عراقيون أجناب…الجزء الرابع
كتبهافيصل عبد الحسن ، في 17 تموز 2009 الساعة: 19:46 م
عراقيون أجناب: الجزء الرابع
- 19 -
مع كل انتصار معنوي يحققه جاسم العطية بين المعدان يردد بينه وبين نفسه: الوعي سيد الواقع، نعم الوعي هو السيد!. ثم يتساءل بكبرياء: من أذكى وأشد خبرة ومراسا من الشيوعيين؟. ثم يجيب علىنفسه: لا أحد، لا أحد!. وفي أحد الأيام ذهب جاسم إلى المدينة صحبة اثنين من عبيد الشيخ لبيع ثلاث جاموسات أراد شيخ المعدان بيعهن، وبعد البيع اشترى جاسم بجزء من ثمن الجاموسات كارتوناً من خمرة المسَيحْ، وفي ذلك المضيف الذي يعبق بدخان المطال الحريفة وأدخنة زجاجات النفط، ورائحة الخمرة القوية مختلطة بأصوات نباح كلاب قرية الدبن، ونشيش البعوض، وأزيز أجنحة الخرفسان الأسود الطائر، ونقيق الضفادع وزحفها البطيء بعد المضاجعة، ومواء القطط وعراكها مع كلاب الجباشات المستوفزة من أشباح السكارى المتمايلين ولغطهم، وهسهسة قصب البردي والجولان وتشظي المياه، وأسطوانات مسعود العمارتلي(1) التي كانت تجيء أنغامها صادحة من الراديو القديم الذي اشتراه جاسم العطية ونصبه في مضيف(2) الشيخ مع كارتونة الخمر وبطارية كبيرة الحجم تحوي عددا كبيرا من البطاريات الصغيرة المربوطة، وكان المعدان قبل هذه الليلة العظيمة لا يعرفون الخمرة وأثرها المدوخ، وكانوا يخافون المذياع الذي كانوا يرونه في مقاهي المدينة ولا يعرفون كيف يتكلم، وكانوا يتساءلون في سرهم إن كان يحتوي على رجال أقزام ونساء ولديهم كل هذه الإمكانيات الخارقة في الكلام والغناء والعزف بالناي والدق على الطبول، وحده جاسم العطية كان مسؤولا عن إدخال الخمرة والمذياع إلى قرية الدبن المعزولة عن العالم. وكان يتساءل بيأس هل يفيد كل هذا لنقلهم إلى مؤامرات عالمه السياسي وتناحراته؟، أيكفي ذلك لنقل صرخات المظلومين من العمال والفلاحين في المدينة إلى ضمير سكان الأهوار؟. وكان يمسد شاربه المفروق من الوسط، محاولا أن يجد إجابات سريعة لأسئلة كثيرة تدور في رأسه. وفي تلك الليلة المقمرة التي لا تُنسى سكر شيخ المعدان ومعه كل رؤساء الأفخاذ(3) وكبار السن، ولم يمتنع عن الشرب إلا واحد من شيوخ الأفخاذ اشتبه أن يكون هذا المقوي هو من صنع الإنجليز، وهو يحرم كل شيء جاء من بلاد النصارى!. وكان جاسم قد أفهم الشيخ ورؤساء الأفخاذ أن السائل المر الذي يشربونه هو أحد أنواع المقويات القوية التي تنظف البطن من الطحالب والأشنات(4)، وأنها من صنع الطبقة العاملة العراقية مائة في المائة، ولا دخل لنصارى الإنجليز فيما يرون من عجائب السائل السحري. وسكر الجميع في ذلك المضيف. وحين تعالت أصوات الخمرة في الرؤوس واحمرت العيون وغلى الدم في العروق، أخذوا يرقصون ويغنون ويفرقعون بأصابعهم ويهزون أكتافهم ويميلون برقابهم، ويرفعون أيديهم إلى السماء يدعون الله بطول العمر للشيخ وجاسم العطية لأنهما أفرجا عن همومهم!، وكانوا أثناء ذلك يأكلون بأيديهم المتشققة السوداء من أوعية المزة التي تحوي خليطا من أوراق الخس واللبن الرائب، وأخذ قسم آخر يبكون ويسفحون الدموع متذكرين آباءهم وإخوانهم المتوفين، وانسل من المضيف بضعة رجال وهم يتمايلون متجهين إلى حافة الهور، وفي الظلام أفردوا سيقانهم وانحنوا صوب صفحة الماء ليتقيأوا ما شربوه من سائل مر لم تحتمل سخونته وحرافته أجوافهم، وأخذوا يمسحون أفواههم بأطراف شماغاتهم، وأخذت تنطلق من ذلك السطر البشري الممتد على حافة الهور إضافة إلى سيل القيء، الضحكات العالية والسباب البذيء والسعال المتقطع، الجاف، ويغمسون بعد ذلك أيديهم في ماء الهور ليطهروا وجوههم، عائدين مترنحين إلى المضيف ليشاركوا من جديد في الشرب بطاسات الماء المعدنية المعوجة التي امتلأت بالسائل السحري الذي يشبه الحليب، وراحوا في مراهنات عقيمة وعقلهم السوداء، ساقطة حول رقابهم، متسائلين عمن يستطيع عبور الهور سباحة والوصول إلى الإشان(5) في هذا الليل المقمر، وراح جاسم العطية يثنيهم عن تلك المراهنات الخطيرة، وكان أكثرهم صحوا، فقد اعتاد هذا النوع من الخمرة كلما ذهب إلى المدينة، وأصر شيخ المعدان على عبور الهور سباحة، معتمدا على ذاكرته أنه قبل عشرين عاما حين كان مراهقا استطاع عبور الهور سباحة ووصل إلى الإشان في ذلك الحماد المرتفع، وقد ذكرهم بذلك وهو يتمايل يمنة ويسرة، ويتجشأ، وعارضه أحد رؤساء الأفخاذ وكان ابن عم له ويطمح أن يصبح شيخا للمعدان بعده، وقد فعلت الخمرة فعلها في رؤوسهم وجعلت فيهم حيوية أكثر من المعتاد، وخرجوا من المضيف وهم يتصايحون ويضحكون ويطلقون السباب البذيء، وحاول جاسم العطية ما وسعه من أن يصلح ذات البين بينهم ويثنيهم عن عزمهم المجنون، ولكن بلا فائدة، وخلعوا ثيابهم وبقوا في ذلك الظلام كما خلقهم الله عراة، ولم يكن أحد منهم في ذلك الوقت يعرف ما هي الملابس الداخلية التي تغطي العورة، ولم يخلع جاسم العطية ملابسه، تركهم يفعلون ذلك ولسان حاله يقول: إن هؤلاء المعدان ولدوا في الماء وشاركوا الأسماك والضفادع معيشتها منذ كانوا رضعا، أما هو ابن القرية وهو في هذه الحالة من السكر سيغرق في شبر من الماء لا في هذا الهور العميق!. وفعل جاسم فعلا ذكيا حين ركب مشحوفه وصحب المارثون الليلي الغريب، وحالما نزل الرجال إلى ماء الهور خرجت نساء الشيخ وبناته إلى فسحة الجباشة وبأيديهن الفوانيس لمعرفة ما يجري، ويبدو أن الماء البارد الذي نزل فيه الرجال قد أطار الخمرة من بعض رؤوس كبار السن فارتدوا راجعين إلى جباشة الشيخ مغطين عوراتهم بقبضاتهم، متسترين بظلام المضيف المعتمة وهم يلعنون الشيطان الذي لعب بعقولهم وأنزلهم إلى الماء البارد في هذا الوقت من السنة، ولكن الرجال الباقين وضمنهم شيخ المعدان ابتعدوا يسبحون تحت نور القمر باتجاه الإشان البعيد، وكان قرص القمر الذي يسبح على صفحة الماء الراكدة غارقا في القعر منعكسا من جديد ليتبدد نورا مضاعفا، وكان كلما مضى الوقت في السباحة غط أحد السابحين إعياءً تحت الماء ثم ظهر من جديد ليعود سابحا باتجاه الجباشة التي انطلق منها نادما على ما فعل، وموشكا على الموت غرقا، وكانت البقية الباقية من الخمرة في رؤوس الرجال تجعلهم يسبحون بشكل دائري وهم يبتعدون عن الإشان ولا يصلون إلى شيء غير الطرطشة في الماء والدوران في دروب البردي المتشابكة، وكان من حظ بعض السابحين أنهم كانوا يسبحون في مناطق ضحلة وغير عميقة، ويقفون على أرض القعر بأجسادهم العارية التي يلصف عليها نور القمر، ويستردون أنفاسهم المتقطعة أو يتقيئون ما شربوه من ماء الهور الممزوج بما في بطونهم، بأصوات عالية، كأنما سيلفظون أنفاسهم الأخيرة مع آخر دورة قيء، وأجسادهم السمراء ترتجف من البرد، وكاد شيخ المعدان أن يغرق لولا قرب مشحوف جاسم العطية منه، الذي مد يده وسحبه باتجاهه وجعله يتمسك بالمشحوف وعلى حيزومه تقيأ بحرقة، ليستعيد صفاء تفكيره وحكمته، ويطلب من جاسم أن يساعده ليصعد المشحوف، ويطلب من باقي رجاله العودة، فالموت أهون عليهم من عذابات السباحة في هذا الماء البارد بأجسادهم الهزيلة وقد كبروا في السن، ولم يعد هذا اللون ما يجيدون! فصرخ جاسم العطية بالرجال أن يرجعوا إلى جباشة الشيخ، وعادوا بالتتابع كالجنود المهزومين بأجساد مرتجفة، وسط ولولة النساء وتحضيرهن إزارات(6) الصوف ليضعها الرجال على أجسامهم المبتلة، وأخذ الرجال الذين وصلوا أولا يبحثون عن إخوتهم وأبناء عمهم وينادونهم للمجيء إلى الجباشة، وكان شيخ المعدان قد وضع على رأسه المبتل إزارا صوفيا وبيده لفافة تبغ ابتل نصفها، وأسنانه تصطك من البرد، وإلى جانبه جاسم العطية في ذلك المشحوف المرمم، يقودان عملية البحث عن الذين تاهوا من المعدان بين صفوف القصب في تلك الليلة الضاجة بالحماقات.
