ذلك من مفردة وجهت روحي وضميري إليك، فما هي حيلة العبد وأقداره جارية ؟. أيكون الصمت حيلته والتطهر من وجوده الكائن غايته ؟، حدثني المغموم بدواخله، بشفتيه المضروبتين بالسوط ليلة الرحيل، يا من ظفرت بالكنز الإلهي وحصدت به الحديد الحاكي والنافث للنار ببأسه الشديد، السائر كالراسيات، المحلق بسلطانه، أوجدت ألف عام ملآناً بالحكمة والزهد، عارفاً مركز الأرض والمجرة، السابحة في المجرات، فإذا جُعل نصيبك ذرة سعادة امتلأ الكون بنصيبك وفاض، أينبغي أن يُغسل وجهي بدم العالم لتفيض البركة ؟ وحتى يكون طائر روحي مرفرفاً يرى السم ترياقاً ويترك الملك راعي الغنم يرعى غنمه، فهو لا ينقطع عن خلقه إيجاداً مع الأنفاس وتعليماً .
في ذلك الاحتفال المهيب، الذي تدور أقسى أحداثه وأشدها رهبة حيث يُدفن الرأس المبارك في منفاه الجديد وتُتلى نصوص ميلانصو وسط العويل وصفق الصدور وتنتهي برجوع الناس إلى صرائفهم الطينية بأقدام منهوكة ووجوه مكفهرة متربة وعيون وسنانة لم تذق طعم النوم، لكنها تشعر بالراحة وهدوء البال فقد تم كل شيء وجرت ذكرى الأربعين كما ينبغي أن تُجرى!.

- 28 -

في اليوم الأول من تموز نفذ جاسم العطية وعده لشيخ المعدان واصطحبه إلى مدينة البصرة، أرتدى الشيخ في ذلك اليوم أجمل ملابسه التي لم تَخْلُ من رائحة حريق المواقد وأدخنة المطال الحريفة، وتلك الروائح المخلوطة خلطاً تاماً وتشبه في نكهتها رائحة الحليب والشحم الحيواني وزفرة السمك، ووضع على رأسه شماغه وفوقه عقاله الرفيع، وجعله راكزاً للخلف وأرتدى صايته(11) المفتوحة من الأمام والتي يتفاخر دائما بأنها من قماش إنجليزي ماركة ممتازة، وفوقها عباءته الجوخ، حتى إن أصغر زوجاته نظرت إليه غاضبة، معتقدة أنه سيتزوج بامرأة جديدة! فضحك الشيخ من غبائها وقلة فطنتها وأفهمها أنه ذاهب إلى مدينة البصرة لأخذ عطوة(12) من إحدى العشائر القاطنة هناك، لأن أحد المعدان الذين استقروا على حافة الحماد قد قتل أحد الحضريين، وهو من فخذ عشيرة المعدان، الذين أستقر على حافة الحماد، الذي لا يعطي ولاءه التام لمشيخته، ويريد أن يُشعرهم أنه مازال شيخهم! وبالرغم من أن الحكاية برمتها كانت ملفقة ومن صنع جاسم العطية، إلا أنه أراد أن يظهر أمام زوجاته وأعمامه ما يبذله من جهود من أجل أهله وأولاد عمه من المعدان، ورفع شأنهم بين العرب في كل مكان يتواجدون عليه، وأخذ الشيخ نصف ما أدخره من مال، فهي ليلة العمر التي لا تضاهيها ليلة كما قال جاسم العطية!.
وصلوا عصراً إلى المدينة، وهاله إتساعها وازدحام السيارات فيها، وكان يقف دقائق بطولها ليرى كيف يسير هذا العدد الضخم من السيارات دون أن تحدث اصطدامات مريعة، وكان كلما عبر شارعاً وضع طرف الشماغ في فمه وأمسك بذراع جاسم كأنما يمسك بجذع نخلة يطفو وسط ماسورات مياه سريعة دائرة والزبد الأبيض يتجمع في زاويتي فمه، وحالما ينجحان بعبور أحد الشوارع المزدحمة يسأل جاسم العطية: كيف لا يُدعس أبناء المدينة جميعاً بهذه السيارات المسرعة، التي لا تعرف كبيراً ولا صغيراً وتنبح كالكلاب المسعورة ؟!.
