عراقيون أجناب ….الجزء الثالث
كتبهافيصل عبد الحسن ، في 18 تموز 2009 الساعة: 09:34 ص
أخيرا وجد جاسم العطية جباشات المعدان في الهور وهو ما يبحث عنه من أمان بعد أن طرد نفسه من قرية الجوابر حاملا كارتونات ملابسه وكتبه، ووجد صديقا قديما من المعدان أسمه عاقول أرشده إلى جباشة صغيرة كانت تستخدم فيما مضى زريبة للجواميس، ووجدا قريبا منها مشحوفا مثقوبا رمماه معا بقبضة من القير والألواح الخشبية، ورفع جاسم إعلانه الكارتوني فوق الصريفة الوحيدة: مقر الحزب الشيوعي، ياعمال العالم اتحدوا!. وأخذ يتأمل ذلك العنوان في جباشة منفردة تتوسط المعدان. ومنذ اليوم الأول استقل مشحوفه ليتعرف على جيرانه وأعضاء الحزب الشيوعي المستقبليين. كان في قرارة نفسه يعرف أن المعدان لا يُعتمد عليهم البتة، فهم عكس أهل القرى والأرياف، ليست لديهم كلمة ولا أمان بينهم، ولا تقودهم إلا غرائزهم ومصالحهم، ولا يفقهون من الحياة سوى ضرورياتها، فكيف يستطيع تحويلهم إلى مناضلين؟، وهو بالذات لا يعرف من الشيوعية سوى شعاراتها وحفظ أفكارا غائمة مختلطة بروايات شائهة عن الجنة السماوية، التي سمع الكثير عنها في حسينية القرية، مختلطة بصور أخرى من حكايات رفاقه عن رجال سمان بسحنات شقراء وعيون خضراء يلبسون بزات العمل وتنهال عليهم وعلى أولادهم بركات الاشتراكية، وتمتلئ أفرشتهم في الليل بأقداح الجعة الروسية والنساء النظيفات عاريات الصدور والمؤخرات، يرقصن كالجنيات ويرددن كلمة حبيبي بمناسبة ودون مناسبة!. ونظر إلى مياه الهور المترامية بعد أن رتب كومة القش وغطاها بجلد الخروف ومخدة القطن، وجمع ما لديه من منشورات حزبية، وكتب إلى جانب المخدة، وتنهد كأنما كل هموم العالم قد انزاحت فجأة عن صدره!.
- 14 -
وتتحدث النساء في قرية الجوابر عن نرجس جميلة الجميلات التي لم ير أحد لجمالها مثيلا، كان عنقها طويلا كعنق غزال، ولسعة عينيها تحرق أبدان الرجال وتذهب عقولهم وتفتن أبصارهم، وتشيع الارتباك والرغبة بالبكاء عند الشباب، فلا تعرف الأقدام مواقعها على الأرض، فيصطدم الرجال بالرجال والنساء بالنساء، ونرجس تعرف ما توقعه في الآخرين من فوضى فتعلو ضحكتها المجلجلة، فتوشك الألباب أن تطير، وتقترب الأنفاس من التقطع من لهفة الطمع فيها ولذة رؤياها مثيرة الخدر والذهول، ويقولون في القرية إن ما أذهب عقل هلال شيء غير جمالها، فقد كان طالبا للعلم في النجف جاء إلى أهله في إجازة، وكان يرتب كتبه في باحة الدار متشمسا بالمشراقة(1) بعد ليلة باردة حين فاجأته داخلة الدار بصدرها العاري، النافر، وجسدها الطافح بالإنوثة والإغواء، ولا يسترها غير ثوب خفيف وعباءة مفتوحة، فما إن رآها الشاب حتى شهق وعطس مرتين واحمر وجهه واصفر، وأُصيب يومها بالحمى الشديدة، وأخذ يردد بعد ذلك أبياتا من شعر أبي نواس، ويبكي ويضحك ويجول في دروب القرية ليلا ونهارا، تاركا لحيته تستطيل ولا يعبأ بما يلبس، فأضاف الناس بعد يأسهم من شفائه لقب المجنون إلى أسمه، فأصبح يُعرف بهلال المجنون!.