- 20 -
في ذلك اليوم المغبر تسفح الدموع من عيون أهل القرية. وحين يجف الدمع ولا تبقى في صدورهم شهقة إضافية، يتقدم الرجال المكفنون بالقماش الأبيض، برؤوس حليقة خدرها الضرب بأغصان شجر التوت عدة ساعات قبل القدوم، وبوجوه غطاها الوحل، والدماء تصب من رؤوسهم وقد ضربوها الضربة الأولى بالقامات التي كانت أعرض من السيوف وأكثر وزناً، ويسير إلى جوار كل ضارب قامة مساعد يحمل في يده خشبة عريضة تصد القامة عن الوصول إلى هدفها، وهدف ضارب القامة فلق الرأس إلى نصفين، وبالذات عند اشتداد حمى الانفعال، ويصرخ الرجال: ياحسين، ياشهيد، ياحسين!، بأصوات تقطع عند سامعها كل أمل بالنجاة من عقاب الله الأبدي. في تلك اللحظة المؤثرة ينزع جنود ابن زياد ثيابهم الحمراء للتكفير عن خطاياهم في محاربة الإمام، ويشتركون مع ضاربي القامة وضاربي الزنجيل(7)، ويأتون من جهة أخرى برؤوس حليقة موحلة وثياب ممزقة، دلالة على عدم اشتراكهم في جريمة القتل، فقد كانوا بعيدين عن أرض المعركة، وكانوا بقلوبهم وسيوفهم البعيدة مع الحسين(ع)، وأخيرا وردهم نبأ المقاتل فجاءوا نادمين لانشغالهم بأمور دنياهم عن دينهم، ذنبهم كان صغيرا، فعقابهم سيكون من جنس عملهم، سيجلد ظهورهم الزنجيل ويخمشها ويدميها ويصبح الزنجيل بديلا للكرباج الذي سيسوطهم به الحاكم الظالم على مر التاريخ، ستلتهب جروح ظهورهم لتتكيف بعد ذلك لمعانقة ضفيرة كرباج السلطان، دون إطلاق صرخة ألم أو عبارة احتجاج في عبودية تامة تتقبل الألم والخضوع والكف عن الولولة والشكوى والبحث عن المنقذ. فالمنقد أخذته رمال كربلاء إلى جوفها ودفنت الجسد المنزوع الرأس ووارته عن الأنظار والرؤوس حُملت على أسنة الرماح لتتوسط مجلس يزيد بن معاوية الضاج بضحكات الجواري واللوطيين والقرود المدربة وأرباب الحكم من بني أمية، حملت تلك الرماح الرؤوس الطاهرة لتزيد من جروح المحبين، ساخرة من هيبة الجبال المنتصبة بغباء!، والشمس التي تشرق كل يوم ككرة بلهاء!، هازئة بالمجرات الآخذة بالتوسع والتمدد!. ويضيع صوت الراوية، فلا أحد يصغي لصوته الجهوري وقد أخذتهم رؤية الدماء الحقيقية الشاخبة من الرؤوس وقطع الخشب التي يمسكها المساعدون ويتمزق نثار خشبها المديوف بقطرات الدم المتناثرة، وصرخات الرجال، وهم يضربون ضرباتهم الناجحة، الفالتة من مصدات الخشب، الضاربة في الهامة، والتي ترضخ عظام الجمجمة فيتهاوى الرجال بوجوه ذابلة وعيون منتصرة، فقد نجحوا في بلوغ المرام، وعانقت أجسادهم الرمال مع الشهداء!. لا فرق بينهم وبين الحر بن زياد الرياحي أو علي الأكبر(8) أو العباس بن علي عليهم السلام. أخيرا كفروا عن ذنوب الأجداد ومسحوا بدمائهم ما اقترفه أولئك الذين سكنوا الكوفة وخدعوا الحسين برسائلهم ووعودهم الزائفة. لن يوقف موتهم أحد، فقد اصطحبهم الحسين(ع) معه في موكب الناجين! ولم يشملهم أسر ابن زياد(9)، لقد تمردوا على حباله وسيوف فرسانه وذهبه وفضته وصولجان حكمه، وانسلوا بين الأقدام ساقطين يعانقون الرمال، أهي نفسها تلك الرمال الرطبة التي مضغها الحسين(ع) باحثا في رطوبتها عما يقلل من تخشب لسانه؟، أيا تكون هذه الرمال حملتها الريح من صحراء كربلاء أو نجد، أو جاءت بها من مصر التي دُفن في أرضها رأس الحسين(ع) وجعلته مزاراً، فالحياة واحدة والموت واحد والاختيار واحد لا يتغير، ولا حياة في الحياة لغير المعنى!. يختفي الراوي بين المزدحمين لا يراه أحد، هل اختلط بضاربي القامة؟، هل أصبح واحداً من ضاربي الزنجيل؟، هل اختفى في غمامة الأتربة وسف الرمال؟، هل تحول إلى أسير يسوقه الجنود إلى ابن زياد؟، لا أحد يعرف!!.
يُحمل الموتى من ضاربي القامات ليُصلى عليهم في الحسينية، وبعد ذلك يدفنون بدمائهم، فدم الشهيد هو طهارته وثوبه كفنه. وفي ذلك الموج البشري الذي أُصيب بجنون التكفير والندم يسحق الأطفال بالأقدام، وتختنق العجائز والشيوخ بفعل الغبار والازدحام، ولا يتعرف الأب ابنه، أو الرجل امرأته، أو الصاحب صاحبه!.
ذلك القس الذي استأجر رأس الحسين(ع) المحمول على سن الرمح لليلة واحدة، استأجره من الحرس الغلاظ وهم في طريقهم إلى دمشق، ليحصلوا على جائزة القتل من خليفة المسلمين يزيد!، أعطى الجنود عشرين ديناراً ذهبياً بيزنطياً، وكان هذا كل ما استطاع جمعه في حياته الطويلة، قالوا له: ماذا تفعل برأس مقطوع؟. قال لهم محاولا إخفاء نياته: أنظره وأرى كيف تقطعون الرؤوس!.
ضحكوا من بلاهته وسخروا، ولكن ما أعطاه لهم من ذهب في تلك الليلة أعمى عيونهم عن معرفة أهدافه الحقيقية. كان يعرف أن هذا الرأس يعادل مجرات الكون وجبال العالم وسهوله!. وتذكر في تلك اللحظة جسد المسيح(ع) الذي صُلب، وكان قبل ذلك يتساءل في وحدته ألم يكن لأحد من سكان فلسطين ذرة عقل، ليُنزل الجسد بعد إنصراف الجلادين، ليأخذ الجسد ليستبقيه ليلة في بيته، ويرى في جسده آثار تثقيب المسامير وصرخات الألم المحتبسة في الفم الكريم؟. أخذ الرأس من الجنود(هل انتزعوه من سن الرمح؟، أم أعطوه الرأس معلقا بالرمح؟، لا تقول الروايات شيئا عن ذلك صراحة، ولكن استرسال الأحداث يثبت أنه أخذ الراس بعد انتزاعه من الرمح). غسله بماء الورد وجعل البخور حوله، رأى عتمة الموت تفارق ذلك الثغر الذي قبله الرسول الكريم(ص)، وكانت طاقة من النور تحيطه، وتلك الندبة المضيئة في الجبهة، لماذا هي أكثر نوراً من كل جهات الوجه؟، وذلك السرور الخفي الذي تخفيه قسمات الوجه؟، وتلك الشرايين المندلقة من تجويف الرقبة التي ما زالت تنضح دماً عبيطاً(جروح الشهداء لا تتوقف عن نضح الدم حتى بعد ألف عام)، وتساءل القس: أين ذهب تصلب القسمات عند مفارقة الحياة؟، هل رأت العينان في لحظة الموت ما أذهب عنها محبة الحياة؟، ماذا رأت؟، وهذا الأنف الأشم الذي سيضربه بعد أيام ابن معاوية(10) بالسوط حين يُقدم له الرأس بطست الذهب، تلك الغيبوبة هل جاءت من غربة المنفى أو فداحة القتل؟، أتبقى الخصلات من شعر الحسين(ع) تُقطع بمدية يفعلها القس بكف مرتجفة مضيئة، وامضة؟، كأنما هي قطعة اختزنت الأضواء وبقيت ترعف ذلك الضوء على مر الأزمان وحتى يوم القيامة!.(أخرج القس جلد غزال ودواة وريشة وأخذ يرسم وجه الحسين(ع) كما بدا له في نور الهالة القدسية، فوق المنضدة الخشبية التي وضع عليها الرأس الذي كان في ضيافته ليلة كاملة، كان رساما ماهرا(11)، واحتفظت أجيال كثيرة بصورة ذلك الرأس المقطوع، تنضح من عروق رقبته الدماء فوق قطعة قماش بيضاء، مربعة على تلك المنصة الخشبية. وبعد ذلك بألف وتسعمائة عام طُبعت من الصورة ملايين النسخ بالأسود والأبيض، وأضافت الظلال السوداء للألم الذي تشي به الصورة بعداً مأساوياً سيبقى في ذاكرة كل من وقعت عيناه على تلك النسخة من الصورة!. لم تكن صورة لرأس رجل مذبوح، بل كانت صورة العالم وقد ذُبح من الوريد إلى الوريد بلا شفقة أو رحمة!. لقد حملت تلك الصورة التي ظهرت على الملأ مناخاً متوحشاً شبيهاً بالقتل المتكرر، القتل ثم البعث، والقتل من جديد والبعث لملايين المرات!. القس رسم الصورة عندما يكون الناظر إليها وجها لوجه، ورسمها كذلك من جهة اليمين، وأعاد رسمها من جهة الشمال فوق ذلك الجلد القديم، بريشته المرتجفة ونقيع الأخشاب المحروقة، هل تساقطت الدموع من عينيه وهو يرسم تلك اللوحة -الشهادة- بكل ما حملته من دلالات؟. الإجابة واضحة من ارتعاش الخطوط وانثناء الورق الذي سقطت عليه الدموع بحامضها النووي الذي أتلف نسيجه الجلدي وأظهر تفاعلاً لونياً على الجلد تستطيع أن تلاحظه العيون، من جهة الشمال واليمين أظهرت جرح الخنجر الذي أخطأ الذبح في البداية، فقد كانت يد الشمر مرتجفة، ونفسه تواقة لإنهاء هذا الأمر الكريه والفوز بالجائزة، والجائزة كانت كبيرة، إنها مُلك الري(12)!. ولا يكلفه ذلك سوى هذا الجهد الضئيل ببتر الرأس عن هذا الجسد المتألم، المثخن بالجروح. ربما في لحظة غواية شعر أنه يفعل فعلاً حميداً بتخليصه من آلام جروحه، والإجهاز عليه ذبحاً هو الحل، لقد وضع لفعله القبيح تلك التبريرات التي يصنعها الإنسان في كل عصر تتصارع فيه الطموحات الشريرة والأهواء مع القيم والأخلاق والمبادئ، وهي في حقيقة الأمر تبريرات خرقاء، لا ترى الحقائق البسيطة إلا بعين الطمع لتحقيق الغايات، وتبتعد عن الصواب بقدر الاستطاعة، ويأخذها الخيال الشيطاني بعيداً لتبييض الأسود وتسويد الأبيض!. وقد جاءت ضربة الخنجر الأولى في جانب وجه الحسين(ع) وهي التهيئة الضرورية التي تتيحها له جرأته لقيامه بحركته الأخيرة بفصل الرأس تماما عن الجسد الشريف في أتم صورة مطلوبة في ذلك العصر!.
ذلك القس كان معروفا، والذي لم يكتف بذلك الرسم التخطيطي للرأس المقطوع وذلك الاستبقاء ليلة واحدة، ذرف خلالها الدموع وأقام الصلوات على روح الشهيد، بل إنه خاطب الرأس، واستمع له وأجابه عن كثير من أسئلته، وتلذذ بسماع لذيذ نجواه، وعرف في تلك الليلة الكثير من الأسرار والنبؤات والحلول لمعضلات كانت تؤرقه منذ مقتبل شبابه وتؤرق العالم القديم بأكمله!. كان كل ذلك يقال من على منبر القرية بعد دفن الأجساد في اليوم الثالث عشر من محرم.