وكان في هذه الفوضى العارمة يمسك سويجت حارس الشيخ الشخصي، بصاية شيخه وقد ربط طرفي شماغه حول رقبته وشعوره بالضياع قد ملك لبه، ويردد: عجيبة شيخنا! كيف يعيش كل هذا الخلق ؟. كان الشيخ لا يخرج في سفرات بعيدة إلا وعبده سويجت معه بالرغم من معارضة جاسم العطية لوجود ذلك الأسود وإحساسه الدائم بأنهما مراقبان من قبل سويجت! الذي لا محالة سيهمس في يوم من الأيام بما حدث لهم في المدينة لأهل الهور، إلا أن الشيخ أفهم جاسم أنه طلب من عبده أن لا يتحدث بما يراه لأحد وإلا قطع لسانه، وأضاف أن من عادة شيوخ المعدان منذ كان أجداده شيوخا أن يصطحبوا عبيدهم معهم أينما ذهبوا. ودخلوا باراً يقع قبالة شط العرب(13)، وأجلسوا سويجت على منضدة بعيدة، وطلب جاسم العطية شراباً له وللشيخ ومزة، وأوصى لسويجت بالحمص المسلوق الذي يحبه، وأندهش الشيخ فيما أندهش لنظافة المكان وأضواء النيون الملونة، التي كانت مشعلة حتى في النهار، ورؤيته للسفارين بملابسهم البيضاء، كأنهم أطباء يؤدون أدوارهم في تلبية طلبات المرضى، وقال جاسم العطية: إن ما نفعله هنا في حقيقة الأمر للتسخين وإمضاء الوقت للاستعداد حتى تفتح الكابريهات أبوابها!. قال الشيخ بعد أن رشف كأسه الأول والتقزز يظهر على وجهه: أظن أن هذه الخمرة أكثر مرارة من التي كنت أشربها معك!. ضحك جاسم مسروراً وقال: الليلة سأجعلك تدخل الجنة وتذكر أنك أول معيدي يدخلها!. وترقرقت الدموع في عيني الشيخ من شدة عرفانه بالجميل: يا أخي جاسم لم أذق منذ ولدت لحظة سعادة إلا بعد أن تعرفت عليك، نحن ميتون في ذلك الهور، الحياة الحقيقية في المدينة!. رفع جاسم كأسه وقال: في صحتك. رفع الشيخ كأسه وأخذا يشربان بينما كان سويجت مذهولاً بما يرى وقبضة من حبات الحمص المسلوق في كفه يتلفت يميناً وشمالاً ويأكل منها بحرص، حدثه جاسم العطية عن أهداف الحزب الشيوعي وراح يعدد له ما حفظه من وقائع عن سوء أوضاع الناس في المدينة، وهنا كان شيخ المعدان يفرد كفيه محتجا على ما يقول صاحبه، مشيراً إلى مكانهما:
كل هذا الخير وتقول إن أهل المدينة مظلومون! والله لم يُظلم أحد في العالم مثل المعدان!.
وأخذ جاسم العطية يحدثه بصبر عجيب عن المادية الديالكتيكية والتاريخية وما تعنيان، ونظر إليه شيخ المعدان بعين مغلقة وأخرى مفتوحة:
أرجو أن لا تعيد علي هذه الكلمة مرة ثانية، لأنني كلما سمعتها شعرت بالنعاس! ولو كنا على جباشتنا لطلبت من سويجت أن يعطيني مخدة أتوسدها، أما وأنا في هذه الجنة، فأرجوك متوسلاً أن ترحمني منها!.
وشرب كأسه مرة أخرى، ومد يده نحو صحن السلطة وأخذ قبضة كف منها بكفه المتشققة بسبب سوء التغذية والأمراض الجلدية، ونظر إليه بعض الجالسين باشمئزاز لما يفعل! ومن جديد قال جاسم عازفاً على ربابة أفكاره الحزبية: لن نعيش ويهنأ لنا بال إذا لم يصل الحزب الشيوعي في بلادنا إلى السلطة!. وشاء حظهما العاثر أن يمر في تلك اللحظة السري المسؤول عن حفظ الأمن في البار وسمع ذلك الاسم المحظور يفرقع كحزمة دنميت في البار الهادئ، فاعتقد السري أنه أخيراً وقع على خلية شيوعية ناشطة، فأخذ كرسياً قريباً منهما، وأفرد جريدته كما يفعل كل السريين في البلاد وهم يتابعون طرائدهم المسكينة من السياسيين، ولم ينتبه إلى جلوسه الرجلان، فهما قد اعتادا في الهور على الحديث الطليق غير المرموز، الذي يستعمل عادة بين السياسيين في المدن، إذ كان يرمز للحزب بكلمة الجماعة، وللديمقراطية بالفرح، ولرئيس الجمهورية باسم حسونة، وفي أحيان أخرى غليص نسبة إلى مسلسل تلفزيوني كان يتابع بثه الناس وهو يتحدث عن شيخ ظالم، خبيث امتلأت الأرض بشروره وخططه اللئيمة للإيقاع بضحاياه من الناس الآمنين! وفي الهور كانت الريح الغادرة تنقل حديثهما الصريح إلى الجواميس المجترة في الزريبة، والدجاج المقوقئ، والنساء اللاتي هدهن العمل في النهار وأغمضن عيونهن في نوم عميق، وأخفى الأطفال عيونهم المتورمة ورمدها المتصلب في بطون المخدات للتخفيف من آلامهم وقد غطوا في النوم بعد ساعات من البكاء بسبب الآلام والحر الشديد، أما في هذا المكان الضاج برجال الحكومة من الأمن، ووكلاء الأمن، الذين يحلمون طيلة الوقت بالقبض على شيوعي واحد! وقد أوشكت الحكومة على تصفية هذا الحزب بشكل كامل في حملة أمنية كبيرة، مداهنة، أخطبوطية، شملت البلاد كلها، منذ فترة قريبة، واعتقد الجميع أن لحية الشيوعيين قد حُلقت تماما، ولا تنبت تلك اللحية من جديد إلا بعد عقد أو عقدين من الزمن، وما بقي منهم إلا شراذم هنا وهناك، وقيادات الحزب، والله وحده يعلم في أي وكر تحت الأرض أو فوقها يختفون، وبضربة حظ وقدر جامح سعيد يظهر شخصان غبيان يسكران في مكان عام ويتحدثان بصراحة عن الحزب المحظور!، بلا رموز أو إشارات سرية ودون أن يرد اسم غليص مرة واحدة في حوارهما، ويسبان الحزب الحاكم علناً، وينعتان رئيس الحكومة علناً بالجهل والتخلف والدكتاتورية، فمعنى ذلك أن الخلايا قد نشطت من جديد، أو أن الحظ أوقعه على اثنين من القيادة العليا للحزب تعمل في قطاع الريف، البعيد عن ضبط الحكومة وأنظارها، وراح السري ينصت لكل كلمة ويقلب صفحات جريدته الحكومية بقلب متوتر، مشحوناً بالآمال أن يُرقى درجة أو درجتان مع مكافأة مناسبة لتكفيه إكمال بناء داره، ويتساءل وهو يستعجل الوقت: متى يا ربي أضع القيد في أيديهما وأسلمهما إلى أقرب مركز شرطة وآخذ بهما وصلاً يدل على التسليم والاستلام ؟.