وأوشك شباب القرية على الاقتتال من أجلها، ولم يكن ذلك معروفا في القرية من قبل، فليس من المعقول أن يتقاتل الإخوة وأولاد العم من أجل امرأة!. والمرأة في القرية ليست حلما، إنها حاضرة لتلبية رغبات الرجال بالزواج، والفتاة عادة هي التي توقع بالرجل ليتزوجها، وهي التي تغريه وتقربه، وتسمعه الغزل وتحثه على الإقتراب منها، ففيض النساء في القرية يعطي للمرأة دورا لتكون الصياد الماكر لا الفريسة. والقرية منذ وعت الجدات وأمهات الجدات تعاني من كثرة الإناث تقابلها قلة في أعداد الذكور، وليس معروفا ولا معتادا أن تزوج القرية بناتها لرجال من خارج القرية إلا في حالات الفصل، وهي من الحالات النادرة، فصار لزاما على الرجال أن يتزوجوا أكثر من واحدة ليحدوا من الفرق الكبير الحاصل بين عدد الإناث والذكور، فليس غريبا أن يجيء أبو البنات في القرية ليزور البيوت، ليزوجهم ببناته، وينتخب لابنته عريسا، وليس من عادة أهل الجوابر إرجاع أب البنات خائبا في مسعاه مهما كانت الظروف، وذلك العرف في القرية يجعل الأكبر سنا أكثر سعادة، وقد جربوا حظهم في الزواج مرة أو مرتين قبل ذلك وأنجبوا ذكورا وإناثا، ولا ضير البتة من شابة جميلة جديدة يستعيدون في سريرها أيام شبابهم السالفة، وتذيقهم المتع التي حُرموا منها بسبب شيخوخة نسائهم المبكرة، ولن يكلفهم ذلك سوى بناء صريفة جديدة تضاف إلى بيت العائلة، ويقوم بذلك العمل أولاده وزوجته الكبيرة وأولاد عمه، وهو يبقى يراقب ذلك مدخنا لفافة تبغه، معلقا على عملهم بين الحين والآخر بالرضى أو الشتم!.
نرجس في ذلك الوقت تحولت إلى موضوع للخلاف. أصبحت الشرارة التي ستحرق القرية من أقصاها إلى أقصاها، كان معظم الشباب يأملون ويتمنون أن يضعوا أيديهم على هذا الكنز الهائل من المفاتن، ويريد الواحد منهم أن يكتشف جغرافيا هذا الجسد البديع الذي يبدو من خلال ملابسها الموشاة بالورود عملاقا باذخا، ولا يمكن لرجل أن يعتليه أو يبحث في تضاريسه عن المتع العادية التي يجدها في النساء الأخريات، والتفكير بما يختفي خلف ملابسها ويورث الدوخة والارتجاف في أجساد الرجال، فكيف إذا كان الجسد بأكمله، بعاجه وذهبه وفضته تحت الشراشف وفوقه ناموسية، ولا شيء يعكر المزاج أو يدعو للخوف والتردد أو للتوقف عن المغامرة والاكتشاف؟، أية لذائذ يمكن أن تبذلها نرجس لفارسها؟، تركوا لها الخيار بعد أن ازداد الاختلاف، فقبلت بابن الشيخ جلال، فبنى إخوته وأعمامه صريفة وندفوا له فراش العرس من القطن الناصع البياض وملأوا الوسائد بريش الدجاج، وفي ليلة العرس سهرت القرية بأكملها ترقص وتغني وعلت الزغاريد. كان هلال المجنون الوحيد في تلك الليلة العظيمة الذي يجول في دروب القرية المظلمة مزبدا مرعدا!