- 21 -
الحفيظ ذلك المكان المجهول في الهور الذي يحوي خزائن المهدي(ع)(13) الغائب، المنتظر من قبل الشيعة، الذي سيظهر في يوم من الأيام، وقد امتلأت الأرض جوراً وضجت بالظلم والرزايا. وتفرقت شيعة آل البيت في كل أرجاء الأرض بحثاً عن الأمان، وللاختفاء من أعداء أشداء ينوون الفتك بهم، وقد امتلك أهل الظلم ناصية الأمور، وجعل الظالمون دأبهم في البحث عن عترة الرسول وشيعة الإمام لذبحهم وإخفائهم عن ظهر الوجود، توطئة لإزالة الإسلام عن الأرض، فلا يزول الإسلام ولا ينكسر ظهره وتضعف إرادته وامتلاكه قلوب الناس ووجدانهم إلا بزوال عترة الرسول وشيعتهم. وحين يدلهم الخطر وتزداد الخطوب يظهر المهدي(ع) من غيبته التي امتدت إلى أكثر من ألف وثلاثمائة عام، منذ اختفى في ذلك السرداب في مدينة سر من رأى(14)، وجنود بني العباس يتعقبونه لذبحه، كما فعلوا مع أجداده وأهله، وأبوابه ومريديه، اختفى الإمام في ظلام السرداب ليعود من جديد مع تباشير عالم جديد، وبانتظار ذلك اليوم الذي سيحتاج في دعوته للمال لتجنيد الجيوش وشراء السلاح لإقامة دولة الإسلام الكبرى التي ستمتد شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، لتشمل العالم بأكمله، وسيظهر معه سيدنا المسيح(ع) ليكون ساعده الأيمن ووزيره الأول، والكثيرون ممن ماتوا منذ أقدم العصور ستعاد إليهم الحياة ليشاركوا في ثورة المهدي(ع) بإذن الله وقدرته، ستجيء الجيوش الجرارة من الشرق والغرب لمحاربته والقضاء على ثورته، لكن مشيئة الله الجبارة ستحول سلاحهم إلى حديد لا يضر ولا ينفع. وأثناء ذلك سيعود العالم إلى وسائله القديمة البدائية، وتتوقف في تلك الأيام مصادر الطاقة وتستكين الآلات، ولا تطير الطائرات أو تندفع الصواريخ،ولا تنطلق المدافع، يتحول كل شيء إلى حديد لا معنى له ولا فائدة منه! ويعود الناس مرة ثانية لاستعمال السيف والرمح والنشاب والترس وسراج الزيت القديم!. واستعداداً لهذا الحدث الكبير الذي سيهز العالم ويحوله إلى عالم لا حول له ولا قوة أمام قوة الإيمان، حيث تجيء كرات مضيئة من السماء تعلن عن الفرح الأكبر! وتكتب بأضوائها اللاهبة أسم الله والرسول الكريم وآل بيته والشهادتين وأسماء الله العظمى. وقبل تلك الأحداث الكبيرة، ومنذ زمن بعيد، يجمع أهل القرى القريبة ما يجود به أخيارهم من مال وذهب، وتُدفع إلى صناديق الحسينيات، ويُرسل بعد ذلك إلى صندوق الحسينية الرئيسية في قرية الجوابر، فيتم إحصاء ذلك المال، حيث يبعث بعد ذلك بيد أحد لاستبداله بالذهب والفضة، ويسجل كل ذلك في سجل الحوادث الخاص بقرية الجوابر، ويُرسل خمسه إلى النجف بيد مبعوث خاص لغرض دفعه إلى الحوزة العلمية للصرف على طلاب العلم وشراء الكتب لهم، وتبعث القرية عدداً من أولادها النابهين لتعلم القراءة والكتابة والتفقه بأمور الدين، ليعود من تعلم منهم بعد ذلك لمسك أمور الحسينيات الكثيرة المنتشرة في الجنوب، وتعليم الأولاد قراءة القرآن ورواية السيرة النبوية والوعظ أيام عاشوراء والتذكير بثورة الحسين(ع). أما المتبقى من الذهب وهو أربعة أخماس، فيحملها السيد مهنا لإيداعها في كنوز الحفيظ(15) التي لا يعرف مكانها سوى أمثاله من الحافظين من أطراف البلاد، وهو اللقب الذي يحمله أباً عن جد، ومكان الحفيظ وكيفية الوصول إليه يورث للأبناء كإرث ثقيل وواجب صعب ولا يستطيع أحد أن يمد يداً لذخائره حتى يحضر الغائب عليه السلام ويتصرف بأمواله. وهناك حكايات قديمة يتناقلها الحافظون أنه حين حاول أحد أجداد الحافظين أن يخون أمانته، وقد أغراه الشيطان لعنة الله عليه، فتحول نصفه إلى حجر والنصف الآخر إلى جسد حيوان، وبقي يقبض بحافريه الأماميتين على سبيكة من الذهب كان يبغي التصرف بها حين كان حياً. وقد امتلأ الهور بقلاع وهمية كثيرة انتشرت في الأقصاء المختلفة منه لتضليل الطامعين والباحثين عن الكنوز والآثار!. ولن ينسى أهل الجنوب وهم يرون حملات الإنجليز الآثارية في البحث عن الحفيظ وكنوزه، لن ينسوا تلك الوجوه الحمراء والبنطلونات الكاكية القصيرة التي تظهر أجسادهم الملساء بزوارقهم البخارية وهي تشق ماء الهور وتوقظ الحيوات الغافية فيه منذ آلاف السنوات، والعيون تراقبهم وهم يبحثون وينقبون في القلاع القديمة والآثار التي امتلأت بها أهوار الجنوب، الظاهرة من بعيد كقلاع عائمة وسط المجاهيل المائية المترامية الأطراف، وكانت نفوس أهل الجنوب تمتلئ بالخوف والخشية من وقوع تلك الكنوز في أيدي الإنجليز، لكنهم كلما نظروا إلى الحافظ الذي كان في ذلك الوقت السيد خضر والد السيد مهنا، الذي كان ممددا في صريفته بلحيته البيضاء المهيبة، وشماغه الأزرق على رأسه وعقاله الراكز فوق الشماغ، وسبحته الحسينية في يده يفرد حباتها على بساط من الصوف، وسط أبنائه وحفيداته ولا يرف له جفن، وبين الحين والآخر يلف سيجارة ويبصق التبغ الزائد الذي لصق بشفتيه، ولا يخاف من شيء على كنوز الشيعة، فهي كما يقول محفوظة بأمر الله مهما فعل الإنجليز، ومهما كثرت طائراتهم الماسحة كل يوم مجاهيل الهور البعيد وبقعه المجهولة، وكلما بذلوا الجهد واستعانوا بالحيلة باءوا بالفشل للوصول إلى شيء، وكان الإنجليز يفرحون عندما يعثرون في حفرياتهم على تماثيل طينية مفخورة قديمة يرجع عهدها إلى السومريين وأقوام متفرقة أقدم من تلك الأقوام، كانوا يعيشون على هذه الأرض قبل أن تغمرها المياه، وتركوا قلاعهم وحصونهم، ومضوا في غيابات التاريخ البعيدة، إنهم لم يخلفوا سوى نقوشهم وتماثيلهم الصغيرة والكبيرة وبصمات أدوات الشحذ على الجدران وأعمدة القلاع، وسجلت أعمالهم التوراة والإنجيل والقرآن الكريم، وقبل ذلك جاءت على ذكرهم النقوش المسمارية القديمة. وفي تلك الأيام التي يتذكرها السيد مهنا جيداً، حين اصطحبه أبوه معه وهو صغير بعد حفلة صغيرة أقاموها له في الحسينية وأعلنوا أنه أصبح السيد الشيعي لتفريقه عن باقي الشيعة، ليدله على موقع خزائن الحفيظ في ذلك الخلاء الشاسع من الماء والبردي والجولان، وقد استشعر الأب هاتفا بدنو الأجل واقتراب موعد مفارقته للحياة، وعليه أن يترك وريثاً لمهمته، كما هو معروف في الأسرة. أخذ السيد الشيعي الصغير وكان يضع العلامات على الطريق، ويقول لولده: لا تنسى هنا شجرة سدر ضخمة، وهناك حجارة منحوتة كبيرة!، وبين هذه الأكمة والجزيرة الصغيرة المهجورة تجد مشحوفاً، بعدها تجعل الشمس إلى يسارك، حتى تصبح الشمس فوق سمت الرأس ثم تسير حتى تبلغ حجر الأفعى، وهو حجر كبير له وجه الأفعى وذنب السمكة، وتسير في الممر الترابي حتى تقطع الإشان الأحمر، وتبدو لك صخوره شديدة الاحمرار من جهته الخلفية، وتجد أمامك لوحاً من البردي طافياً تستخدمه للعبور في مياه الدرب الضيق، يفعل كل ذلك وقد أمسك الصبي من يده وقد شد على جبهته خرقة خضراء دلالة لتعرفة الجن بالقادم بصحبته، وهؤلاء الجن هم الذين يحرسون الكنوز الشيعية، وعليهم أن يتعرفوا على وريث الحافظ، وطوال الطريق المضني الذي يتراوح بين المشي على أرض صخرية في قلاع مهجورة وركوب المشاحيف وطوافات البردي(16) لبلوغ تلك المسافة الخضراء النائية، ووسطها يقفان، كما أشار له أبوه ويمد الأب يده باحثا في العشب الطري عن شيء لا يُرى، حيث يتبدل المناخ فوق تلك البقعة المباركة، ويهمس أبوه في أذنه: سبح ياولدي بحمد الله مائة مرة!، فأنت الآن فوق بقعة مباركة من بقاع الجنة، الملائكة والجان يرونك ولا تراهم ويسمعونك ولا تسمعهم!. ثم يضيف: هنا فوق هذه البقعة لا صيف ولا شتاء، إنها الربيع الدائم، فهي بقعة مباركة بحق لا يعرف مكانها غير الحافظين، ومن قرية الجوابر لا يعرفها سواك وأنا، احفظ المكان جيداً لتجيء وحدك بعد أن أموت، يقول أجدادنا فيما يقولون إنها بقعة غير كائنة على الأرض!، إنها في حقيقة الأمر سن ناتئ في بداية السماء السابعة، وإننا طرنا إليها دون أن ندري وبقوة الله القوي، وكل خطوة خطوناها منذ خروجنا من بيتنا في الجوابر هي في حقيقة الأمر بين النجوم والمجرات حتى بلغنا برازخ الجنة!، فسبح بحمد الله المنجي وأشكره… ويكرر من جديد: احفظ المكان جيداً، لتجيء وحدك عندما أموت لتؤدي أمانة طائفتك بحمل أموالها إلى هذا المكان، حتى يحين موعد خروجه جعل الله ذلك في أيامك، فإذا خرج من غيابه الطويل في أيامك قد يجعلك من جنوده أو لا يفعل، فإن فعل فقد كرمك!، وإن لم يفعل فهو أدرى بما يريد!. فقد قربت أيامه، إني أكاد أن أرى لحظة خروجه إلى العالم!، ثم سبح سبعا وسبعين مرة وحمدل مثلها، فانفتحت في الأرض المكسوة بالعشب كوة فدخلاها وسارا إلى تحت الأرض على سلم يتدهور إلى الأعماق بالتواء، وكلما نزلا درجة إلى أسفل الأرض امتلأ المكان بالضوء وتلاشت العتمة!، كأنما فـي عمق الأرض شمس أخرى!. وما أن هبطا آخر درجة في ذلك الدرج المنحني حتى امتلأت عيونهما برؤية مساحات واسعة مزروعة بأشجار عملاقة مثمرة، لم تقع أبصارهما على مثيل لها من قبل، وأثمار ملتمعة بالضوء واضحة النضوج، وبحيرة صغيرة ساكنة شديدة الزرقة وشمس مضيئة تنعكس فوق مياهها، وهمس الأب لابنه: إنها ليست التي نراها في قرية الجوابر!، انظر إليها فيها شق في الوسط لا يندمل إلا بظهور المهدي عليه السلام!، كما أن التحديق فيها لا يؤذي البصر، وتلك رحمة من الله عز وجل!. وما أن ولجا إلى الطريق الصخري حتى أفضى بهما إلى كهف عملاق نُحت في الجبل وقد حُفرت فوق أحجاره آيات القرآن كلها، وأسم الرسول الكريم وأسماء الشهداء من آل البيت والصحابة، منذ عهود الإسلام الأولى وحتى يومنا الحاضر، وتوهجا في ذلك المكان بنورين، كان الصبي يرى إلى أبيه فيراه محاطاً بهالة من الضياء!، فاعتصره الخوف أول الأمر ولم يفطن إلى الضياء الذي أحاط به، فصرخ منذراً، فقال له أبوه ويده تمتد في حنو لتمسد شعر رأسه: لا تخف ياولدي، هذا نور الأولياء والشهداء قد أحاطنا!، ولو كان غيرنا في هذا المقام لاحترق من هذا الوهج الذي لا تحتمله الأبدان، إنه النور الذي سيأتي من السماء فجر ظهور المهدي عليه السلام من غيبته، الذي يوقف كل شيء متحرك!، ويحوله إلى حديد لا معنى له ولا فائدة منه!. وفوق هذا المكان كانت الطائرات الإنجليزية تتوقف محركاتها وبوصلاتها، ويغيم بصر طياريها فلا يعرفون مكانهم إلا بعد تجاوزهم هذا المكان!. ورأى الصبي إلى نفسه فرأى وهجا مشابهاً لما حول أبيه يحيطه كالسوار، فسبح بحمد الله مثلما يفعل أبوه!