قال جاسم وهو يلوك ورقة خس وقد بدأت الخمرة تفعل فعلها، وأخذ يتلو شعراً ثورياً من ذاكرته وقد أزدادت حميته وثورته على أوضاع الحياة البائسة:
حلم الملايين الجياع من الرقيق
ولِمَ الشهيق ؟
الخبز تنضجه السياط الداميات لِمَ
الشهيق ؟
ولم العويل ؟(14).
وتوقف عن ترديد أبيات القصيدة لحظة، ثم أطلق آهة محبوسة من صدره، وفكر السري وهو يتخيل رئيس الجهاز وهو يسلمه أمر الترقية مع المغلف المالي ويعده بالترقية الحزبية، التي ستجعله في حل من واجبات الحزب المسائية! وأخذ يبتسم ويدعو الله في سره أن يزداد تهور طريدتيه، لتكون الأدلة التي سيرويها لمفوض المركز دامغة ولا مجال للتنصل منها والإفلات من الاعتقال! أكمل جاسم العطية بلسان ملتو، ثقيل:
الخبز تنضجه السياط الداميات لِمَ
الشهيق ؟
ولِمَ العويل ؟
غدا الرحيل
عن هذه الأرض الخبيثة -لعنة
العيش الذليل-
حلت بجيل بعد جيل
غدا الرحيل(15).
وطفق جاسم يبكي بدموع غزيرة وتلوح أمام بصيرته المضببة أشباح الظالمين والطغاة، وراحت إرتعاشات الشمس الغاربة وحركة الزوارق العابرة للنهر تلقي بظلالها الحزينة على ذلك الغروب، موشحة وجوه الناس بغلالة من اليأس والاستسلام للقدر الظالم، وحاول الشيخ أن يوقفه عن البكاء عدة مرات، وكان يمدُّ يده ويجعلها على ظهره ويقول له مهدئاً:
الرجال لا تبكي يا جويسم! البكاء للنساء!.
وسمع السري مقطع القصيدة بإلقاء جاسم الثوري، فتأكد بما لا يقبل الشك أنه وقع على قيادي مثقف من الشيوعيين يحفظ الشعر، فشنف أذنيه ليسمع المزيد من الأدلة، ويتحسس مسدسه المخفي تحت قميصه وهو يشعر مسروراً أن المكافأة على وشك أن تكون في جيبه، وأنه أخيراً حصل على الترقية التي حلم بها طويلاً، وأشار جاسم بيده للشيخ كأنما يعده بشيء، وقال:
حالما تنجح ثورة الجياع في بلادنا، سيجعلك الحزب وزيراً للزراعة!.
وتمتم السري في ذات نفسه: احترق شيب موتاكما(16) وزير مرة واحدة، ستبيتان في التوقيف الليلة مثل كلبين أجربين، ولن يستطيع أحد إخراجكما من هناك، حتى يتمزق ظهراكما بالسياط، وتسقط أسنانكما بإذن الله بعد ربطها على آلة الكهرباء الجديدة وبعدها ستنالان حصتكما من الخازوق بإجلاسكما عاريين على قناني الكوكاكولا الفارغة(17)، وبعدها تُسلم جثثاكما إلى أهلكما مع فاتورتين لتسديد ما خسرته الحكومة من مبالغ أثناء دبغها جلديكما! اللهم لا شماتة، لا شماتة وأجعلهما يسبان الحكومة والرئيس(18) بصراحة، لا لبس فيها ولا تهرب، ليقبض عبدك المسكين عليهما بالدليل القاطع، وينال ترقيته ومكافأة مالية، ليكمل بها تشييد داره!.
وكأنما سمع جاسم أصداء ما يعتمل في نفس السري من أفكار، فأنشد وهو يحاول الوقوف:
من هنا أماه! أعواد المشانق
والحريق
من هاهنا بدأوا ونبدأ، فالطريق
وعر طويل..
لا عاش رعديد ذليل (19).
وردد السري في ذات نفسه: يا ربي أجعله يشتم رئيس الجمهورية، ياربي إنه ليس إلا سكيراً أحمق ولن تشمله رحمتك فيتوب! فارزقني من غلطة لسان سكران يا أرحم الراحمين!.