، لم يحضر وليمة العرس كأنما كان يعرف -برغم جنونه- إنها ليلة زواج الحبيبة!، المرأة التي أفقدته عقله، وجعلته ينام مع البهائم ويحدث الأشجار، ويروي قصصه للغيمات المغادرة في السماء الشاحبة، بقي يهدر بصوت غير مفهوم والزبد الأبيض يتجمع حول زاويتي فمه، وعيناه تطفحان بألق غريب، وهو ينادي مخلوقات لا يراها سواه أن تقتص من هذه الأرض، أن تغرقها بفيض من القرود وأسراب النمل والبعوض والقراد والأمراض الفتاكة، وفي تجواله العشوائي المعذب، كان يصل إلى الخوان الذي أُقيم لعرس نرجس، ويرى الناس الجالسين تحت أنوار اللوكسات(2) التي تنير المكان، وأمام ذلك المكان يصرخ بصوت عال ويرجع إلى الوراء كما تفعل شاحنة كبيرة محملة إلى أقصاها بالحمل، ويختفي في الظلام!. وفي ساعة متأخرة من الليل دخل العريس على عروسه بزفة كبيرة، وبعد ساعة من دخوله علا صراخ وعويل أهل الدار، لم يحتمل قلب العريس ذلك الجمال الغريب، فتوقف ذلك القلب حين مست أصابعه ذلك الدفء الأنثوي الرائع، وسبحت عيناه في ذلك اللحم البض، المتعري، توقف القلب عن النبض وأصبح باردا كقطعة حديد صماء، وبقيت العينان تحدقان في اللاشيء، فلم ترتويا بعد من مفاتن نرجس، ولا تمتعت شفتاه بلذيذ مناجاتها تحت الناموسية البيضاء في نور الشموع!. حاولوا تخليص رمانة السرير النحاسية اللاصفة من قبضة يده المتشنجة، لكنهم لم ينجحوا، فقط وحدها نرجس حين مدت أصابعها بجرأة إلى كفه المتشنجة استطاعت أن ترى انفراج تلك الأصابع، ولم يستطع أحد إغماض جفنيه غيرها، وفي تلك الساعة حضر هلال المجنون وعلى سحنته السمراء، المتربة، ثمة هالة غريبة من النور، فأخذت النساء الحاضرات يتبركن بلمس سترة هلال القديمة، المفتوقة في أكثر من موضع، ويهمسن بينهن: إنها شارته، ولولا هذه الشارة لما مات العريس!. ومنذ ذلك اليوم تحول هلال المجنون إلى رجل مبروك، وتحولت نرجس بين يوم وليلة إلى موضوع لحديث أهل القرية المزمن وحكاياتهم عن الجمال الغامض المشحون بالأسرار والمخاوف، وذلك كان يقودهم للحديث عن الجن والنساء المسكونات بالجن، فلِمَ لا تكون نرجس واحدة منهن أيا تكون، فقد خلبت لب الرجال وأعادت الصراع بينهم حولها من جديد، وطفق الرجال ينتظرون إكمال عدتها من زوجها الراحل ليتقدموا إلى أبيها طالبين يدها، لكنها هذه المرة رفضت الجميع، ولم تحدث أحدا، فاحترم الجميع جمالها الصامت، وبقيت بين أثاث عرسها الجديد في صريفتها المبنية حديثا لشهور عديدة ؛ لكنها بقيت حديث المجالس، وحسد النساء وأمنية الشباب والرجال في قرية الجوابر، كانت الأرملة العذراء الوحيدة المثيرة للطمع حتى العظم..
- 15 -
شهر محرم من كل عام يكون عادة شهر الحزن والبكاء في قرية الجوابر، ويبدأ الناس بتغطية جدران الحسينية بالقماش الأسود، وتهيئة الرايات الخضر التي طُرزت عليها بالخيوط البيضاء كلمات ياحسين ياشهيد كربلاء، وتنشرها الريح فوق الصرائف ووسط ساحات القرية مرفرفة، ورمانات البيارق النحاسية تهتز بإيقاع، وتهيئة الهوادج التي ستوضع على الجمال، حيث يتم تمثيل واقعة الطف(3) في اليوم العاشر من أيام عاشوراء وسط القرية، وستحمل الهوادج أبناء الحسين(ع) وعياله وتُجهز خيول القرية بالسروج المغطاة بالقماش الأحمر، والسيوف الطويلة المشرعة التي يحملها من يمثل جيش يزيد بن معاوية، وتبنى الخيام على الربوة المرتفعة لتكون مركزا لجيش الحسين الصغير(ع)، الذي سيُحاط بالآلاف المؤلفة من جيوش الأمويين، وسيكون الجيش الأموي حاجزا بين هذا المعسكر وضفة نهر الفرات، وسيُمنع أصحاب الحسين(ع) من المرور لأخذ حاجتهم من الماء، فيظهر الأطفال من فتحات الخيم الأمامية يصرخون من العطش طالبين الماء، ولا مجيب لهم غير رشق السهام الآتية من رماة الجيش الأموي، وسيظهر الحر بن زيد الرياحي واقفا إلى جانب الجيش الأموي وهو يخير نفسه بين الجنة والنار، وأخيرا يختار الجنة(4) فيلكز فرسه فيخب به صوب معسكر الحسين(ع) لينال شرف الشهادة معه، ويظهر الشمر(5) جائلا بثوبه الأحمر وسيفه وحذائه الأسود وقد تسربل بالدروع والحديد، وهو يتوعد ويهدد بذبح الحسين(ع) وآل بيته وأصحابه أجمعين، ويبرز الحسين(ع) متقدما على فرسه صوب الجيش الذي جاء ليخمد ثورته ويخاطبهم محاججا، فيقولون له: ماذا أتى بك إلى أرض العراق؟، أتطلب الملك والملك لغيرك؟!. فيقول: ما جئت إلى العراق لولا رسائلكم التي طالبتني بإداء دوري كمسلم يدافع عن شريعة الله على الأرض، وقد بايعتموني بستين ألف رسالة(وهنا يُظهر رسائل أهل الكوفة وأهل العراق، وهي آلاف القصاصات من الورق وينثرها أمام العسكر فيبحث كل واحد من جيش العراق عن رسالته لئلا تقع في يد زميل له في جيش يزيد فيحاسبه الأمويون على مبايعته للحسين(ع)، وهنا يهمس أحد أصحابه: أن يبدأوا الهجوم على جيش الأمويين ماداموا في هرج ومرج، ولكن الإمام(ع) يرفض أن يبدأهم بحرب!، ويطلب منهم في ذلك اليوم العصيب أن يخلوا بينه والرجوع إلى الحجاز، فهو لم يأتِ ليقاتلهم، لكنهم يعرضون عليه أن يأتي معهم إلى يزيد في دمشق ليبايعه بالخلافة، لكنه يقول لهم مقالته المشهورة والمؤثرة رافضا أن يُذل: لا والله لا أعطيكم إعطاء الذليل وفي عروقي دم ينبض!.
وأثناء تمثيل تلك الواقعة ترى نساء الجوابر والأطفال والشيوخ وقد وضعوا على رؤوسهم الوحل وأيديهم تلطم صدورهم ووجوههم والدموع تسيل من عيونهم، والسماء قد امتلأت بالغبار، وشحبت الشمس، واهتز قصب البردي، وصفرت الريح بين أغصان الجولان، كأنما تسمع وترى وتتأثر بما يحدث لسيد شباب أهل الجنة وهو يضع أبنه الرضيع عبد الله أمام مرأى الجيش الأموي طالبا منهم القليل من الماء فقد جفت شفتاه ويبس الضرع، فلا حليب ولا ماء. كان جلوسه فوق فرسه وبيده الرضيع، لفافة صغيرة تثير شفقة من لا شفقة في قلبه!، ويعلو صوت صراخه يشكو العطش والجوع، ويقول الحسين(ع) لهم: إنه رضيع لم يأتِ لقتال!، ولا يعرف شيئا مما يدور حوله، ولا أطلب منكم سوى جرعة ماء، فها هو الفرات تشرب منه الدواب ولكلاب والخنازير، وهذا الرضيع الذي جده رسول الله نبيكم(ص) -ثم يتساءل بحرقة- أفي هذا الجمع من لا يعرف رسول الله محمد(ص)؟!، أفي هذا الجمع من يعطي الرضيع جرعة ماء حبا بالرسول الكريم؟. فلا يجيب أحد، سرائرهم تقول: اُسقوه، إنه رضيع!، وفريق آخر يقول: الأمر لابن سعد قائد الجيش، إن أراد سقاه وإن لم يرد منعه!، وفريق ثالث يقول: لننتهي من هذا الأمر، إنه يجعلنا في شقاق!. وتتحامل السماء غاضبة فتشرق بالغبار والغيوم الحمراء، وتضيع الشمس متحولة إلى كيان هش ممزق، وتنوس أوراق البردي، وتنكمش زواحف النهر، ويهز أهل الجوابر رؤوسهم وعويلهم يعلو ومخاطهم يسيل، والنساء يشقن أزياقهن ويصرخن، كل ذلك لا يمنع أحد جنود جيش يزيد من أن يمتشق قوسه ويلقمه بالنشاب، ولا يترك في القوس منزعا ويرمي عبد الله الرضيع بالنشاب!، فيأتي السهم القاتل في رقبته!، وينظر الحزين إلى طفله الذبيح وهو يرفس في حضنه، فيجمع الدم في كفه الشريفة ويرميه إلى السماء فلا تسقط إلى الأرض قطرة دم واحدة، وتخرج من المخيم أمه صارخة تتبعها بقية نساء المخيم صارخات، وتمطر السماء ترابا مدافا بالدم والدموع، وتهب ريح شديدة، ويختفي الحسين(ع) وابنه الشهيد وعياله في دوامة من الغبار الكثيف(الآن سال الدم، ووقعت الحرب، لقد قُتل ابن الحسين(ع) ذبحا بالنشاب وسالت روحه في ذلك الفضاء الواسع! وثمة ملاك بأجنحة بيضاء أخذ دم الرضيع إلى جده الرسول الكريم(ص) ليريه ما فعل أهل العراق بحفيده، وتصيح الملائكة في السماء: يا أرض ضجي بالبكاء، يا ريح انظري واشهدي ما فعله العراقيون بابن بنت رسول الله(ص)، واشهدي بالألم وتوعديهم بالآلام الدائمة والذل حتى يوم القيامة!)، ذلك ما ردده راوية عجوز يرتدي الرداء الأبيض ويقف بين الجيشين معلقا على الأحداث الدائرة أمامه.
- 16 -
لم تختلف النساء على تقييم جمال الجميلات في قرية الجوابر مثلما اختلفن حول ليلى أبنة السيد مهنا، العلوية من نسل الرسول(ص)، ربما كان ذلك الاختلاف بسبب احتشامها ورقتها وذلك الخفر النبيل في قسماتها، وعدم ظهورها الزائد أمام الرجال والنساء سببا للاختلاف حول جمالها. لقد بدت للنساء ندية العينين كأنما ترطبتا بدموع ذرفتها قبل قليل، بفم مرسوم كالقلب وصدر واسع وطول أهيف، مكتنزة الكفين، رقيقة الجلد، طويلة الأصابع، رقيقة القد، ممشوقة القوام، إذا تكلمت سحرت السامعين بصوتها الرقيق، الهادئ، وارتعاشة شفتيها وهزة رأسها، كأنما تخرج الكلمات من قلبها واضحة النبرات، مشحونة بروح الأنثى وسحرها. بدأ الاختلاف حول جمالها بين النساء أولا، وكان لبياضها المزدان بسمرة خفيفة وشعرها الخشن، الملفوف في فتائل ووجنتاها المرتفعتان الكثير من أسباب سوء الفهم لتقدير جمالها، ومدعاة للاختلاف لعدم وضوح مقاييس الجمال التي اختفت منذ زمن قريب بسبب حصول النساء في القرية على أدوات تجميل حديثة جُلبت من المدينة: أحمر الشفاه وأصباغ الشعر المختلفة ومساحيق الوجوه والدهون والمراهم، ووسائل مسك الشعر، ومشدات الصدور والبطون، وتقويم النهود، وأقلام الكحل وأنواع العطور، كل ما جاء من المدينة بدأ يبعد النساء العارفات بمقاسات الجمال القديمة من الرجوع إليها، ولذلك بقيت ليلى دون تقييم حقيقي لجمالها بين الجميلات. أما الرجال، فم يحظَ أحد منهم بنظرة عميقة لما تخفي ابنة قريتهم من مفاتن تحت هذا الخفر والجمال الممتنع الذي تتمتع به. وحسب أعراف أهل الجوابر، لا يمكن لفارس أن يعتلي أنثى من آل بيت الرسول(ص) غير واحد من نسلهم، ولم يكن في القرية من السادة سوى السيد مهنا والدها وأخيها مرتضى، فبقيت ليلى وقفا جميلا، لا يجرؤ أحد الاقتراب منه غير وادي بن كعيد البلام، الذي كان يعمل في الأرض مع والدها بعد أن ترك العمل في أرض عائلته، وكان الشاب يحظى منها بنظرة كلما جلبت لهم طعام الغذاء، فيشعر لحظتها أن تعبه في حرث الأرض قد تبخر وأن جوعه العظيم قد اختفى، وحالما يختطف من يدها الصرة ويضعها تحت إبطه يشعر أن المئات من الجان تركبه، والكثير من الأفكار تدور في رأسه، ولكن لسانه لا يطاوعه أن يقول ما في قلبه، فتبقى الكلمات تائهة على شفتيه لا يجد رابطا يؤلف بينها ولا كابحا لتقليل نبض قلبه الذي ينبض نزيفا من الدم لا يعلمه إلا الله، ولا قدماه المرتجفتان كقطعتي قماش تم غسلهن آلاف المرات حتى تفتق نسيجهن، وأصبح من المستحيل نشرهن أمام الشمس دون أن تسقط الأجزاء قطعة هنا وقطعة هناك، وهي تنظر إليه بخفر، عالمة بحاله وبما يحرص على إخفائه من مشاعر ولواعج، وكانت كأنما تنظر إلى شيء لا يخصها، وتتمنى لو تتنهد، لكنها تخشى أباها، فهي تعرف أنها حصة السيد الشيعي الذي نسله من آل البيت، ولا تدري حتى هذه اللحظة أين يقيم وما هو اسمه، وإنها بانتظاره مهما طال الزمن وذبل الجمال، وتعبت العينان من الانتظار والتحديق والصبر.
كان الملا قنبر كلما زار السيد مهنا في داره ورأى ليلى صلى على الرسول، وقال لها:
إنه قادم، لم يبق على مجيئه إلا القليل، فعليك بالصبر يا ابنتي!.
ولا تجيب الملا الذي ينشغل بعد ذلك بالحديث مع أبيها عن موسم الزرع والصيد، وهو يشرب فنجان قهوته الذي ملأه له أبوها للمرة الرابعة، وحدها تجلس وتتخيل قدوم هذا السيد الشيعي، كيف سيكون؟، وهل سيوليها حنانه ورعايته؟، هل يجيء إلى القرية من مكان بعيد؟، أيكون كبيرا في العمر أم شابا؟، أيحمل حقيبة في يده؟. إنها لا تفضل أن تكون له لحية كلحية أبيها، ولا يضع على رأسه شماغا أزرق كما يفعل السادة، إنها تريده بلا ذلك كله، عاري الصدر، مفتول العضلات، يجيد الغناء، ويعرف كيف يروي الحكايات، وكانت تغمض عينيها ليتشيأ بطلها في خيالها وينوش طوله سقف الصريفة الواطئ!.
- 17 -<
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