، وهدأت نفسه وزال عنه الارتباك، وتبع أباه حتى تجاوزا قبة الكهف المنقوشة، وانفتح أمامهما باب حجري، بعد أن صاح والده بصوت أجش: ياحامي المكان قد جئت بالسيد الشيعي أبن السيد خضر الذي سيكون حافظاً بعدي، فقد أزفت الساعة واقترب الموعد بلقاء الأحبة، فما أن يجيئك بعدي حتى تفعل معه ما كنت تفعله معي من حفاوة وتكريم ورعاية!. ومس رأس الصبي بكفه المعروقة، وأخذ يده بالكف الأخرى وأدخلها في كوة في الباب الحجري، فانفتح الباب الثقيل بصرير مخيف، ودلفا إلى داخل الكهف، ونظر الصبي إلى بدائع المكان وروائعه من الدر والمرجان وأكداس الذهب والفضة، ورأى ملابس الغائب المنتظر معلقة في شمعدان كبير من الذهب، وإلى جانبها على منضدة من الفضة درة الزمان التي من حملها في يده تفتحت أمامه الأبواب والنوافذ والمسالك الموصدة، وتساقطت الأقفال وذاب الحديد والبرونز والنحاس بإذن الله وقدرته!. وفي قراب من الجلد نُقش عليه بماء الذهب أسم الله العظيم وأسم الرسول الكريم ص وأسماء آل البيت عليهم السلام أجمعين، وعُلق سيف المنتظر(ع) الذي سيحارب به أهل الكفر وأعداء الإسلام، ويحق الحق وينشر السنة النبوية ويجعل الناس تنطق بالشهادتين وتصلي للواحد الأحد في مشارق الأرض ومغاربها. وأخرج الأب من جيبه الصرة التي تحوي ذهب المتبرعين وفتح صندوقا كبيراً نُقش على غطائه بزخارف جميلة ورصع بأصداف وكُتب عليه بماء الذهب وبخط كوفي قديم: لا فتى إلا علي(17) ولا سيف إلا ذو الفقار(18). وأفرغ من صرته القطع الذهبية داخل الصندوق فأحدثت صوتاً في ذلك الصمت المهيب، وأعاد غطاء الصندوق إلى وضعه السابق، وتساءل الصبي في ذاته: ما قيمة ما جلبناه لهذا الكم الهائل من الثروات؟. وهمس أبوه وقد تورد وجهه بالنور وذبلت عيناه من ذرف الدموع: يابني أخفض بصرك ولا تحدق في أموال المسلمين لئلا يطمع قلبك! أخفض بصرك ولا تتعلق نفسك بما موجود! فإن هذا الجود له وليس لبشر!. وبعدها قرأ الأب سورة البقرة وردد الصبي بعض آياتها مستمتعاً برائحة البخور التي ملأت المكان. خرجا من كهف الكنوز وسُدت الصخرة وسلكا في طريق الخروج الذي جاءا منه أول مرة، ولكم كانت دهشة الصبي عظيمة حين اكتشف أن ما رآه حين كان قادما يختلف تماما عما رآه وهما يغادران المكان، فقد خرجا إلى أرض صخرية غابت عنها الشمس وأختفى عشبها ومناخها الربيعي، وعادت إلى قيظها اليومي اللاهب، وعاقولها الساخن الذي يخز الأقدام، وراح أبوه يرشده إلى طريق الرجوع إلى قرية الجوابر ويحدد له الاتجاهات لئلا يضيع في المرة القادمة حين يقصد المكان وحده لإداء الأمانة بدلا عنه. وراح الصبي يحفظ بعينين مدهوشتين وقلب غُمر بفيض الإيمان وشفتين تسبحان بحمد الله والصلاة على رسوله الكريم… قال الأب وهو يسترد أنفاسه: هذا هو الحفيظ ياولدي، القريب من الناس والبعيد عنهم بذات الوقت! الذي يبدو لساكني الأهوار(19) وضفاف الأنهر من القرى والمداشر(20) ليلاً كبركان النار الحمراء، التي لن يهتدي إليها أحد، نار كبيرة حمراء وسط الهور الشاسع، كلما سعيت إليها ازدادت عنك بعدا، وكلما نأيت عنها أقتربت منك وأشعرتك أنها قريبة منك وعلى قاب قوسين أو أدنى من ذلك، ولن تطال شيئا من قربها أو بعدها عنك، فقط إنها تشعر الناس بإلحاح غريب باليوم القريب القادم!.
- 22 -
في تلك الأيام الباردة من أواخر شباط، حيث تظهر الشمس فوق الهور بكامل سطوعها وعنفوانها، وتتكرر لأهل الهور مرتين، مرة عند ظهورها الساطع في السماء، والثانية عند إنعكاسها فوق صفحة المياه الصافية، كاشفة هدوء العمق ولحمته المزدحمة بالأسماك الصغيرة المتجولة، وبيوض الضفادع تفقس عن دعاميص صغيرة منتفخة البطون، وطحالبه الخضراء المتداخلة، وقواقعه الملونة، وقعره المزدان بنباتات عنقودية غامقة الخضرة تحرك أغصانها التيارات المائية يميناً ويساراً،مختالة في ظل أعواد القصب والبردي الشائخة أو تلك الوليدة حديثاً بإخضرار مصفر، متمايلة بارتخاء، فاتحة وريقاتها الملساء كالسكاكين الباشطة، مبللة بالندى الذي بدأ يتبخر بعدما ارتفعت الشمس في المدى.
سارت مشاحيف النساء التائبات صوب الإشان في ذلك اليوم الشباطي صوب ذلك البناء القديم، المتفرد في عمق الهور بقبته الحمراء وأبوابه التي بلون النحاس الصدئ، وراياته البيض التي على قماشها بصمات أكف ملوثة بالدم، وذلك الدخان المتصاعد من مدخنته، وكل شهر تقصده نساء المعدان اليافعات من أجل أن تمتلئ أحضانهن بالأطفال بعد أن أصاب اليأس حكيم الدبن(21) من أن يصبحن أمهات، فلم يبق أمامهن غير صاحب القبة الحمراء ليقوم مقام الحكماء والأعشاب، بعد أن مللن من البخور وأخشاب الصندل وملء الملابس بالدخان الزكي الرائحة، وبلع مرارة الديك على الريق، وسلق عيون القنفد والخلد واليربوع في قدر واحدة، واستنشاق أبخرته الحريفة والاستحمام بنقيعه. نساء صغيرات تكومن في تلك المشاحيف الصاعدة صوب الإشان الذي أخفته صفحة الماء الواسعة، ولا يبدو منه شيء لأهل الدبن. صغيرات مكحلات العيون، بملابس مزركشة بالورود، تزوجن قبل عام أو أكثر بقليل من ذلك، وبقيت أرحامهن جافة، عاجزة عن الإنتفاخ، وحضن المضغة لتكون علقة، والعلقة لتكون عظماً وإكساء العظم لحماً، فتدب الحركة في ذلك الفراغ المظلم، المملوء بوسائد من سائل دافئ رجراج، حتى يحين موعد الطلق، فيحضر الإمام علي وفاطمة الزهراء عليهما السلام، ليمسكا بذراعي الأم، فتلد حيوة صغيرة تبحث بشفتيها المضمومتين، الورديتين، والرأس الصغير المعصّب عن مكان له في جوف الصريفة المظلم، ودخان الزجاجة المشعلة، ورائحة زفرة الدهن الحر(22) والأسماك المجففة، المعلقة مع رؤوس البصل والثوم في حبال الصرائف كجوارب مثقوبة، ومياه الهور التي لها رائحة الغرين وطلع القصب والعنكر، ووشيش أجنحة البعوض والذباب والفراشات، ونقيق الضفادع وفساء السلاحف المتشمسة في أطراف الجباشات، وفلول الأسماك الصغيرة والدعاميص الجوالة، الهاربة بتوفز بفعل تحرك ظلال القصب المتكسرة في الماء. تدرج المشاحيف الثلاثة بحملها من نساء الدبن صوب ذلك البناء القديم الذي يتحدث عنه المعمرون في رواياتهم أنه موجود منذ الأزل، بنقوشه القديمة، وصخرته التي كانت تذبح فوقها الأضاحي، وحين جاء الباحثون عن التاريخ والحضارات القديمة فسجلوا في كتبهم أنه من معابد السومريين القديمة، وأرفقوا كتابتهم بصور التقطوها له وأطلعوا العالم على ما يحوي من نقوش وكتابات وآثار موغلة في القدم، ذاكرين فيما كتبوا: إن تلك الأمكنة كانت تقام فيها أفراح ومناسبات الخصب والنماء، حيث تلون النساء وجوههن بالأصباغ، ويفعل الرجال كذلك، وتصبح النساء مشاعاً للرجال لأكثر من يوم كامل، وتُقدم الأضاحي على تلك الصخرة الداكنة، وسط البناء، ولم يبق من ذلك المعبد القديم سوى تلك الصخرة وذلك البناء الصغير الذي تم ترميمه في عهود مختلفة بأيدي كهنته، الذين توارثوا العمل فيه منذ قديم الزمان، ولا يصل إليه الرجال(في الوقت الحاضر، ولا يسمح لهم بذلك باستثناء خدامه) لئلا تمسكهم جنيات الهور، ويعبث بهم شياطين الحماد(23)، كما تروي روايات المعدان، فيضيع صوابهم ويبقون في العراء، ولا يجرؤ أحد على إيوائهم مخافة العدوى من إنتقال الجن إلى أجسادهم السليمة، وليس في ذلك المعبد القديم من الرجال سوى خادم المعبد الشيخ، المريب النظرات، وخدام المعبد الثلاثة من الشباب الغرباء، الذي فقدوا قدرتهم على الكلام أو السمع منذ سكنوا ذلك المعبد الوثني القديم، وهم من الخرسان الذي نذرتهم أمهاتهم للعمل في هذا المكان، لقاء أن تجد قلوبهن السكينة، ولا يدري أهل الدبن من أين جاء هؤلاء الغرباء الذين اعتادوا السكن في شمال البلاد حيث الجبال والوديان، ولم يعتادوا الحياة في الأهوار، منذ سنوات كثيرة وهم بشبابهم الدائم، وبياض سحنتهم وشعورهم الشقراء الطويلة، أيقوم خادم المعبد الشيخ بإستبدالهم بين فترة وأخرى دون أن يدري أحد؟. وليس سوى وجهه المعتاد، الحليق من الشارب واللحية، وسترته الرمادية التي يلبسها صيفاً وشتاءً، وطربوشه الأحمر الذي لا يدل على أصله ولا يضفي عليه المهابة، فقط يجعله مريباً ويساعده في ذلك وجهه المملوء بالأخاديد وآثار الكدمات والحروق القديمة، وطقوسه الغريبة التي يؤديها مع الشبان الثلاثة كل يوم، بعد مغيب الشمس، حيث يعلو عويل غامض لا يعرف أحد سره، ويكتفي الشيخ باستقبال الزائرات وتقريب مشاحيفهن للمرساة لتتمكن النساء من النزول إلى أرض الإشان، ثم حين يكمل عمله ينهض وينظر بعينين وجلتين إلى النساء الصغيرات صحبة عماتهن وأمهاتهن، ويمد يده ليأخذ نذر كل واحدة منهن من القطع الذهبية الصغيرة وخواتم الفضة، والأوراق النقدية المدعوكة، وبعد أن يجمع ما لديهن من نذور وعطايا يقودهن صوب ذلك البناء المقفل، الذي لا يدخله أحد، وفي فجوة في جداره الخارجي الذي شُيد بصفوف من القصب والحصران، وكُسي بطبقة من الطين، تبدأ المرأة التي تروم الحمل بالتمدد على الأرض على ظهرها والزحف، وتدخل قدميها في فجوة الجدار الطينية، وببطء تزحف وتزحف على ظهرها، حتى يختفي جسدها بأكمله داخل البناء، ويبقى رأسها ظاهرا للنساء في الخارج، وسرعان ما يغطيه الشيخ بقطعة قماش خفيفة، وتبدأ النساء حولها بالدعاء، ويُسمع من داخل البناء أصوات عراك وصراع مع جسد المرأة الذي توغل في الظلام، ويهمس الشيخ المريب النظرات للنساء في الخارج: إنها تصارع الجن والحمل سيقع لا محالة!، وتشعر المرأة بجسدها يستباح في ذلك الظلام، تحاول أن تدافع عن نفسها بقدميها، لكنها تشعر بإيادٍ كثيرة وقوية تمسكها وتحد من مقاومتها، وتغمض المرأة عينيها مستسلمة بعد ذلك لشيء دافئ يخترقها، وحالما تبدأ بالتلذذ بما يحدث لها في ذلك الجزء المظلم من البناء، وتفرح منتشية وتشعر بامتلاء روحها بدفق سري لم تشعره من قبل، فتمتد الأيدي لتغطي عريها الفاضح، ودفعة قوية لقدميها توحي لها بأن العلاج قد تم، فتسحب جسدها المبتل، المرتجف، وتساعدها باقي النساء بسحب جسدها من تلك الكوة، فتجلس في الزاوية مهيضة الجناح، تشعر إنها مازالت مسكونة بالرجولة التي غسلت جسدها وبللته وغمرته بفيض من الذهول والبلادة والمرض!.