ووقف جاسم، وأخذ يهتف في البار من بين دموعه وآهاته ومخاطه وتعرق وجهه: لا عاش رعديد ذليل!.
وخابت توقعات السري، وشعر بالإحباط، وهتف بعض الزبائن على المناضد البعيدة، مواساة للرجل وتخفيفاً لآلامه الممضة، وسخرية من حال جميع الجالسين: عشت يا بطل، وتحيا القدس، وفلسطين عربية، والموت للاستعمار!.
وأجلسه شيخ المعدان، بينما أفرغ سويجت صحن الحمص المسلوق وطلب من الجرسون أن يأتيه بصحن باقلاء مسلوقة، وجلس ينظر للأضواء والناس ولبكاء جاسم العطية دون أن يفهم سببه، أو يتدخل كما أوصوه، كما أن أحداً لم يمس شيخه بشعرة، قال الشيخ:
جويسم أحترق شيب موتانا هل سكرت ؟.
أجاب بصوت ملتو: أنا لا أسكر يا شيخ، ولكن القلب ينزف هموم الوطن وأحزانه!.
جويسم فضحتنا، أنظر الناس كلهم ينظرون باتجاهنا ويسخرون منا، أخيراً أصبح شيخ المعدان مجاري مسخرة لأهل المدينة! وعلينا أن نغير مكاننا بسبب دموع النساء التي تذرفها!.
ضحك جاسم، وقال:
نذهب إلى المنزول(20)، هذا أفضل وأشرف مكان في هذه المدينة العاهرة!.

 

- 29 -

في ذلك الليل الذي ثار خلاله الجسد على أحزانه المريرة من أقدار غاشمة لا ترحم، أحقا تمور داخلها لواعج وآهات، مسورة بسياج من الجن والأخلاق، فلا يقربها رجل إلا ويموت ؟ أحقا إن هذا الجسد الممتلئ حياة وأنوثة لا يمكن أن تضمه الأفرشة والأغطية مع رجل إلا أن يكون ثالثهما عشيقها الجني ؟ الذي تراه في أحلامها ظلاً أسود يتحرك في أرجاء الدار ثم يعتلي البرحية(21) بحذاقة قرد ليقطف ثمرها اللين، ويقهقه ضاحكا فتفز من نومها مرعوبة، أخبرها الصابئي(22) الشواف حين قصدته مع أمها بعد موت عريسها في تلك الخرابة التي يسكنها، لقد قال بالحرف الواحد إنها مسكونة بالجني ولا تتذكر الاسم الذي أطلقه عليه وأشترط عليها شروطاً عديدة حتى يستطيع إخراجه من جسدها، كان شرطه الأصعب أن تترك جسدها مستباحاً لعشرة شباب!، فلطمت خديها أمامه وقالت: أموت قبل أن يحدث لي هذا!، صمت الصابئي، وقال بعد أن فكر لحظات: لو فعل ذلك من ركبه جني مثلك، لما عادت لك حاجة بالتسعة الباقين!، وتساءلت: وأين أجد هذا الذي ركبه الجني ؟. قال ضاحكاً: أي مجنون من المجانين، هو في حقيقة الأمر قد ركبه جني وأفقده عقله!، وفي تلك اللحظة، لا تدري لماذا تخيلت هلال المجنون الذي يعشقها بل عشقها حد الجنون، لِمَ لا يكون الذي يحل عقدتها عسى أن يتركه جنيه أيضا، لكن كيف الانفراد بهلال وهو يدور كالرحى بين المزارع وصرائف القرية ودروبها ويلقي أشعار عشقه لها على أسماع الأبقار والخراف والحمير والكلاب في الزرائب وبين القبور في مقبرة الجوابر، التي يُدفن في ثراها أطفال القرية ومن لا يملك المال من الكبار، لنقله إلى النجف، فيبقى مدفونا كأمانة في ثرى المقبرة، لفترة ستة شهور وبعد أن يدبر الأهل مبالغ النقل والجنازة يتم حفر الجسد مجدداً ويُنقل إلى النجف، ويقسم الناس أغلظ الأيمان إن تلك الأجساد الموضوعة في الأرض لا تنتن ولا تتفسخ! وإن الأرض تحمي أماناتها وهي بذلك أفضل من بـني آدم، الذي لا يحفظ أمانته!.