وما إن يتم فعل ذلك لكل امرأة ولج جسدها تلك الكوة، وتوشك النساء على العودة إلى المشاحيف، حتى يظهر الشباب الثلاثة، الذين أبتلوا بالخرس وهم يلوحون للزائرات بأيديهم، ويحكون بالأخرى أثوابهم البيضاء الواسعة عند مواضع أعضائهم الذكرية، وتظهر وجوههم السعادة لهذه الزيارة القصيرة، مثلما يفعل المضيف الكريم حين يودع زائريه ويتبعهم إلى نهاية الطريق في حفاوة تليق بهم، ليبقى في ذاكرتهم مهما كر الزمان ومضت السنوات!. وفي رحلة العودة، لا تجرؤ أية واحدة منهن أن تروي ما حدث لها في ذلك القبو المظلم، وتبقى عيونهن ساهمة في ذلك الاتساع الكوني لصفحة ماء الهور الساكنة، وهن يزفرن بإرتياح!..
- 23 -
في ذلك الدكان الصغير الذي افتتحه كعيد البلام وسوادي العبد وريسان الفهد في القرية منذ مدة قريبة، وأصبح مكاناً لعقد صفقاتهم لبيع السلاح والعتاد المهرب لرجال القرية، وأنشغل وادي بن كعيد ببيع ما يحتاجه الناس في القرية من شاي وسكر وتبغ وقماش وأمشاط خشب وبخور وبهارات وإبر وخيوط، وقد أجبره أبوه على ترك العمل في أرض السيد مهنا والتفرغ لمساعدته في الدكان. وبالرغم من حب الشاب لعمله في تلك الأرض كباقي أهل الجوابر لأنها توفر له إضافة إلى ذلك رؤية حبيبته ليلى يومياً عندما تأتي بصرة الغذاء ظهراً عبر ذلك الطريق المعشب، وتتبع صرتها فراشات الحقل الملونة وكلبهم الأبيض الذيب الذي يسير وراءها كأنما يحرسها من أخطار محتملة، بأذنيه المشنفتين وخطمه الطويل المنتصب، وتكشيرته العدوانية. وما أن تنظر في عيني الكلب إلا وتشعر بخوف غريب ينتابك حتى ولو كان الكلب يعرفك وبينك وبينه مودة قديمة، وسبق لك أن رميت له شيئا يأكله، إنه يتصنع عدم معرفتك بنكران جميل لا مثيل له، ويزأر بشدة حالما تقترب من صاحبته أو تحدثها!. وخلال رؤيته لليلى يتوقف الزمن ويحدق وادي بعينيها، يريد أن يعرف صدى ما أسمعها من كلمات في اليوم السابق هامساً، ولم يستطع أن يخمن شيئاً في هذا الوجه الصافي كصفحة ماء ساكنة. كانت عيناها الفارغتان من أي تعبير وشفتاها الورديتان، المحتقنتان، لا تعبران عن شيء، لا الرفض ولا القبول!، وخرجت من صدره آهة، وهمس لها من جديد: سأعمل في دكان أبي منذ الغد ولن أراك بعد يومي هذا!. لم تقل شيئاً، ولم تضف جديداً على ما كانت تفعله كل يوم، ووضعت الصرة بين يديه وأخذت تملأ منخريه رائحة الطعام الذي حملته لهم، كان أبوها يثبت مسحاته(24) في الأرض استعداداً لاستراحة الغذاء، وبقي أخوها مرتضى يجتث نباتات عاقول نبتت إلى جانبي ضفة الساقية، وصاح عليها أبوها ليقول لها شيئاً تفعله في الدار، وبقي وادي حاملاً الصرة، ورفيف ثوبها وعباءتها يعبث بهدوئه، والتفت إليها بعينين ضارعتين وهي تحدث والدها دون أن تهتم به، والعباءة تلتصق على جسدها بفعل الريح، وذلك المنديل الموشى بالورود، الذي تغطي به رأسها يتوشح متزملا بالضوء، وشعر لحظتها أنه لو سمع كلمة واحدة منها، مهما كانت تلك الكلمة، رفضاً أو قبولاً، لتغير حال الدنيا في عينيه. وتساءل ماذا ترفض هذه الجميلة وماذا تقبل؟، هل في يدها أمر من أمور مصيرها؟، هي كانت تعرف أنه ليس بإمكانه أن يتزوجها ولن تستطيع أن تبدي رغبتها في الموافقة أو الرفض إذا طلب منها أبوها الزواج من أحد ما، وتقاليد قريتهم لا تسمح بزواجه هو العامي بواحدة من نسل آل البيت مثلها. فماذا يبقى من كل هذا العبث الذي لا طائل وراءه؟. فأطلق الشاب كل ضيقه في تنهيدة طويلة، سمعتها ليلى وفهمت مغزاها، وأخذت تفكر به وهي عائدة إلى البيت يسبقها(الذيب) بخطوات رزينة، وذنب قائم ورأس مثلث وهو يتلفت يمينا وشمالا.
قال في ذاته: لا أمل في هذا، إنها قرأت في عيني كل شيء، وسمعت كلماتي وفهمت ما تعنيه تنهداتي، هذا اليوم الأخير ولا أستطيع أن أقول لكعيد البلام إن دكانك الصغير وبضاعتك القذرة ستضيع حياتي وأحلامي!. وفي ذلك الدكان الصغير كان وادي يلوك أحزانه ويسترد شريط حياته مثل الفلم القديم الذي قُطع في أكثر من مكان وأُعيد لصقه، بينما انشغل أبوه وشركاؤه بالكلام عن تجارتهم السرية، فالأحوال لا تسر بعد أن أصبح في كل بيت من بيوت القرية بندقية أو قطعة سلاح وتوقف الشراء منهم، وكان من المفروض أن يجد أبوه وأصحابه سوقا أخرى لتصريف بضاعتهم من السلاح، وحول ذلك الموضوع كان الرجال دائمي النقاش والمشاجرة، تاركين وادي لأمشاطه وسكره وشايه والطناجر المعلقة في واجهة الدكان وأحزان عشقه، وبحثه الدائم عن ليلى بين النساء الداخلات ساحة القرية أو الخارجات منها، وهن يحملن قرب الماء والحليب والأعشاب اليابسة وأطفالهن بمؤخراتهم العارية على أكتافهن أو معلقين بأثدائهن ووسطهن بقماش، أو ممسكين بأثوابهن الزاهية الألوان، الفضفاضة، محاولين اللحاق بهن في مشيهن السريع. كان يبحث أن أية وسيلة للإتصال بها لمعرفة جواب السؤال الذي يحيره: هل تفكر به مثلما يفعل؟، وهل ينوشها الأذى والشوق كما ينوشه؟. لكنه كان يرد على نفسه: ما فائدة كل هذا مادام الزواج بها ممنوعاً؟. وأعاده من أفكاره صوت أبيه وهو يحدث شريكيه عن طريقة مبتكرة لتسويق السلاح الذي بحوزتهم، وقاطعه سوادي العبد قبل أن يبدأ بطرح فكرته: أن يترك المعدان وشأنهم ولا يفكر ببيعهم البنادق الحديثة، التي لو أمتلكوها لقتلوا بها أولاد قرية الجوابر جميعاً، فقد كانت المعارك منذ القديم قائمة على قدم وساق بين سكان الأهوار من المعدان وأهل الريف، وبالذات أهل الجوابر الذين تحملوا وزر المعارك، وفقدوا الكثير من أبنائهم لكسر شوكة المعدان وردع عدوانهم المستمر، وجعلهم يقبعون في جباشاتهم في عمق الهور، كما إنها ترد غارات اللصوص من المعدان الذين يقصدون القرية ليلاً لسرقة دوابهم وماشيتهم، وكانت آخر الاتفاقيات بين الشيخ جلال وشيخ المعدان أن لا دية(25) لمن يُقتل من المعدان وهو يسرق، لا دية له ولا فصل أو حشم. ولم تحد كل هذه الاتفاقيات من غارات المعدان الليلية لسرقة ما يمكن سرقته من أهل الجوابر. وأمام هذه المعضلة الشائكة، لم يجرؤ الشركاء الثلاثة على بيع قطعة سلاح للمعدان. ولكي يتجاوزوا الأزمة وكساد السلاح، فكروا بالعبور حيث الضفة الأخرى صوب إيران لبيع السلاح
هناك بإثمان معقولة. وبسبب نشاط الدوريات المسلحة المكثفة والنشطة للحكومة هناك، جعل الشركاء يفكرون ألف مرة قبل الشروع بتنفيذ أفكارهم، لكنهم كانوا يعانون للوصول إلى حل قبل أن يحل بتجارتهم الخراب.
في تلك الأيام أزداد عدد المعممين الهاربين من إيران عبر الحدود صوب قرية الجوابر، كانوا يقضون ليلهم في الحسينية، وتقوم عائلات القرية باستضافتهم في البيوت الطينية، ويستمعون لمن يجيد العربية منهم وما يروونه من قصص مرعبة مما يفعله السافاك(26) بأبناء الشعب الإيراني من إرهاب وتنكيل وعقوبات ومظالم يشيب لها شعر الطفل الصغير، وكان أحد المعممين يصرخ بألم وحسرة: إخوتكم الشيعة في ذلك الجانب يُقتلون مع علمائهم دون رحمة . وكان رجال القرية يعرفون ما يحصل هناك من تقتيل للناس، وكان الجميع يتساءلون: كيف نستطيع مساعدة المظلومين هناك؟!. ووجد الشركاء الثلاثة فرصتهم وتقدموا كمنقذين، وقالوا لهم: يا إخوة، الكلام لا يفيد، تدربوا على السلاح، ذلك أفضل الحلول!. وضحك الرجل المعمم: نحن أم الشباب؟!. وقال كعيد البلام لائماً: لقد تحدثتم فيما رويتم عن الحسين عليه السلام، كان معمماً ويحمل سيفه ليقاتل أهل الظلم!. ولم يقتنع أحد بما قاله، فقد كانوا لفرط ما رأوه وعاشوه من عذاب وإضطهاد في بلادهم أن يتركوا كل شيء للخالق للانتقام من الظالم، والمضي إلى النجف بأي شكل من الأشكال للوصول إلى تلك البقعة الطاهرة والاختلاء إلى النفـس مع الحبيب وذرف الدموع وقراءة الكتب الممنوعة وسماع الدروس في الروضة المطهرة!. وصرخ بهم كعيد البلام من جديد: يا إخوان، اشتروا السلاح ودافعوا عن أنفسكم في بلادكم، ولا تتركوا أرضكم أبدا!. ولكن لم يسمعه أحد، وبذلك فقد الشركاء فرصتهم لبيع سلاحهم المخزون للإيرانيين، وفي تلك المحنة الأليمة، لم يتمكن منهم اليأس، أخبرهم كعيد البلام: إنهم لو قرروا شراء السلاح فإنه وشركاؤه على أتم الاستعداد لتزويدهم بكل ما يحتاجونه وبأسعار مخففة، لإعلاء راية الإسلام ومقاومة ظلم الشاه!. وفي الصباح ودعهم الحاج حسون إلى طريق السيارات حيث تمكن من كراء سيارة لنقلهم إلى النجف الأشرف وأعطاهم المال الذي يكفيهم لتلك الرحلة، وأوصى السائق أن لا يمر على السيطرات العسكرية(27) المنتشرة على طول الطريق حتى النجف، وأوصاه بإنزال راكبيه ليمروا مشياً خلف السيطرات، وينقلهم بعد أن يمر هو عليهم فارغاً من حمولته، ثم يحملهم من جديد بعد تجاوز السيطرات بمسافة كافية. وكل هذه التوصيات لم تفد، إذ بعد يومين رأى أهل القرية المعممين وقد وضعوا في سيارة حمل كبيرة، وقد قيد رجال الشرطة أيديهم بقماش العمامات وبصحبتهم شرطة من الأكراد الغلاظ الذين لا يعرفون كلمة عربية واحدة، وقد بدت على وجوه الإيرانيين أمارات التعب والإعياء والجوع والخوف، وكانوا يشيرون لأطفال القرية ورجالها الذين تبعوا السيارة بأن الشرطة العراقية ستقوم بتسليمهم إلى الشرطة الإيرانية، ولم يكن سوى طريق القرية المؤدي إلى الحدود عبر الهور مسلكاً أميناً. وهز كعيد البلام يده لائماً للمقبوضين وهو يغطي وجهه بكوفيته، وقال بصوت واطئ لشريكيه بعد مرور الحافلة: أخبرتهم عدة مرات، قلت لهم أشتروا السلاح وارجعوا إلى بلدكم، فالذي يملك سلاحا في هذه الأيام سيعيش على أرضه بسلام، وسيتحول أعداؤه إلى خراء ينفع الأرض ولا يضر أحداً!، ولكن لم يصدقني أحد، وهذه هي النتيجة، سيذبحونهم على الحدود كالخراف وذلك معروف لا يحتاج لمـن يؤكده!. وشيعت الشاحنة القديمة عاصفة من الأتربة ودخان محرك السيارة القديم، وعيون الرجال المتلصصة من فتحات وخصاص جدران البيوت والغرف الطينية!.
في تلك الأيام كان موسم حصاد الرز ممتازا في قرية الجوابر، وباع الناس المحصول للتجار بأسعار مرتفعة، وظهر المال الإضافي الذي حصلوا عليه بازدياد أفراح أهل القرية، وتم ختان الكثير من أطفالها بموس سالم الحلاق، كما ظهر هلال المجنون بدروب القرية بملابس جديدة وحذاء إنجليزي جديد تلمع الشمس على جلده المصبوغ، وهو يحيي أهل القرية بذراعه الملوحة كلما مر بأحدهم، وأزدهرت الأعراس والولائم، وأستغل كعيد البلام الفرصة وشركاؤه وقصدوا المدينة، وأشتروا الكثير من إجهزة المذياع الصغيرة -الترانسستر- التي تعمل بالبطاريات، وباعوها في القرية بأضعاف ثمنها وجنوا من ذلك أرباحاً طائلة، وأصبح المذياع في يد الشاب أو تحت كتفه في القرية عادة عصرية يفعلها جميع شباب قرية الجوابر ويقلدهم في ذلك بضعة رجال من القرية، ومن لا يفعل تلك العادة الجديدة يُتهم بأنه من المعدان الذين لا يفهمون شيئاً، وتلك كانت أسوأ سبة توجه إلى أبن القرية، كان الشركاء الثلاثة فرحين بهذا الإزدهار المفاجئ، ولم يجل في خاطرهم أنهم نقلوا الناس بهذا المذياع الصغير إلى حيث لا يتمنون. كانت أغنيات الريف التي يذيعها المذياع تستحوذ على أهتمام جميع أهل القرية رجالاً ونساءً، ومن تأثيرات أنتشار المذياع أن بنات القرية عرفن ماذا يعني الحب، وكانت كل واحدة لا تعرف غير المعنى المحرم للعشق، وهي كلمة تعني في قاموس القرية: الخطيئة والعار والفضيحة!. فماذا تعني هذه المفردة الجديدة الحب؟، والتي لا يحرمها أهل المدينة ويعتبرونها حلالاً وشيئاً لابد أن يقع بين المرأة والرجل، مرة أو مرات في العمر!. وسمعن من أفواه المذيعات أن لهذه الكلمة قدسية خاصة، ولا ينالها من هب ودب من الناس، وتبدأ عادة بدقات القلب العالية والابتسامات المتبادلة، والسلام والكلام والموعد واللقاء، ورحن يرسمن في خيالهن تلك اللقاءات المشحونة بالعواطف بين الفتاة وفارس أحلامها!، ولم تجرؤ عقولهن المراهقة على الخيال بغير قبلة خائفة يطبعها الحبيب الوجل على خد الحبيبة المنكمشة والخجل يصرعها، أما تبادل القبلات فماً بفم، فم تجرؤ أية واحدة من مراهقات الجوابر على التفكير بها على الإطلاق!، وكان ذلك في خيالهن رديفاً للعمل الجنسي ومؤاخيا للبذاءة والخلق السيء بلا جدال ونقاش!. وبدأ الشباب يتخلون عن الشماغات التي يغطون بها رؤوسهم التي كانت تزيد أعمارهم، وأخذوا ينسلون شعورهم ويدهنونها بزيت الطعام ليلصف تحت الشمس!، ويتسكعون في طرقات المزارع والقرية وقريباً من النهر بأنتظار أن يروا وجها لفتاة من خلال كوى الصرائف، أو من خلال فتحة باب الصفيح، وفعلت الفتيات مثلما فعل الشباب ولكن لم يهجرن الشيلة(28) السوداء التي تغطي رؤوسهن، بل إنهن أبرزن مقدمة الشعر لتسيل على الجبهة بشكل جميل وقد قصصن أطراف الشعر الزائدة، وتساوى في لطخة سوداء أو شقراء على الجبهة، وكلما رأى رجل شيخ ما يدور في القرية من أمور مستحدثة لم تكن في أيامهم، كخروج الشباب مجموعات وراء الشابات اللائي يملأن جرارهن بالماء من النهر، صرخ معترضا على ما يحدث: لقد اقترب يوم القيامة! هذا واضح ولن يضع أحد حداً لهذا الفساد غير الله وحده!. وكانت الغصة والمرارة في فم كعيد البلام، لأنه تسبب في هذا البلاء الذي حل في القرية فجأة، بعدما جلب تلك البضاعة السيئة من المذياعات لتقلب حال القرية الساكنة!، ولأول مرة بدأ أبناء العم يتشاجرون بسبب وبلا سبب!، وقد بلغت بهم العصبية أن أشهروا مسدساتهم وبنادقهم بوجوه بعضهم البعض، ولولا أن الله لطف بأهل القرية لوقع ما لا تحمد عقباه، وكلما رأى ولده وحول كتفه السير الجلدي الأسود للمذياع الصغير وهو يردد كلمات الأغنيات التي يسمعها، تعوذ من الشيطان الرجيم!، وتساءل بألم مع نفسه: أية كارثة جلبتها إلى أهلنا؟، كنا مستورين،راضين بعيشتنا، والآن الله وحده يعلم أين يقودنا هذا المذياع؟!. ولا يدري من أين برز له مؤذن الحسينية عاتي ورآه أمامه في الدكان فجأة، وطلبه ليحضر مع شركائه في الدكان إلى الحسينية!، شعر بالغصة في بلعومه وسأله: من يطلبني؟!. قال وهو يقلب أمشاط الخشب بيده بلا اهتمام: الحاج حسون والسيد مهنا والشيخ جلال والملا قنبر، كلهم الآن في الحسينية وينتظرون حضورك!. وسأل : وماذي يريدون؟. ترك عاتي أمشاط الخشب وقال: لا أعلم، لقد طلبوا مني أن أخبرك بضرورة حضورك إلى الحسينية ولا أدري لماذا!. كان كعيد يعرف لماذا طلبه وجوه أهل القرية، أخبر عاتي أن يذهب وسيلحق به بعد قليل، وحالما ذهب الرجل طلب من ابنه أن ينتبه للدكان حتى عودته من الحسينية، وأوصاه أن يبلغ شريكيه أنه ذهب إلى الحسينية وعليهما أن يتبعاه!. وعندما وصل إلى هناك وجد وجهاء القرية وقد بلل العرق وجوههم، وقد بدا أنهم كانوا قبل مجيئه يتناقشون بحدة ليجدوا حلاً للكارثة التي ستحل بالقرية لو بقيت الأمور على ما هي عليه!. ونظر إليه الحاج حسون حالما دخل الحسينية، وقال غاضباً حتى من دون أن يرد على تحيته:
أنت من ورطنا بحكاية الراديوات ونريد أن تجد لنا حلاً سريعاً، ولا أعتقد أن حال القرية يعجبك وما حصل لشبابها وشاباتها من جراء الاستماع للإذاعات الإنجليزية!.
نظر كعيد البلام في وجوه الرجال الذين ينتظرون منه أن يقول شيئاً، وكان واضحاً أنه لا يستطيع الدفاع عما اقترفه من ذنب كبير، قال مهدئاً: يا إخوان، لو لم أجلبها أنا لجلبها غيري، وهذا الذي جلبته من المدينة هو أهون الشرور، فقد وجدت هناك تلفزيونات تنقل الصورة والصوت، ويمكن أن تعمل بالبطارية أو الكهرباء، وحاشاكم الله وحاشاني، إنها تظهر النساء عاريات ويرقصن هكذا بخلاعتهن أمام الناس!، وقلد حركة لراقصة من المدينة!. قال ملا قنبر مقاطعاً: لا تذكرنا بما موجود في المدينة، خلصنا من هذا البلاء الذي جلبته لأولادنا!. قال كعيد: يا إخوان، المذياع فيه قرآن وأخبار، وعلينا أن نعرف ماذا يدور في العالم!. قاطعه الشيخ جلال مغتاظاً: نقول له إن شباب القرية اقتربوا من حافة الجنون!…، ويقول قرآناً وأخباراً!.
أهل القرية يبحثون عن الجديد يا شيخ جلال!، إنها فترة ويعود بعد ذلك الشباب إلى سابق عهدهم!.