في ذلك المساء الساخن، حيث ذهبت أمها تساعد إحدى نساء القرية في ولادة من الولادات المستعصية، وأبوها ذهب ليبيت في دار امرأته الثانية، في طرف القرية، ونام أخوها في الصريفة الأخرى بعد أن زالت عنه حمى الملاريا، التي كانت تجيئه في ساعات متفرقة من اليوم، وبقيت في صريفتها، حيث أثاث الترمل، المرصوف، المغطى بدثار من الغبار!، أسيرة لأحزانها وإحباطاتها، في ذلك المساء قررت أن تجتمع بهلال المجنون مهما كان الثمن، ومنذ ساعة سمعت ضجة دخوله الزريبة، وقد عم الهدوء بعد دقائق من مجيئه، وتساءلت في ذاتها: هل نام في فراش القش الذي أعدته له أمي؟. لفت رأسها بالشيلة وجعلت منها نقاباً على نصف وجهها الأسفل، هي تعرف أنه الآن ينام في زريبتهم، خرجت من صريفتها في ذلك الليل المسكون بنباح الكلاب. كان القمر بدراً تاماً والنجوم تشع مختلفة وبنات نعش(23) يشيعن أختهن المترملة إلى قبو أحزانها في متاهات السماء. كانت كفها ترتجف، دفعت الباب الصفيحي فأصدر صوتاً مكتوماً، وسقط نور القمر على هيئة مستطيل كبير على الخراف والبقرة وفراش القش، وتعالى صوت غثاء وتعالى خوار خفيض، ثم هدأت الحيوانات وأخذت تسمع صوت إجترارها وشخير هلال العالي. بقيت واقفة هناك لحظات تنتظر حتى اعتادت عيناها الظلام، رأته نائماً وقد أنحسر ثوبه الممزق عن ساقيه، وأنتصب الثوب المتهرئ عند بطنه على شكل خيمة صغيرة، وتعالى نباح كلب بعيد من طرف القرية البعيد، وسمعت مواء قطة في باحة الدار، شعرت بقلبها يخفق كقلب طائر صغير أتعبه الطيران! أقتربت من مجنونها خطوات وهي ترتجف خائفة، محاذرة من التعثر بشيء في الظلام، صارت عند قدميه، صارت تراه الآن بشكل أفضل، بركت على ركبتيها وأخذت تداعب ساقيه العاريتين، ثم شعرت بالدموع تسفح من عينيها، كانت دموعها غزيرة، مالحة، ودون أن تدري سقطت شيلتها من فوق رأسها، صارت ضفيرتاها فوق جلده العاري، وأخذت تشهق باكية دافنة رأسها في ذلك الجسد المرمي على بساط القش، لم يفعل شيئاً، فقط توقف عن الشخير وفتح عينيه ببطء، همست خائفة: أنا نرجس يا هلال، جئت أغطيك!. تنهد، وحاول بعينيه الرامشتين أن يحدد وجودها، ويقطعه عن ظلام الزريبة بوضع كفه علىجبهته. ساد الصمت بينهما لحظات، كانت نرجس ترتعش حتى أخمص قدميها، وكان هلال كأنما يرى رؤيا جميلة، ويخاف أن تضيع منه كباقي الرؤى التي يراها في يومه! ذيل الصمت يطول، وقطرات العرق تتجمع وتسيل من وجهها على رقبتها، تشعر بالعرق يبلل جسدها كله، وهمست من جديد:
أتحتاج شيئاً ؟… وفز مرعوباً، أطلق صوتاً عالياً، ووقف بكامل قامته، وأنطلق يصرخ بمفردات لم تفهمها، ودفع باب الزريبة الآخر المؤدي إلى دروب القرية وخرج، فلطمت نرجس خديها بكفيها: الفضيحة يا نرجس! الفضيحة!، وشعرت بعرقها يبرد ويصبح ثلجاً يغطي جسدها، ورددت مع نفسها وهي تقف لتغلق باب الزريبة بالمزلاج الخشبي: لن يصدقه أحد!. ومنذ تلك الليلة أخذ هلال المجنون يروي قصصاً مختلفة لشباب القرية عن ضفائر نرجس التي غطت عريه، وفي كل قصة جديدة يضيف تفاصيل إضافية، ويخترع أفعالاً لم يفعلها، حتى وصلت الحكايات المتناثرة التي لم يصدقها أحد أسماع أبي نرجس، فمنعه من النوم في الزريبة فاستعاض عن ذلك بالنوم فوق أغصان شجرة السدر المعمرة!.

- 30 -

ودفع جاسم ثمن ما شربوه وأكلوه للجرسون، وتهيأ رجل الأمن لمتابعتهم، وأمام البار وقف الرجلان وجلس سويجت على الرصيف خوفاً من السيارات المارقة بين الحين والآخر كالسهم، أزدادت شكوك السري بالرجلين وأصر على الوقوف على بقية أفراد القيادة العليا، وأخذ يدعو الله في سره أن تكون القيادة موفورة العدد! لها مهابة، ووقع كبير على مدير الأمن، وأن يهرع إليه مدير الأمن حالما يسلمهم المجرمين، ويضع قبلة على جبينه!. واستقل تاكسيا وراء التاكسي الذي نقل طرائده، وطلب من السائق أن يتابع السيارة التي تسير أمامه، واستمرت المطاردة في شارع الوطني، ثم أنحرفت صوب الغرب، ثم اتجهت شمالاً صوب سوق حنا الشيخ(24)، وبدأت تتجه من جديد بمحاذاة شط العشار صوب الغرب، باتجاه البصرة القديمة، وأخيراً انتهت أمام مبغى كبير أجازته الحكومة، ونزل الرجال الثلاثة ودلفوا إلى المبغى وتبعهم السري إلى الداخل وهو يتعوذ من الشيطان الرجيم ويقول في ذاته: ربي لا تؤاخذني بما يفعله هؤلاء السفهاء، إنك تعرف أني أقوم بعملي وما دخلت هذا المكان إلا في سبيل طلب الرزق والإمساك بالشيوعيين المارقين!.