قاطعه الحاج حسون: يبدو أن لا فائدة من الحديث مع هذا الرجل!. وصفق يداً بيد، قال ملا قنبر وهو يزر بعينه السليمة، فقد بدت أجفان عينه الأخرى منتفخة وقد لفها بالشماغ، ولكن شده لم يكن محكماً فظهر إنتفاخ الجفون: هذه المذياعات تعمل بالطاريات؟.
أجاب كعيد: نعم.
أكمل ملا قنبر: ألا تنفذ هذه البطاريات مثل بطاريات مذياع الشيخ جلال الكبير؟.
كان بيت الشيخ جلال الوحيد الذي يحوي مذياعاً كبيراً، ولا يدير موجته أحد من أفراد العائلة غير الشيخ جلال ذاته، مكتفياً بسماع القرآن في الفجر وأخبار الإذاعة. أجاب كعيد دون أن يفهم ما يرمي إليه ملا قنبر: نعم!. تابع الملا قنبر بحماس: لا تجلب بطاريات جديدة لأهل القرية!، ومع مضي الوقت ستتوقف لذاتها!. كانت خطة حكيمة، ويوماً بعد يوم أخذت البطاريات تضعف والأصوات تخربش وترتعش في المذياعات، ولولا الحدث الكبير الذي حدث في الجهة الأخرى في إيران، لتوقفت المذياعات إلى الأبد في قرية الجوابر!، ولتلاشى تأثيرها على الناس هناك، ولنُسي ذلك الجهاز الأسود الصغير الذي تضعه على صدرك وأنت تتمدد باسترخاء، وتطرب لغناء المغنيات وتهدهدك الأصوات حتى تنام، أو تستمع للقصص التي يرويها المذيعون عن الحب والعشق والهيام!، وكل تلك الاهتمامات انطفأت بذلك الحدث العظيم الذي هز القرية من أقصاها إلى أقصاها، وهو خروج الناس في طهران وأرجاء إيران في مظاهرات صاخبة لإسقاط نظام الشاه، وسقوط أبناء الشعب هناك بالآلاف أمام بنادق الشرطة والسافاك!. وطلب الملا قنبر ذاته من كعيد البلام أن يذهب إلى المدينة ليشتري البطاريات اللازمة ليتابع الناس أحداث إيران الدامية، وخيمت في تلك الأيام أجواء الحزن المؤلم، وارتدت النساء الملابس السوداء على أبناء الطائفة الذين يُقتلون بالمئات هناك وتدوسهم السيارات المصفحة!، ويمثل بجثثهم السافاك، ونمت اللحى على وجوه شباب القرية وهم يتابعون تلك المظاهرات الشجاعة التي تتصدى بصدورها للرصاص!، وتابعت قلوبهم رحلة الإمام الخميني وهو يحط في طهران والجموع المحتشدة وهي ترفعه على الأكتاف!، وهرب الشاه من البلاد وتخلي الجيش عن مستودعات السلاح لصالح الجماهير المتدافعة!، وجلس وجهاء القرية في الحسينية بشكل دائم متحلقين حول مذياع ترانسستر من تلك التي كانوا يزمعون التخلص منها، وراحوا يتابعون أحداث الثورة الشيعية في إيران وفي رؤوسهم ينمو خوف خرافي من أن يتخلى الناس في إيران عن الإمام الخميني، كما فعل أهل الكوفة بالحسين عليه السلام!، ولكن توقعاتهم لم تكن في محلها، وأنطلق بعد ذلك صوت المذيع من إذاعة الأحواز بقراءة أنباء أنتصارات الثورة الإسلامية، وعم الفرح والارتياح قلوب أهل قرية الجوابر لأول مرة، وشعر الناس في القرية بالسعادة الحقيقية، وبدأوا بوضع سعفات النخيل الخضراء على الأبواب والجدران، وخضبت النساء باب الحسينية بالحناء، وقال الحاج حسون بسرور أمام جمع من أهل القرية:
أخيراً يا إخوتي دولة المهدي المنتظر تلوح تباشيرها في الأفق .
- 24 -
كلما عرض جاسم العطية أفكاره السياسية على شيخ المعدان أثناء جلستهما المسائية في صريفة أعدها الشيخ وجد صدوداً أو عدم رضى، وكانت الصريفة إلى جانب المضيف الذي تُحل فيه مشاكل العشيرة في الصباح، وتُحسم في جلسات مطولة الفصول وتُدفع الحشوم وتُشد الرايات. تفصل بين الاثنين زجاجة خمر، فوق الناصية الترابية التي أعدها الشيخ بعد أن اعتاد على شرب الخمرة وحتى بعد أن عرف أنها المقصودة بالتحريم!، وليست من المقويات التي جلبها جاسم العطية من المدينة كما ادعى سابقاً ولا يشملها التحريم الذي ورد في القرآن، وحاول جاسم بخبث مبيت أن تكون جلستهما في المضيف!، لكن الشيخ أخبره أن المضيف هو في حقيقة الأمر مكان رزقه ورزق عائلته، ولا يستطيع أن ينجس ذلك المكان، فوافق جاسم مضطراً، واستطاع جاسم إلى حد ما وبعد جلسات طويلة مع الشيخ ومناقشات طويلة أن يفند الكثير من قناعات الشيخ ببديهيات بسيطة ومغالطات فكرية، منها أن الخمرة صُنعت للبشر وليس للطيور، ولو كانت للطيور لما شربها الناس!، ولو أنها كانت محرمة تماماً لتوقف الناس عن صنعها وضاعت من الأسواق، فلا يجدها طالبها، أما الذنوب فكلها تقع على من صنعها وباعها، ولا يقع إلا الجزء اليسير من عقابها على شاربها، وأضاف إلى ذلك قوله وهو واثق تماماً مما يقول إن الله سيغفر لهما ذنوبهما، فلا يحاسب أبن الهور المظلوم، المسكين، البعيد عن كل ما يسر النفس ويبهجها بذات العقاب الذي يعاقب به أبن المدينة الذي توفرت له الكابريهات والسينمات ورؤية النساء بالتنورات القصيرة إلى درجة الخلاعة، والصدور العامرة، العارية، والنظافة التي تُشم حتى من الأرض التي يمشون عليها!، ولم يقصم ظهر البعير إلا حينما قال له: وماذا فعلنا لنغضب الله؟، نشرب سائلاً مراً يفري بطوننا، لمعالجة الدود والطحالب التي نشعر دبيبها في أمعائنا كل لحظة؟، أيعاقبنا من أجل أن ننيم الذئاب العاوية في رؤوسنا؟، إن الله غفور رحيم يا صاحبي، لكنه لن يدخلنا الجنة أبداً، ولن نزيد في تعاسة أيامنا بعد أن تأكدنا أننا خسرنا آخرتنا! فليس من المعقول أو المنطقي أن يدخل المعدان الجنة! لن أصدق هذا حتى لو رأيته يحدث أمام عيني، إن دخول معيدي واحد بالخطأ إلى الجنة يعني فساد هوائها وخراب خضرتها!، ولا تغضب من قولي هذا، واعتبر الموضوع من المواضيع الأخوية بيننا، وأنت قبلي أدرى وأفهم بعشيرتك وشؤونهم، فهم يا عزيزي نمامون في النهار وسارقون في الليل!، وبين الليل والنهار لا يتركون دقيقة تمر دون أن يكذبوا خلالها، كما أنهم يحلفون أغلظ الأيمان ويحنثون بما أقسموا عليه قبل لحظة! ولا ترتاح الأرض ولا السماء من شرورهم إلا حينما ينامون في القبر!. وبعد كل هذه الصفات تريد أن يدخل الرب المعدان إلى الجنة؟ لن أقول لك إنهم يدخلون النار! لكنني أجزم إنهم لا يدخلون الجنة!. وطفقا يشربان صامتين في عزلتهما. كان الإيمان عند المعدان هشاً ومختلطاً بعادات وقيم لم يعرفها الإسلام من قبل ومن بعد، بالرغم من أن الحوزة العلمية للشيعة في النجف كانت تبعث بالعديد من المعممين المتعلمين في فقه الدين الإسلامي ليعلموا الناس من سكان الأهوار شؤون الدين، وكانوا يسكنون مع الناس في الجباشات المنتشرة في عمق الهور، ومؤاخاتهم!، ويبذلون جهدهم لنشر الفضيلة، وتعميم أحكام الدين، وتحفيظ بعض سور القرآن للصبيان وقراءة المواعظ في أيام عاشوراء. وأخذ جاسم العطية يُدهش شيخ المعدان بكتاب قديم أحضره معه في جلستهما اليومية، وأخذ يقرأ له ما يخص تاريخ المعدان، فيهز الشيخ رأسه موافقاً ومؤكداً الحوادث. كان جاسم العطية قد حصل على الكتاب عند زيارته لسوق الجمعة(29) في البصرة آخر مرة من ضمن كتب قديمة أخرى أشار لها رفاقه في الحزب، وطلبوا منه أن يجعلها من ضمن برنامجه التثقيفي، وقرأ جاسم من الكتاب: وكان أول من جاء إلى تلك البقاع المغمورة بالماء والمهملة، ورأى من العجائب التي حدثت وتحدث كل يوم ما جعله يشمئز ويكتب إلى الحوزة في النجف أغرب الرسائل وأكثرها تشويقاً، وكلها تعبر بشكل واضح لا لبس فيه عن عدم فهم الناس في الأهوار لدينهم وللكثير من الأمور الشرعية التي يتداولها الناس في حياتهم بطريقة مغلوطة، وتوصفهم تلك الرسائل بأنهم لا يتورعون عن الزواج بعماتهم وخالاتهم لاعتقادهم إن ذلك ليس حراماً وفق شريعة المسلمين، وقد وجدتُ حالات كثيرة من ذلك النوع، وقام المبعوثون بتفريق المتزوجين بالطلاق، لكنهم لا يـرون ماذا يعمـلون بذريتهـم، ويطلب المبعوثون حلاً عاجلاً من جنـاب رئيـس الحوزة وفتوى سريعة لحل الإشكال في هذا الموضوع!.
ورفع جاسم رأسه ليتأكد من متابعة الشيخ لما يقرأ، وسمعه يتمتم: أجل، أجل… حدث هذا منذ زمن بعيد!.
فعلق جاسم ساخراً: وتريد أن يُدخل الرب المعدان إلى الجنة؟. فرد الشيخ: أكمل بربك، أريد أن أعرف كيف حلوا هذه المشكلة، وقد رأيت أبي يرحمه الله يحرق سجائر اللف ليحل هذه المشكلة دون أن يهتدي إلى حل!. وقرأ جاسم من جديد: وقد قال أحد المبعوثين في رسالته إنه حين أخبر المعدان بأن ذلك لا يمكن أن يتم - يقصد الزواج بالخالات والعمات - أخبروني بفرح إنهم جربوه فعلياً ونجح أيما نجاح!، ولم تقع أية عواقب وخيمة لتلك الزواجات!. وكان الدليل على نجاحهم الباهر - كما يعتقدون- هو إنجابهم للبنات والأولاد من عمامتهم وخالاتهم والعياذ بالله!. وأمام هذه المعضلة لم يكن أمامي غير أن أطلب بتفريق هذه الزواجات الباطلة كإجراء أولي!، فضحك المعدان مني وسخروا مما أقول، وقالوا: إذا فعلنا ذلك أين يذهب أولادنا؟ وهل نستطيع إرجاعهم إلى بطون أمهاتهم لتلافي ما حصل؟. وحاججوني بالدلائل الدامغة والحجج القوية ورددوا أنهم حين فعلوا ذلك لم يكونوا يعلمون ببعدهم عن مسطرة الإسلام، والإسلام يمحو ما قبله من جاهلية، وما تم في الجاهلية ولا يستطاع منعه أو السيطرة عليه في الإسلام يُترك كمرض خبيث لا يُرجى شفاؤه!، وقد كان شيخهم بلحيته البيضاء وشاربه المنتوف -وهنا صرخ شيخ المعدان وهو يدلق قدح الخمر على ثوب جاسم العطية- هذا هو أبي! إنه أبي وهذه صفاته! كانت لحيته بيضاء وشاربه منتوفاً بفعل الدمامل التي كانت فوق شفتيه!. وأخذ جاسم ينكت الخمرة الساقطة عن ثوبه، وقال ساخراً: شوارب المعدان كلها منتوفة، فكيف استطعت أن تميز أباك دون أن يذكر صاحب الكتاب اسمه الصريح؟. فردد شيخ المعدان: أنا أعرف أبي، وهو المقصود بهذا الكلام المكتوب!. صمت جاسم لحظة، وشرب من قدحه، وقال لائماً: إذا قاطعتني مرة ثانية لن أقرأ ثانية!. فقال الشيخ متودداً: لن أقاطعك، أكمل… وعاد جاسم إلى الكتاب القديم وأخذ يبحث عن الصفحة التي وصل إليها في القراءة، وقال: وقد كان شيخهم بلحيته البيضاء وشاربه المنتوف يسوق لغة وأحكاماً لا يعلم إلا الله وحده من أين جاء بها!، وحين سألته عن مصادرها أخبرني إنها من إرث أجداده، ولا أستطيع أن أوردها في رسالتي لأنها تعتمد المداورة والحيلة والقفز على الموضوعات، ليجد بعد ذلك التبريرات للأخطاء والخروقات لأبناء عشيرته التي مست جذور الطهارة والإيمان عند المعدان!. وفي نهاية حواري الطويل معهم أخبروني إنهم سينفذون ما طلبته منهم من تفريق بعد أن نحل لهم مشكلة الأولاد والبنات!. فقعدت حائراً مهموماً أمسد لحيتي وأتدبر الأمر، ولم أجد في نهاية الأمر غير أن أكتب للعلامة رئيس الحوزة أطال الله عمره، بعد أن أعيتني حيلتي وطالب عقلي بالمشورة وإصدار الفتوى المناسبة لحل هذا الأمر الخطير!.
وعلق شيخ المعدان: لقد حيرهم، وجعل صغيرهم يسأل كبيرهم ذلك هو أبي يا جويسم!. ودون أن يهتم جاسم بالمقاطعة أكمل: وفي رسالة أخرى كتبها أحد هؤلاء الموفدين ويُدعى الحاج شلتاغ نور الدين الفقير لله، ووجدت في السجلات القديمة المهملة، المتروكة من سنين كثيرة، في إحدى سراديب الحوزة في النجف: إن إرساليات أجنبية، إنجليزية وأخرى هولندية، أقاموا لهم فوق إحدى الجباشات القريبة من حماد الجبايش ما يشبه الكنيسة لتنصير الناس وحثهم على ترك دينهم الإسلامي، وقاموا بتوزيع الملابس القصيرة عليهم! لكنهم بالرغم من جدتها ونظافتها لم تناسب أذواق أهل الهور من المعدان!، فمزقوها وحولوها إلى رايات وعلقوها بأعواد فوق صرائفهم لتطرد الجان والأرواح الشريرة! كما أن كل المعدان تقريبا عشقوا المرأة النصرانية الشقراء وأسمها كلوديا، وقد سمى الآباء في تلك السنة بناتهم المعيديات الصغيرات بأسم كلوديا!. وهنا قاطعه شيخ المعدان ضاحكاً مؤكداً ما جاء في الكتاب وقال: أجل حدث ذلك من زمن بعيد، ومازالت حتى هذه اللحظة امرأة كبيرة في السن تُدعى كوديا وتعيش في أطراف الدبن! سأريك جباشتها في الصباح!. وشرب من قدحه رشفة والتهم بكفه قبضة حمص مسلوقة، ومن خارج الجباشة جاء نباح كلاب، بعيداً متلاشياً، ووشوشت مويجات صغيرة على جرف الجباشة، وأنقطع نقيق الضفادع، لحظات، ثم عاودت نقيقها بعنف، كأنما نفد صبر الإناث في طلب الذكور، وأكمل جاسم:
وتلك الجميلة، التي كانت تُدعى كلوديا كانت تعالج النساء بأدوية ولفافات نظيفة جلبتها معها من بلاد الفرنجة، وقد ترك أهل الهور مصادر رزقهم وجلسوا أمام الإرسالية ليحظوا بنظرة من وجه تلك النصرانية الجميلة، الرشيقة القوام، بعنق طويل كالزرافة، وشعر كسبائك الذهب!، أما هي فلم تهتم بأحد منهم، واكتفت بأداء أعمالها اليومية المعتادة! مداعبة كلبها الضخم، الذي كان يراقب المعدان الجالسين بعينين حذرتين وروح عدوانية متوثبة لتمزيق الحشد حالما تأمره صاحبته بذلك، والموضوع برمته في الأهوار أصبح حرجاً، بسبب أن أهل الهور لا يتورعون عن أكل الطعام النجس الذي يوزعه عليهم صاحب الإرسالية النصراني، بثوبه الأبيض الواسع، الموشى بالدانتيل الأحمر، ظهر كل يوم أحد، عقب إقامة صلواتهم وتلاوة تراتيلهم التي لا يفهمها أحد، ويقومون بعد ذلك بتوزيع الصلبان الفضية والنحاسية مع الطعام على الناس، وتلك الصلبان معلقة بسلاسل صغيرة، فاعتاد الناس وضع تلك السلاسل حول رقابهم، ويندر في هذه الأيام أن تجد معيدياً في الأهوار وهو لا يضع هذه البدعة في رقبته!. وهنا كرر شيخ المعدان ضاحكاً، وقال: أجل حدث كل ذلك في عهد جدي الشيخ مجاري الغضبان(30)!.
أكمل جاسم دون أن يهتم للمقاطعة: والوضع خطير وأريد أن تصدروا فتوى لتحريم طعام النصرانية وبدعة السلاسل التي يضعها أبناء المعدان حول رقابهم كزينة، وختم رسالته بتلك اللازمة المتكررة في الرسائل المتبادلة، بالدعاء لرئيس الحوزة. وتمتم الشيخ بلسان معوج، وقد بدأ تأثير ما شربه من أقداح الخمرة يظهر في نطقه وتنمل ساقيه وحركة يديه: كانت الحياة أجمل في تلك الأيام يا جويسم!. أنا لم أر كل الذي تحدث عنه مبعوث النجف، لكنني سمعت أبي يقول بعض الأخبار التي رواها هذا الرجل!. وأخذ جاسم العطية الكتاب وقربه من نور الفانوس وأخذ يقرأ من جديد: وبعد أكتب إليكم حول نقص الخمس الذي نجمعه من أموال الأهالي، كفرض إسلامي، يقابله النصارى في الطرف الآخر بإعطاء الهدايا والهبات وتوزيع الطعام والصور الملونة التي ما عادت صريفة من صرائف الهور إلا وعُلقت في خصاصات قصبها صورة من هذه الصور للزينة وللتبرك بالوجوه الجميلة، المرسومة بدقة عجيبة، وحول رؤوسها طاقات من النور!. أكتب وألح عليكم بضرورة إرسال صور ملونة لآل البيت، والمسابح النجفية والترب الكربلائية(31)، وتخصيص المبالغ المناسبة لمساعدة الأهالي في شراء الكسوة، وما أمكن من هدايا المصاحف القرآنية الكريمة، وأبلغكم أن الإسلام في هذه البقعة من وطننا سيضيع، وها أنا أقرع لكم ناقوس الخطر!، سيتحول المعدان بعد فترة قصيرة إذا ما أسرعنا وقارعنا الوسيلة بالوسيلة والحجة بالحجة من مسلمين إلى وثنيين!. والمعروف لي ولكم أنه لا يمكن تنصير المسلم، بل استحالة ذلك عملياً!، لكنهم سيضيعون الطريقتين وسنجد الهور ملآنا بالناس التائهين!… وأفيدكم إن الأمية هنا تنتشر مائة في المائة!، وما أقوم به من تحفيظ الآيات القرأنية القصيرة للرجال والأولاد لا تفيد إلا في إتمام تعليم فروض الصلاة، والدعاء إلى الله في نصرنا على أعداء الإسلام وآل البيت عليهم السلام!، ونرجوا من الله أن يخلصنا من شرور البعوض الذي أخذ ينتشر في هذه الأيام بكثرة لم ير الهور من قبل لها مثيلاً، ويسير سحابات متصلة ليلاً ونهاراً تحجب نور الشمس حتى النصراني في الإرسالية امتنع هو وجماعته في الأحد الماضي من الخروج لإقامة صلواتهم المعتادة، وبقوا سجناء وكرهم!.
وهنا صاح الشيخ مصححاً وهو يمضغ حبات الحمص المسلوقة: أجل حدث هذا منذ زمن بعيد!. وأكمل جاسم القراءة دون أن يهتم بالمقاطعة: ولا يجدون الجرأة في الخروج لمواجهة غضب الله، أما نحن فنواجه ذلك القدر بقلوب مؤمنة! ونلف شماغاتنا على وجوهنا فلا تظهر منا سوى العيون!، ونسير وكأننا نمشي في روضة من رياض الجنة!، ونؤدي أعمالنا ونقضي مصالحنا ونهدي الناس للتي هي أقوم وأصلح!، وينصر الله من يشاء من عباده ويقدر والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته!.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
1- مطرب ريفي قديم من جنوب العراق.
2- المكان الذي يستقبل فيه الشيخ ضيوفه.
3- جمع فخذ، وهو فرع العشيرة.
4- الأمراض المعوية.
5- الأرض المرتفعة في الهور والبارزة كجزيرة.
6- جمع إزار، وهو غطاء صوفي خفيف يستخدم بشكل واسع في جنوب العراق.
7-يشبه السوط ولكن ضفائره من المعدن.
8- ابن الحسين بن علي(ع).
9- قائد الجيش الأموي الذي حارب الحسين(ع).
10- يزيد بن معاوية.
11- طُبعت الملايين من النسخ وبِيعت في الأسواق منذ بداية القرن التاسع عشر في إيران والعراق وتركيا.
12- العراق وخرسان وأجزاء كبيرة من إيران.
13- من نسل الإمام علي(ع) اختفى في سامراء في العصر الثاني من الدولة العباسية.
14- سامراء الحالية شمال بغداد.
15-منطقة في أهوار الجنوب تظهر ليلا محاطة بطاقة حمراء من النور.
16- يُحزم قصب البردي على شكل فراش سميك يطفو فوق الماء.
17- علي بن أبي طالب(ع).
18- سيف الإمام علي بن أبي طالب(ع).
19- تغطي الأهوار ثلثي مساحة جنوب العراق.
20- المدن الصغيرة على ضفاف الهور.
21- قرية في هور الحمار في جنوب العراق.
22- الدهن الحيواني.
23- الأرض المنبسطة.
24- أداة لحفر الأرض تستخدم في جنوب العراق.
25- ما يدفع من مال لأهل القتيل كتعويض.
26- الشرطة السرية في عهد شاه إيران.
27- نقاط التفتيش على الطريق بين المدن.
28- غطاء أسود للرأس يستخدم في جنوب العراق كثيراً.
29- سوق يعقد في البصرة يوم الجمعة تباع فيه كل الأشياء القديمة، وضمنها الكتب والمخطوطات.
30- لاحظ أن المعدان يسمون أولادهم بذات أسماء أجدادهم، واسم شيخ المعدان مجاري كاسم جده الراحل.
31- جمع تربة، وهي قطعة من تراب نقي مجفف من كربلاء تستقر عليها جبهة الشيعي الذي يصلي كموضع طاهر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