في الباحة الواسعة التي دخل الرجال الثلاثة إليها وجدوا المكان يزدحم بالرجال والنساء، وأُصيبوا بالدهشة لكثرة النساء وجمالهن العاري!، وقصات شعورهن الجميلة والعطور المنثالة من ثيابهن وحركة أيديهن الرشيقة وهن يضعن سجائرهن بين شفاههن وينفثن الدخان الأزرق على دفعات متتابعة، نساء بمختلف الأعمار، الصغيرات بتنانيرهن السود القصيرة فوق الركبة، وصدورهن العارية وعيونهن الكحيلة، ونساء في أواسط العمر بأرداف ممتلئة وأسنان غُلفت بصفائح الذهب، النحيلات والممتلئات، بشعور سوداء وشقراء، وجوه بيضاء وأخرى سمراء، والأكبر سناً وأقل جاذبية يجلسن بأوضاع مغرية وقد أظهرن أفخاذهن السمينة وصدورهن البيضاء، الممتلئة مشرعة صوب نور النيونات، وتتعالى ضحكاتهن الماجنة بين الحين والآخر، كان هناك عدد من البحارة الأجانب، بشعورهم الشقراء ووجوههم الصهباء بأذرع مكشوفة، مملوءة برسوم موشومة زرقاء لأسماك وأسود وكلمات أجنبية، كان الرجال يختارون بغيتهم من النساء ويسحبونهن من معاصمهن صوب غرف داخلية قديمة، مظلمة، بأبواب خشبية مواربة، فتعلو ضحكاتهن الماجنة في أرجاء المكان!. جلس السري والقلق يبدو عليه خوفاً من ضياع طرائده علىمصطبة للانتظار على حافة الباحة، وعلق شيخ المعدان والفرح ينبسط على قسمات وجهه: نحن في الجنة يا جويسم! نعم إنها الجنة!. وأشار لسويجت بكرم: اختر واحدة، أية واحدة من هذه المدامات(25) وخذها!. وأخذ الأسود يتلمظ كقط وقع علىقطعة لحم كبيرة، واختار سويجت امرأة بيضاء ضخمة الردفين وتعلك لباناً في فمها المرصوف بأسنان ذهبية(26)، وقبضت أصابعه السوداء المرتجفة على معصمها الأملس، الأبيض، وأشار إليه جاسم أن يقودها إلى إحدى الغرف الداخلية، لكن الغرف كانت مملوءة بالزبائن وليس هناك غرفة فارغة، فبقي واقفاً مع قحبته التي تنفخ علكها على شكل بالون، فينفجر بعد لحظات ويخلف شظاياه فوق شفتها العليا كشارب صغير، فتجمع العلكة من جديد بلسانها وتدوره في فمها لتنفخه من جديد! كانا واقفين في باب إحدى الغرف بأنتظار أن تفرغ وعيناه على عجيزتها المنتفخة، وأخذت امرأة سمراء تتحرش بالسري، الذي كان يستغفر الله بصوت واطئ مما يرى، وأخدتْ تلك السمراء يده قسراً ووضعتها بين فخذيها العاريين، فسحب السري كفه كالملسوع، فقالت له المومس وهي تنظر إليه غاضبة: من قال لك إننا نبيع في هذا المكان طماطة ؟. فقال السري بغباء: إني لا أبحث عن الطماطة!. فقالت: إذن اترك يدك لي ولا تتمتم كالمعتوه!. فأعطاها يده وصمت خوفاً من افتضاح أمره، وهو قد سمع من زملائه في السلك عن حالة مشابهة لحالته، حين أكتشفت المومسات شرطياً سرياً بين الزبائن، فمات في المنزول ضرباً بقباقيبهن الخشبية، التي أخذت تنزل على رأسه بلا رحمة، حتى الرجال من الزبائن تعاونوا معهن بضربة على كليتيه بالأحذية، وحين عرفوا أنهم قتلوه، تركوه وحده في المبغى وهرب الجميع! حتى القحاب غادرن إلى دور أخرى، وضاع دم المسكين، حتى عائلته لم تحصل حتى هذا اليوم على راتب تقاعدي بسبب دخول المرحوم المبغى دون أمر صريح من رئيسه المباشر، وأعمامه تبرأوا منه لأنه مات في مكان مشبوه! حتى صارت ميتة ذلك السري المسكين مثلا يُضرب به بين السريين للتحذير من الدخول في مشاكل ومشادات مع القحاب! فأخذ السري يطلب من الله الستر والعافية وآثر الصمت والتحمل لنيل السلامة!.
أخذ جاسم يبحث عن واحدة تليق بذوقه، أذهلته شقراء بعينين خضراوين، لكنه سرعان ما شعر بقلبه ينقذف من جوفه إلى فمه، وصرخ مذهولا: بلقيس.. أبنة الإيرانية ؟!، وسمعته يصرخ بأسمها، فانتبهت إليه، رددت مذهولة بهذه المصادفة: جويسم العطية ؟!، وهرع إليها وأمسك بمعصمها، وذابت المسكينة خوفاً وخجلاً، كانت كل واحدة من قريتهم تُعد أبنة عم لرجال القرية، وها هو أخيراً يجد أبنة عمه بلقيس، التي اختفت من القرية منذ سنوات كثيرة، وأخبرهم أبوها إنها ذهبت إلى إيران عند أمها، شعر بقدميه لا تحملانه، لم ينتبه شيخ المعدان إليه وهو يهرع للإمساك بمعصم أبنة عمه، فقد كان مشغولاً بشابة بيضاء مكتنزة الساقين، وأسفل حنكها شامة كبيرة يحبها في وجوه النساء، وتتحدث بلهجة بغدادية(27)، ووجد له مكاناً ليجلس قربها على المصطبة الطويلة، وامتلأ أنفها برائحة هي خليط من رائحة الزريبة والخمرة الرخيصة ورائحة المطال، ووضعت أصبعين حول فتحتي أنفها وقالت بدلال:
منذ كم سنة وأنت لم تستحم ؟.
قال مبتسماً: منذ شهر يا نور العين!.
قالها بلكنته الشعبية وهو يقول ذلك لأية امرأة أخرى من زوجاته الثلاث أو طليقاته اللاتي يشتاق للنوم معهن من جديد بدعوى أن لا زنى يقع بالنوم معهن مادامت كل واحدة منهن لم ترتبط بزواج جديد! والطلاق ليس إلا ورقة يمكن دحضها بورقة أخرى من الملا(28) بعد التمتع بساعة من الأنس على فراش وثير، ويمكن تأجيل تلك الورقة ليوم أو يومين، فما قيمة الزمن في هذا العراء، وماذا يحدث لو تأخرت تلك الورقة، مادام أنه أقسم لها إنها زوجته أمام الله والناس؟!. ضحكت المومس وقالت:
ستدفع نصف دينار وليس الربع دينار، الذي يدفعه الآخرون!.
وضع يده على صدره كأنما يقسم لها:
سأدفع لك ديناراً كاملاً يا نورالعين!.
علت ضحكتها المسترسلة من جديد فشعر شيخ المعدان بروحه تذوب وتتبخر في الباحة، المكتظة، ووضعت المرأة فخذها المكتنز على ساقه النحيلة، وأخذت تحركها ببطء لتزيد من جنونه ولهفته عليها!.
جلس جاسم قريباً من بلقيس، التي همست له:
دخيلتك يا جويسم العطية لا تفضحني!.
ماذا صنعت بحياتك يا أبنة العم ؟!.
لم تصبر على لومه لها فطفقت تبكي، وتمسح دموعها بكم ثوبها، وأنتبهت القوادة العجوز، التي تجلس خلف منضدة صغيرة قديمة وأمامها الصحن الذي تجمع فيه مال الدخول، فتركت المنضدة وقالت لجاسم العطية بوجه مكفهر:
ماذا فعل أبن… هذا وأبكاك ؟.
نظرت إليها بلقيس بوجه جميل وعينين دامعتين وهمست:
أتركيه إنه من قريتي…
وحين عرفت القوادة ذلك لطمت صدرها بكفها:
يا مصيبتك يا مسكينة!، أي حظ سيء جاء به إليك؟.
أفردت بلقيس يديها أمام القوادة:
لن يخبر أحداً، لقد أقسم على ذلك!.
شعر جاسم بالإحباط، وجلس قريباً من بلقيس بروح محطمة، وتساءل بصمت حزين: هل يصمت حقاً ؟، ويترك أبنة عمه في عارها، تلوث سمعة الأهل بما تفعل ؟، لو كان الشيوعيون في السلطة لما تعرضت بلقيس لهذا المصير الشائن!.
وراح يردد علىمسامعها أستنكاره لوضعها:
لماذا يا بلقيس ؟ لماذا ؟.
تمتمت وهي تمسح دموعها: كنت صغيرة يا جويسم وتبعت السائحين، ثم بعد أيام، فاجأوني بعزمهم على الذهاب إلى بلادهم وطلبوا مني أن أصحبهم، لكنني رفضت ذلك، أعطوني المال وذهبوا، ووجدت نفسي بعد أن نفد المال على الرصيف، ولا أستطيع الرجوع إلى أبي أو إلى أي مكان آخر، في حقيقة الأمر إني مذنبة، نعم مذنبة! لقد جئت إلى هذا المكان برغبتي، وصحبت الأجانب برغبتي، لم يفرض علي أحد ما يريد، بل أنا التي فعلتُ كل ما أريد أن أفعل، هذه حكايتي كلها! وحالما تصل إلى أسماع أبي، أعرف أنه سيكون مضطراً لغسل عاره بذبحي! وأنت ستكون سبباً في قتلي، صدقني يا جويسم لا أحب الحياة بعد الذي حدث، لكن من أجل أبي المسكين لا أريده أن يقضي بقية عمره في السجن!.
صمت جاسم ولم يعدها بشيء، كانت الخمرة قد تبخرت من رأسه، ثم سحبته من كفه ناهضة، فوقف هو أيضاً كسيراً وغمزت للقوادة المتوترة، فتحركت قبلهما وأفرغت غرفة من الغرف، وأدخلتهما إليها، قابلتهما نساء يخرجن من غرف أخرى عاريات، وأخريات يقفن أمام الأبواب المشرعة تحت المصابيح المتدلية من السقوف بصدور مشرعة والرجال يخرجون مسرعين وبأيديهم أردية داخلية متسخة طويلة وقصيرة يلبسونها على عجل وهم يمشون، وولج المكان حشد آخر من الرجال السكارى، وتعالى السباب من القوادة وأغلقت باب الغرفة عليهما، وجاءت ضحكات مدوية من وراء الأبواب وازدحمت الممرات بالرجال المنتظرين لدورهم في طلب المتعة.
في تلك الغرفة الفقيرة الأثاث، وفوق ذلك الفراش الأسمر الذي أنتشرت عليه البقع والخرائط وفاحت نتانته. أذاقت بلقيس أبن عمها لذائذ جسدها، التي بذلتها إلى زبائنها بنفس غير راضية مصحوبة بعبارات نابية تعلمتها من زميلاتها، شعر جاسم لحظتها أنه يمارس جنساً محرماً، لكن في دواخله المتوترة، المتمردة على الأعراف والنواميس العشائرية، شعر أن بلقيس بالرغم من عهرها ومعرفته بذلك فقد أمتزجت روحها بروحه، ولن ينسى تلك التأوهات الحقيقية التي كانت تطلقها كمنصهر الرصاص وهو يجمد فجأة في الماء البارد وجسداهما يلتحمان في حزمة واحدة، خلية فوق خلية، كحزمة الثوم المتراصة، مملوءة بالإرهاصات والأشواق والدموع، أينسى تلك الدموع التي كانت تنثرها عيناها الخضراوان وهي تلهج بما يشبه البكاء: اِبن عمي.. حبيبي.. عريسي.. أنت أهلي، وحياتي!. كانت كل ذرة فيهما تتوتر وتُشنق على أعواد الحب، وما أن تنهد التنهيدة الأخيرة وإنهار فوقها، وأراح رأسه بين نهديها، شعر أنه لن يفارقها ولن يشي بمكان وجودها لأحد أبداً..! حتى لو علقوه من عقبيه في غصن شجرة أرطا أو غضاة، أو اقتلعوا أظافره، ظفراً، ظفراً.. هي أنثاه منذ هذه الليلة، ولن يتخلى عنها أبداً. إلى الجحيم بالجميع، هؤلاء الجبناء، الذين هم من الشيوعيين الأقحاح وينكرون ذلك حتى مع أنفسهم! خوفاً من الحكومة وشرطتها السرية! وضعت رأسها على صدره وهمست وقد بدا اليقين في عينيها من ولائه لها: لن تشي بمكاني لأحد ؟!.
ومد يده لتمس بشرتها الناعمة:
لن أفعل ذلك!…
سأنتظرك كل يوم، وإذا لم تأت سأفعل المستحيل لألتقي بك!. ثم أكملت وهي تحدق في عينيه في ضوء المصباح المشنوق بخيط الكهرباء وسط الغرفة النتنة:
إذا احتجت للمال أو أية مساعدة أخرى فقط أخبرهم إنك تريد ليلى! أسمي هنا ليلى، سيدخلونك عليَّ حتى إذا كانت أبوابنا مقفلة، لأي سبب!.

ــــــــــــــــــــــــ
1- منطقة تقع وسط العاصمة بغداد.
2- أكلة تتكون من اللحم المفروم الذي تم شيه على النار.
3- دار البغاء.
4- مرض الكوليرا.
5- القنبلة.
6- المفرد هاون، وهو ما يستخدم لسحق حبوب القهوة الناضجة.
7- حُملت رأس الحسين(ع) ورؤوس أصحابه المقتولين إلى دمشق عليهم السلام جميعاَ.
8- أشجار وارفة الظلال تنبت في الصحراء قريبا من الآبار العيون.
9- مدونات تاريخية ومخطوطات غير مطبوعة.
10- اليوم الأربعون بعد يوم مقتل الحسين وأصحابه عليهم السلام.
11- تشبه الجبة، ويستخدمها أهل الهور والريف في العراق.
12- فترة زمنية تشبه الهدنة بين جيشين متقاتلين.
13- يتكون من التقاء نهري دجلة والفرات ويصب في الخليج العربي.
14- للشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي، قصيدة القرية الملعونة.
15- نفس القصيدة أعلاه.
16- عبارة يستخدمها العراقيون لإظهار دهشتهم وتعجبهم.
17- من وسائل التعذيب العادية في دوائر الأمن العراقية منذ عام 1969 وحتى الوقت الحاضر.
18- عقوبة شتم رئيس الجمهورية الإعدام في العراق.
19- القصيدة السابقة.
20- دار البغاء في البصرة القديمة.
21- نوع من أنواع أشجار النخيل.
22- الصابئة طائفة دينية تسكن في جنوب العراق.
23- سبعة نجوم متقاربة تظهر في السماء ويسميها أهل الجنوب بهذا الاسم.
24- شوارع ومحلات تجارية في البصرة جنوب العراق.
25- السيدات.
26- تستخدم العاهرات في ذلك الوقت تغليف أسنانهن بصفائح الذهب لتمييزهن عن النساء الشريفات.
27- لهجة أهل الجنوب تختلف عن لهجات أهل الوسط والشمال من العراق، ويتم التفاهم بها بصعوبة.
28- الملا هو الرجل المتعلم تعليماً أولياً وحافظاً للقرآن، ويقوم في قرى جنوب العراق بعقد الزيجات الجديدة وتسجيل أوراق الطلاق.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر