عراقيون أجناب …الجزء الثاني
كتبهافيصل عبد الحسن ، في 19 تموز 2009 الساعة: 10:56 ص
- 7 -
عند رجوعه من غربته في المدينة زاره رجال قريته لرؤيته والسلام عليه، وبالرغم من أن أباه كان مسرورا بهذه العودة، لكنه لم يعلق بشيء صراحة وتركه كأنما لا يراه، وعندما رجع الناس من زيارته، سرت شائعة في القرية بأن جاسم عاد من المدينة كافرا، وأنه تحول إلى شخص شيوعي، ولم يكن أحد في القرية يستطيع أن يفرق بين كلمة شيعي وشيوعي، حتى إن الرجال الكبار في السن تساءلوا بحيرة عن الفرق بين الكلمتين، وأن الاسمين لا يختلفان إلا بحرف الواو الزائد في الاسم الثاني، وهي غلطة في النطق ليس إلا، وربما أن ذلك الواو يزيد من شيعية(1) الشيعي ويجعله أكثر تمسكا بآل بيت رسول الله(ص). ولكن من اطلع على أمر جاسم ورأى الكتب التي يحملها وما دار بينه وبين الباقين من نقاشات، اكتشف أن الفرق ليس حرف الواو وحده، بل هناك من الفروق كالمسافة بين السماء والأرض!. في البداية ضحك الجميع من هذه البدعة الجديدة، ونظروا إلى جاسم العطية وهو بالبنطلون الضيق والقميص المزركش وتساءلوا بينهم وبين أنفسهم ألا يخجل ابن العم الضال هذا عما يفعل بنفسه، وتمنت النساء والبنات قماشا ناعما كقماش قميصه ليفصلنه أثوابا لهن استعدادا لعيد الأضحى القادم!. وقام جاسم بعد عودته بأيام بتوزيع منشورات صفراء مطبوعة بكلمات كبيرة سوداء على بيوت الفلاحين والصيادين من أهل الجوابر، وطلب منهم قراءتها وهو يعلم أن معظمهم لا يعرفون القراءة والكتابة. وأخذ عند نهاية كل شهر يمر على البيوت ويطلب مالا وبقدر الإمكانية، لغرض إرساله إلى الحزب في المدينة. ولم يكن أحد يعرف ماذا يعني الحزب وما فائدة هذه الدريهمات القليلة التي يجمعها جاسم من كل بيت، وكان الناس يعطونه هذه الدراهم رأفة بحاله، لاعتقادهم أنه قد أصيب بمس من الجنون وعليهم تطييب خاطره، فهو لا يعي ما يفعل وعليهم أن لا يكسروا خاطره ويعاملوه على قدر عقله وما به من لطف، وكان هلال المجنون يشاركه في جولاته بالرغم من محاولات جاسم العقيمة لإبعاده عنه، مما جعل تهمة جنون جاسم العطية تصهل في أفواه الناس، وحالما يختفيان من أمامهم يسألون الله أن يشافيهما ويرد لهما عقليهما.
وأخذت الحماسة جاسم العطية يوما فحمل قطعة كارتون لا يعرف أحد من أين حصل عليها وخط عليها بقطعة فحم وخط ركيك هنا مقر الحزب الشيوعي، وأسفل ذلك كتب ياعمال العالم اتحدوا!. ولم ينس علامة التعجب التي رسمها رسما دقيقا، وعلق تلك الكارتونة في باب المضيف، وطيلة الوقت كان هلال المجنون يراقبه، وكان قبل أن يصاب بالجنون من طلبة العلم في النجف، وكان وهو في جنونه حافظا للنحو العربي ويتحدث العربية الفصيحة مع هزة في الرأس، وتحريك للحروف وتخريج للألفاظ بشكل سليم، فقال وهو يراه يعلق قطعة الكارتون:
يا مجنون قريتنا!.. هلا تفضلت علينا بعناقٍ؟.
وصرخ به جاسم العطية أن يذهب إلى حال سبيله، فأطاعه هلال وهو يهز رأسه ويده متبرما وذهب صوب دكان كعيد البلام، وشاءت المصادفات أن يكون الكثير من ضيوف والد جاسم في المضيف وقد قدموا إليه من البصرة لتسوية خلاف عشائري(2) قديم. ومرت في عصر ذلك اليوم سيارة شرطة مسلحة تبحث عن المهربين عبر الحدود مع دولة إيران، فأُصيب الضابط الذي يقود الدورية بالدهشة وهو يجد نفسه فجأة أمام مقر للحزب الشيوعي كما تشير اللافتة الكارتونية المعلقة في مقدمة المضيف(3)، وهو الحزب الوحيد الذي تمقته السلطة وتناصبه العداء، وتصفه بالكفر والعمالة للأجنبي، بل تجعله في صف واحد مع الخائنين والمجرمين، فأمر الضابط شرطته أن يتهيأوا للقتال فقد كان المضيف مملوءا بالكوادر الحزبية، وقد بدا على سحناتهم التعب والإرهاق، ويوحي منظرهم أنهم من قيادات الحزب كان الضيوف من كبار السن وقد بدت على وجوههم آثار تعب الرحلة من الجنوب حتى بلغوا مضيف العطية. وكانت العادات ومازالت أن يلبس المسافر من مدينة إلى أخرى خير ملابسه وأكثرها جدة وفخامة. وبالفعل اتخذ رجال الشرطة وضعية الهجوم، وتقدموا من المضيف، وبشكل غير متوقع استسلم الجميع للشرطة دون قتال، وهم لا يعرفون ما هي القضية وما هو ذنبهم لكي يُلقى عليهم القبض بهذا الشكل. ولأن السيارة المسلحة لم تكن تكفي لصعودهم، فقد أمر الضابط بربط أيدي الرجال بالحبال وجعلهم يركضون خلف السيارة المسلحة لمسافة تزيد على ثلاثين كيلومترا، عراة الرؤوس، وقلوبهم الخائفة تنبض عنيفا، وكانوا يسألونه عن ذنبهم فيجيبهم كاظما غيضه إنهم سيعرفون ذلك في مركز الشرطة، حتى أوصلهم بعد رحلة مضنية إلى أقرب نقطة شرطة وطلب من مفوض النقطة التحفظ عليهم حتى عودته من مأموريته، ويبدو أن جاسم العطية كان قريبا من المضيف ورأى هجوم الشرطة على ضيوف والده، لكنه خاف أن يظهر للشرطة فيعتقلونه، فسارع بالسفر إلى العمارة(4) مستوقفا شاحنة تحمل الأغنام والأبقار، طالبا من السائق نقله إلى المدينة بأي مبلغ يشاء، فأشار له السائق بالصعود مع الأغنام والأبقار، وكانت نيته إخبار الحزب في المدينة عما حدث، موهما حزبه أنه استطاع كسب كل هذا العدد الكبير من الفلاحين، وأنهم كانوا يؤدون دورة تثقيفية حين داهمتهم الشرطة واعتقلتهم، وأنه بقدرة قادر استطاع أن ينجو من الاعتقال لإبلاغهم بما حدث، وسارع الحزب بإصدار بيان شديد اللهجة مهددا الحكومة التي اعتقلت المناضلين في قرية الجوابر، وإن اعتقالهم لن يمر دون عقاب!. وحين وقع البيان الأصفر بيد أمن الحكومة، أصبح موضوع الضيوف المحجوزين في مركز الشرطة منتهيا، ولم تستطع أية قوة في الأرض أن تمنع من الحكم على المساكين بسنوات طويلة من السجن والأشغال الشاقة، ونقلهم تحت حراسة مشددة إلى سجن العاصمة المركزي ومنه بعد ذلك إلىنقرة السلمان(5) الرهيبة وسط الصحراء، حيث تعلم الفلاحون هناك بفعل معايشة كوادر الشيوعيين المسجونين ماذا يعني الديالكتيك المادي والتاريخي، وماذا تعني كومونة باريس ودولة العمال والفلاحين!.
وأخذت الحماسة جاسم العطية يوما فحمل قطعة كارتون لا يعرف أحد من أين حصل عليها وخط عليها بقطعة فحم وخط ركيك هنا مقر الحزب الشيوعي، وأسفل ذلك كتب ياعمال العالم اتحدوا!. ولم ينس علامة التعجب التي رسمها رسما دقيقا، وعلق تلك الكارتونة في باب المضيف، وطيلة الوقت كان هلال المجنون يراقبه، وكان قبل أن يصاب بالجنون من طلبة العلم في النجف، وكان وهو في جنونه حافظا للنحو العربي ويتحدث العربية الفصيحة مع هزة في الرأس، وتحريك للحروف وتخريج للألفاظ بشكل سليم، فقال وهو يراه يعلق قطعة الكارتون:
يا مجنون قريتنا!.. هلا تفضلت علينا بعناقٍ؟.
وصرخ به جاسم العطية أن يذهب إلى حال سبيله، فأطاعه هلال وهو يهز رأسه ويده متبرما وذهب صوب دكان كعيد البلام، وشاءت المصادفات أن يكون الكثير من ضيوف والد جاسم في المضيف وقد قدموا إليه من البصرة لتسوية خلاف عشائري(2) قديم. ومرت في عصر ذلك اليوم سيارة شرطة مسلحة تبحث عن المهربين عبر الحدود مع دولة إيران، فأُصيب الضابط الذي يقود الدورية بالدهشة وهو يجد نفسه فجأة أمام مقر للحزب الشيوعي كما تشير اللافتة الكارتونية المعلقة في مقدمة المضيف(3)، وهو الحزب الوحيد الذي تمقته السلطة وتناصبه العداء، وتصفه بالكفر والعمالة للأجنبي، بل تجعله في صف واحد مع الخائنين والمجرمين، فأمر الضابط شرطته أن يتهيأوا للقتال فقد كان المضيف مملوءا بالكوادر الحزبية، وقد بدا على سحناتهم التعب والإرهاق، ويوحي منظرهم أنهم من قيادات الحزب كان الضيوف من كبار السن وقد بدت على وجوههم آثار تعب الرحلة من الجنوب حتى بلغوا مضيف العطية. وكانت العادات ومازالت أن يلبس المسافر من مدينة إلى أخرى خير ملابسه وأكثرها جدة وفخامة. وبالفعل اتخذ رجال الشرطة وضعية الهجوم، وتقدموا من المضيف، وبشكل غير متوقع استسلم الجميع للشرطة دون قتال، وهم لا يعرفون ما هي القضية وما هو ذنبهم لكي يُلقى عليهم القبض بهذا الشكل. ولأن السيارة المسلحة لم تكن تكفي لصعودهم، فقد أمر الضابط بربط أيدي الرجال بالحبال وجعلهم يركضون خلف السيارة المسلحة لمسافة تزيد على ثلاثين كيلومترا، عراة الرؤوس، وقلوبهم الخائفة تنبض عنيفا، وكانوا يسألونه عن ذنبهم فيجيبهم كاظما غيضه إنهم سيعرفون ذلك في مركز الشرطة، حتى أوصلهم بعد رحلة مضنية إلى أقرب نقطة شرطة وطلب من مفوض النقطة التحفظ عليهم حتى عودته من مأموريته، ويبدو أن جاسم العطية كان قريبا من المضيف ورأى هجوم الشرطة على ضيوف والده، لكنه خاف أن يظهر للشرطة فيعتقلونه، فسارع بالسفر إلى العمارة(4) مستوقفا شاحنة تحمل الأغنام والأبقار، طالبا من السائق نقله إلى المدينة بأي مبلغ يشاء، فأشار له السائق بالصعود مع الأغنام والأبقار، وكانت نيته إخبار الحزب في المدينة عما حدث، موهما حزبه أنه استطاع كسب كل هذا العدد الكبير من الفلاحين، وأنهم كانوا يؤدون دورة تثقيفية حين داهمتهم الشرطة واعتقلتهم، وأنه بقدرة قادر استطاع أن ينجو من الاعتقال لإبلاغهم بما حدث، وسارع الحزب بإصدار بيان شديد اللهجة مهددا الحكومة التي اعتقلت المناضلين في قرية الجوابر، وإن اعتقالهم لن يمر دون عقاب!. وحين وقع البيان الأصفر بيد أمن الحكومة، أصبح موضوع الضيوف المحجوزين في مركز الشرطة منتهيا، ولم تستطع أية قوة في الأرض أن تمنع من الحكم على المساكين بسنوات طويلة من السجن والأشغال الشاقة، ونقلهم تحت حراسة مشددة إلى سجن العاصمة المركزي ومنه بعد ذلك إلىنقرة السلمان(5) الرهيبة وسط الصحراء، حيث تعلم الفلاحون هناك بفعل معايشة كوادر الشيوعيين المسجونين ماذا يعني الديالكتيك المادي والتاريخي، وماذا تعني كومونة باريس ودولة العمال والفلاحين!.
- 8 -
بعد هذه المصيبة التي هزت قرية الجوابر، بقي جاسم العطية مختفيا ولا يستطيع الظهور في القرية. ثم استطاع الحاج حسون أن يجد من يوصل الخبر له بضرورة حضوره إلى الحسينية ليناقشه وجوه القرية بوضع حد لكل هذا الذي يحدث في القرية، وما حدث بالأمس سيحدث في الأيام المقبلة ولا يعلم إلا الله من ستكون الضحية القادمة. وقد جاء جاسم العطية للاجتماع بالرجال في الحسينية وهو يتلفت يمينا وشمالا، وبقي أبوه الذي هدته الفضيحة طريح الفراش لفترة طويلة، وقد أنقذه من الوقوع بأيدي الشــرطة مع الضيوف أنه وقت مجيء الدورية كان ذاهبا إلى أطراف القرية لإستدانة كبش من ابن عم له هناك لذبحه لغداء الضيوف، وكذلك خدمته المصادفة أن ضابط الدورية كان مستعجلا واكتفى بالعدد الكبير من الرجال الذين اعتقلهم. وقد وعد الأب من يمسك ابنه جاسم ويصطحبه له بعطية لم ينل مثلها من قبل، حتى يؤدبه عما فعل، وفي الأقل، حين يسمع أهل المسجونين ما فعله بابنه جراء فعلته المخجلة، يعذرونه ولا يعتقدون أن له يدا في ما حصل لأهلهم في مضيفه!..
- 9 -
جلس الرجال في مضيف الحاج حسون بانتظار جاسم بدلا من الحسينية بسبب خوف جاسم من أن تكون مراقبة من قبل الشرطة، وأبلغ ذلك الوسيط ليبلغ بدوره الرجال، وبعد طول انتظار جاء جاسم من مكمنه بلحية نامية ووجه أصابه الهزال، وقميصه المزركش قد انكمش وظهرت على بنطلونه الضيق خرائط الملح، وسلم عليهم فردا فردا، وقدموا له القهوة والماء، فأخبرهم أنه لم يتناول طعاما منذ يومين فكيف يستطيع شرب القهوة؟، فطلبوا له طعاما، وحين أحضروا الطعام طلب رأس بصل أخضر، فأتوا له بما طلب، فأكل حتى شبع، ثم شرب قهوته وقال:
ماذا تريدون؟!.
قال له الحاج حسون غاضبا:
بل أنت أخبرنا ماذا تريد؟!.
زم جاسم حاجبيه: أنا جئت لكي أرفع الظلم عن الفلاحين والصيادين وأوقف الاستغلال الحاصل في قريتنا لهم…
وبالرغم من عدم فهم الحاج حسون للشطر الثاني من جواب جاسم، إلا أنه أجاب بما فهم من كلامه، فقال: يا ابن أخي أي ظلم تتحدث عنه، كلنا فلاحون ونعمل في أرض الله الواسعة والحصاد نتعاون فيه جميعاً ولا مالك للأرض غير الله، ونوزع غلة الأرض بيننا، أما الصيد فكل واحد منا يأخذ شبكه الخاص أو مع جاره، فيرزقهم الله ويتقاسمون عن رضى ما حصلوا عليه، وأنت تعرف كل هذا، فأين الظلم يا ابن أخينا؟.
وحار جاسم العطية في الإجابة، وهو على يقين تام بصحة ما قاله الحاج حسون، لكنه قال مكابرا:
ألا تنظر حال الفقراء في قريتنا؟.
قال الشيخ جلال:
أخبرنا أسماء هؤلاء الفقراء؟.
فكر جاسم طويلا قبل أن يجيب، ففي حقيقة الأمر لم يكن في القرية فقراء ولا يجدون قوتهم!. لكنه قال:
غافل الحسون مثلا!.
قال الملا قنبر: رجل كبير في العمر وليس لديه ولد يعاونه في الأرض، ولا يستطيع أن يصيد، فهو لا يجد مصدرا لرزقه، ولكن أهل القرية الذين يعتبرونه عما للجميع قد تكفلوا به وبامرأته الضريرة!.
وقاطعه الشيخ حسون: ومن هذا اليوم سنحمل لاخينا غافل الحسون من كل بيت في القرية ما يكفي لجعله أغنانا، فهل بقيت عندك حجة؟!.
لقد أخبر مسؤوله في المدينة أن قريتهم أكثر شيوعية من موسكو ذاتها!، ولكن لم يصدقه أحد، أخبرهم أنه رأى بعينيه كيف يزوج الأب إحدى بناته من ابن جاره الفقير الذي لا يستطيع تكاليف الزواج، ويشتري لهما أثاث العرس، ويبني لهما صريفة الزواج، أليس ذلك أفضل مما يحدث بين الشيوعيين في موسكو؟، ألم ير بعينيه كيف يقتسم أبوه ما صاد من الهور من طيور وأسماك مع أبعد جار لهم في القرية؟، أو كيف يشتري جده القماش لأبناء قريتهم وأحدهم بالذات الذي ابتلي بكثرة العيال؟، وكيف أن مصائب القرية تُقسم بالتساوي على رؤوس الجميع، وأن الصريفة التي تحترق تتم إعادة إقامة غيرها بأيدي أهل القرية ويضيفون للبناء شيئا جديدا ويتكاتفون جميعا على تأثيثها؟، أنسي أن أفراحهم وأتراحهم واحدة؟، وأنهم مشمولون بالخير والشر، متعاونون في المصائب والكوارث وأوقات الشدة؟.
قال جاسم العطية وهو يطرق خجلا:
لقد أخبرتهم في المدينة أنكم كلكم شيوعيون، ولا يفعل الذي تفعلونه إلا الشيوعيون، ولكنكم لا تعترفون بذلك ليرتاح الحزب، ويتوقفون عن إلحاحهم علي كل يوم بضرورة كسبكم إليهم!.
قال الحاج حسون وهو ينتف لحيته مستفزا:
أتريد أن تضعنا في السجن مثل ضيوف والدك، اَسْتر علينا، كلنا أعمامك وأخوالك وأهلك، أتريد أن تحرقنا الحكومة أحياء، ويقولون عنا لم يكتفوا بشيعيتهم البغيضة فصاروا شيوعيين!.
وهنا لمعت الدموع في عيني جاسم العطية، ولأن الرجال في قرية الجوابر لا يبكون علنا، تركهم جاسم وخرج من المضيف متجها صوب الهور، منتحبا بصوت عال، وردد الملا قنبر: لا حول ولا قوة إلا بالله، لقد أُصيب بالعين!.
وفتح بعد ذلك الحاج حسون سجل القرية الكبير ودون فيه ما دار بينهم وبين جاسم العطية ووعودهم له، وقرأ عليهم ما دونه ليبصم الرجال شهادتهم على ما دار. وطلبوا منه أن يقرأ لهم ما كتب عن الطامورة التي تم اكتشافها قبل أسبوعين، فقرأ بعد البسملة والصلاة على الرسول وآل بيته وتحديد الزمان والمكان: أبلغ حسين بن جويد، والبالغ من العمر عشر سنوات أهل القرية باشتباهه، أنه وجد طامورة أثناء رعيه لماشيته، وترك الساكنون أشياءهم وأعمالهم وتجمعوا وتبعوا الصبي، كانوا جمعا كبيرا من النساء والأطفال والشيوخ، وبعد مسيرة ساعة في الأرض إلى الشمال من القرية، وجدوا ما يؤكد وجود الطامورة واجتمعوا حولها، وذهب الحاج حسون مهنا الدياح، ونفر من الرجال لإحضار التابوت والكفن، وبعد عودتهم دخل السيد مهنا الطامورة بعد رفع الجزء الأعلى من سقفها، فصرخ وهو يلطم رأسه بكفيه مَادًّا رأسه من الفتحة: إنه من آل البيت!، هناك بقايا عصا وخاتم، والخاتم عليه الاسم والنسب!، وهو الدليل المعروف بأن المحبوس كان من آل بيت الرسول(ص)، وتمت مراسيم دفن العظام والبكاء عليها كما يوجبه الشرع من وضع الرأس جهة القبلة، ووضع التراب في فتحة الفم والأذنين، والتشهد بوجه الميت يرحمه الله، وإقامة وليمة على روحه في الحسينية مساء، بعدها تمت إقامة صلاة الغائب والدعاء إلى الله أن يغفر للمسلمين وينتقم من المجرمين الذين لم يرعوا عترة الرسول وآل بيته صلى الله عليهم وسلم، وبصم الحاضرون على الواقعة المكتوبة، وأعاد الحاج حسون السجل إلى مكانه إلى جانب المصحف الكريم.
ماذا تريدون؟!.
قال له الحاج حسون غاضبا:
بل أنت أخبرنا ماذا تريد؟!.
زم جاسم حاجبيه: أنا جئت لكي أرفع الظلم عن الفلاحين والصيادين وأوقف الاستغلال الحاصل في قريتنا لهم…
وبالرغم من عدم فهم الحاج حسون للشطر الثاني من جواب جاسم، إلا أنه أجاب بما فهم من كلامه، فقال: يا ابن أخي أي ظلم تتحدث عنه، كلنا فلاحون ونعمل في أرض الله الواسعة والحصاد نتعاون فيه جميعاً ولا مالك للأرض غير الله، ونوزع غلة الأرض بيننا، أما الصيد فكل واحد منا يأخذ شبكه الخاص أو مع جاره، فيرزقهم الله ويتقاسمون عن رضى ما حصلوا عليه، وأنت تعرف كل هذا، فأين الظلم يا ابن أخينا؟.
وحار جاسم العطية في الإجابة، وهو على يقين تام بصحة ما قاله الحاج حسون، لكنه قال مكابرا:
ألا تنظر حال الفقراء في قريتنا؟.
قال الشيخ جلال:
أخبرنا أسماء هؤلاء الفقراء؟.
فكر جاسم طويلا قبل أن يجيب، ففي حقيقة الأمر لم يكن في القرية فقراء ولا يجدون قوتهم!. لكنه قال:
غافل الحسون مثلا!.
قال الملا قنبر: رجل كبير في العمر وليس لديه ولد يعاونه في الأرض، ولا يستطيع أن يصيد، فهو لا يجد مصدرا لرزقه، ولكن أهل القرية الذين يعتبرونه عما للجميع قد تكفلوا به وبامرأته الضريرة!.
وقاطعه الشيخ حسون: ومن هذا اليوم سنحمل لاخينا غافل الحسون من كل بيت في القرية ما يكفي لجعله أغنانا، فهل بقيت عندك حجة؟!.
لقد أخبر مسؤوله في المدينة أن قريتهم أكثر شيوعية من موسكو ذاتها!، ولكن لم يصدقه أحد، أخبرهم أنه رأى بعينيه كيف يزوج الأب إحدى بناته من ابن جاره الفقير الذي لا يستطيع تكاليف الزواج، ويشتري لهما أثاث العرس، ويبني لهما صريفة الزواج، أليس ذلك أفضل مما يحدث بين الشيوعيين في موسكو؟، ألم ير بعينيه كيف يقتسم أبوه ما صاد من الهور من طيور وأسماك مع أبعد جار لهم في القرية؟، أو كيف يشتري جده القماش لأبناء قريتهم وأحدهم بالذات الذي ابتلي بكثرة العيال؟، وكيف أن مصائب القرية تُقسم بالتساوي على رؤوس الجميع، وأن الصريفة التي تحترق تتم إعادة إقامة غيرها بأيدي أهل القرية ويضيفون للبناء شيئا جديدا ويتكاتفون جميعا على تأثيثها؟، أنسي أن أفراحهم وأتراحهم واحدة؟، وأنهم مشمولون بالخير والشر، متعاونون في المصائب والكوارث وأوقات الشدة؟.
قال جاسم العطية وهو يطرق خجلا:
لقد أخبرتهم في المدينة أنكم كلكم شيوعيون، ولا يفعل الذي تفعلونه إلا الشيوعيون، ولكنكم لا تعترفون بذلك ليرتاح الحزب، ويتوقفون عن إلحاحهم علي كل يوم بضرورة كسبكم إليهم!.
قال الحاج حسون وهو ينتف لحيته مستفزا:
أتريد أن تضعنا في السجن مثل ضيوف والدك، اَسْتر علينا، كلنا أعمامك وأخوالك وأهلك، أتريد أن تحرقنا الحكومة أحياء، ويقولون عنا لم يكتفوا بشيعيتهم البغيضة فصاروا شيوعيين!.
وهنا لمعت الدموع في عيني جاسم العطية، ولأن الرجال في قرية الجوابر لا يبكون علنا، تركهم جاسم وخرج من المضيف متجها صوب الهور، منتحبا بصوت عال، وردد الملا قنبر: لا حول ولا قوة إلا بالله، لقد أُصيب بالعين!.
وفتح بعد ذلك الحاج حسون سجل القرية الكبير ودون فيه ما دار بينهم وبين جاسم العطية ووعودهم له، وقرأ عليهم ما دونه ليبصم الرجال شهادتهم على ما دار. وطلبوا منه أن يقرأ لهم ما كتب عن الطامورة التي تم اكتشافها قبل أسبوعين، فقرأ بعد البسملة والصلاة على الرسول وآل بيته وتحديد الزمان والمكان: أبلغ حسين بن جويد، والبالغ من العمر عشر سنوات أهل القرية باشتباهه، أنه وجد طامورة أثناء رعيه لماشيته، وترك الساكنون أشياءهم وأعمالهم وتجمعوا وتبعوا الصبي، كانوا جمعا كبيرا من النساء والأطفال والشيوخ، وبعد مسيرة ساعة في الأرض إلى الشمال من القرية، وجدوا ما يؤكد وجود الطامورة واجتمعوا حولها، وذهب الحاج حسون مهنا الدياح، ونفر من الرجال لإحضار التابوت والكفن، وبعد عودتهم دخل السيد مهنا الطامورة بعد رفع الجزء الأعلى من سقفها، فصرخ وهو يلطم رأسه بكفيه مَادًّا رأسه من الفتحة: إنه من آل البيت!، هناك بقايا عصا وخاتم، والخاتم عليه الاسم والنسب!، وهو الدليل المعروف بأن المحبوس كان من آل بيت الرسول(ص)، وتمت مراسيم دفن العظام والبكاء عليها كما يوجبه الشرع من وضع الرأس جهة القبلة، ووضع التراب في فتحة الفم والأذنين، والتشهد بوجه الميت يرحمه الله، وإقامة وليمة على روحه في الحسينية مساء، بعدها تمت إقامة صلاة الغائب والدعاء إلى الله أن يغفر للمسلمين وينتقم من المجرمين الذين لم يرعوا عترة الرسول وآل بيته صلى الله عليهم وسلم، وبصم الحاضرون على الواقعة المكتوبة، وأعاد الحاج حسون السجل إلى مكانه إلى جانب المصحف الكريم.
- 10 -
كانت قرية الجوابر بقعة نائية لم تظهر على خارطة الوطن، ولكن بحكم قربها من الحدود الإيرانية، يجيء إليها رجال معممون من إيران يطلبون المساعدة، فتجمع القرية ما تستطيع جمعه لإخوتهم الشيعة في إيران: السكر والرز والشاي والقماش. وكان الوافدون يمضون عدة أيام في ضيافة أهل الجوابر، وكان أغلبهم يتحدثون العربية ولكن بلغة ركيكة وأصوات غريبة، وكان أطفال القرية يحاولون تقليد كلامهم المعوج فيضحك الرجال. وفي يوم شتائي بارد، جاءت مجموعة منهم، وفعل أهل القرية معهم ما يفعلونه مع غيرهم من الوافدين، ونقلوا إلى الجانب الآخر من الهور نصف المساعدات، أما النصف الآخر فقد أرسله أهل القرية مع كعيد البلام الذي تبعهم في اليوم التالي، فرجع إلى القرية والخوف يكاد أن يشل لسانه، استوضحه الرجال، فأخبرهم أنه وجد المعممين الذين كانوا أكثر من عشرين رجلا مذبوحين جميعا، ومرمية جثثهم على ضفاف الهور والذئاب أكلت من جثث بعضهم، واستنفرت القرية رجالها وهرعوا بمشاحيفهم إلى الجانب الآخر من الهور، حيث الأرض الإيرانية، ووجدوا المجزرة: العمامات السوداء المتطايرة هنا وهناك، التي مازالت ملفوفة والأخرى المفتوحة كشرائط سود، معلقة على صفوف القصب النامي وقد لوثها الدم المتخثر وتجمع عليها الذباب الأزرق، الأحذية التي تناثرت على الأرض الطينية وقد علاها الوحل وامتلأت بالطحالب، الرؤوس الملتحية، المذبوحة، والذباب الأزرق يتطاير حولها، والأجساد بقفطاناتها(6) البيض بلا رؤوس، بعضها منتفخ الأجساد، والآخر قد طُعن بالحراب أو رُمي بصليات الرصاص، ووجد الرجال آثار عجلات سيارات عسكرية، وعرفوا أن حكومة الشاه(7) هي من فعل ذلك بإخوتنا من علماء الشيعة في إيران، فحفر الرجال حفرة كبيرة في الأرض القريبة ودفنوا الشهداء بعد أن صلى عليهم الرجال، وجمعوا الرؤوس في حفرة أخرى قريبة من الحفرة الأولى، فقد كان الرعب يشل الأيدي ويربك العقول، ولم يكن بالإمكان معرفة عائدية الرأس لأية جثة من الجثث لدفنها مع رؤوسها، وبسبب أن أهل الجوابر لا يريدون التمثيل بالموتى دون قصد منهم بدفنهم الجثة مع رأس لا يخصها، فقد وصلوا إلى هذا الحل بفطرتهم، فأخذ الرجال يعملون وألسنتهم تتمتم بلاحول ولا قوة إلا بالله، وقد وضعوا شماغاتهم حول أنوفهم للحؤول دون شم رائحة التفسخ القوية، وأتموا الدفن قبل أن تميل الشمس للغروب، وانسحبوا بعد ذلك عائدين إلى القرية، فوجدوا إخوانهم المتبقين في القرية قد أقاموا مجلس العزاء على أرواح المقتولين، وخلال ذلك قرأ الملا قنبر الفاتحة على أرواح الشهداء وأتى بذكر أيام عاشوراء وما جرى للحسين الشهيد(ع) وآل بيته الأطهار، وعرج لما يحدث للشيعة في كل زمن ودهر من تقتيل وتذبيح وظلم لهذه الطائفة، وسفحت الدموع من عيون الرجال الجالسين في الحسينية، وقال الملا إن دماء طائفتنا مبذولة للجميع!، يذبحهم من يشاء ووقتما يشاء، وكل الحكومات السابقة واللاحقة، وفي كل الدول المجاورة لنا والبعيدة، تختلف في كل شيء ولكنها تتفق على قتل الشيعة!، وإنها عازمة بما يشبه الاتفاق على إنهاء هذه الطائفة، وتساءل في نهاية الخطبة لماذا يفعلون ذلك بالشيعة دون غيرهم؟، وصرخ بصوت عال: ألسنا موحدين؟، أليست قبلتنا بيت الله المطهر في مكة المكرمة؟، ألا نقول في اليوم الواحد خمس مرات لاإله إلا الله وإن محمدا عبده ورسوله؟، يتركوننا في بلادنا دون أن نتعلم تعليما عاليا، ولا عناية صحية، هم قد عقدوا العزم على جعلنا خدما في منازلهم، وجنودا نحارب عن الجميع في حروبهم، ونموت هنا وهناك في السجون والمعتقلات ذبحا وعزلا ومرضا وغربة، وتحت الأرض التي نسكنها منذ القدم خيرات النفط التي أغدقها الخالق، ثم رفع رأسه إلىالسماء وأشار بكفه إلى الأرض: أنت تعلم يا ربي إنهم يتمتعون بما رزقتنا!، ويحرموننا الماء الصالح لنشرب، إنهم يتركوننا نشرب من مياه الهور كالبهائم ودواب الأرض، وندفن أطفالنا كل يوم في بطن الأرض لأنهم لا يجدون طبيبا لمعالجة الملاريا أو فقر الدم الذي يعانون منه!. وتوسل إلى الله أن يظهر صاحب الزمان، المهدي عليه السلام ليقيم العدل على الأرض ويقتص من القتلة، فتعالى اللغط والهمهمة بين الرجال، وانفجر هلال المجنون ببكاء مر، وحاول الرجال إسكاته ولكن دون فائدة، وحين ألحوا عليه بالسكوت، وقف وقال: سأذهب، ولكنني أقول لكم لقد ضاع الحق!، وأخذ يردد بصوت عال وهو يترك المعزى: نعم ضاع الحق!. تساءل الحاج حسون وهو يمسد لحيته: وما العمل يا ملا قنبر؟. وبعينين صافيتين أجاب الملا: مثلما ذبحوا إخوتنا الإيرانيين دون ذنب أو جريرة، سيذبحوننا في يوم من الأيام، فالتكالب على ذبحنا يتم في كل بقاع الأرض في إيران والعراق وبلاد الشام وبلاد الهند والباكستان، حتى في تركيا يفعلون ذلك، وأرى تباشير هذا اليوم الرهيب قريبة!.
كرر الحاج حسون بإصرار: وماذا نصنع لنجنب أولادنا ذلك المصير، وليس لنا من يحمينا؟.
قال الملا قنبر: نشتري السلاح لندافع به عن أنفسنا وقت الشدة، فقد أباح الإسلام الدفاع عن النفس والذود عن العقيدة!. ومنذ ذلك اليوم أصبح ولع رجال القرية باقتناء السلاح لا يعادله ولع آخر، وأنبرى لهذا العمل رجال القرية الأشداء أمثال كعيد البلام وسوادي العبد وريسان الفهد، فكانوا يُهربون السلاح من المدن ويشترونه من مستودعات الجيش ويبيعونه في القرية، وخلال شهور قليلة أنتشر السلاح في القرية من المسدس إلى رشاشة الفيكرس سريعة الطلقات، بل إن بعض أهل القرية كانوا يمتلكون قنابل يدوية لا يعرفون استعمالها ولكنهم كانوا يحتفظون بها ليتعلموا في يوم ما كيفية استخدامها!.
كرر الحاج حسون بإصرار: وماذا نصنع لنجنب أولادنا ذلك المصير، وليس لنا من يحمينا؟.
قال الملا قنبر: نشتري السلاح لندافع به عن أنفسنا وقت الشدة، فقد أباح الإسلام الدفاع عن النفس والذود عن العقيدة!. ومنذ ذلك اليوم أصبح ولع رجال القرية باقتناء السلاح لا يعادله ولع آخر، وأنبرى لهذا العمل رجال القرية الأشداء أمثال كعيد البلام وسوادي العبد وريسان الفهد، فكانوا يُهربون السلاح من المدن ويشترونه من مستودعات الجيش ويبيعونه في القرية، وخلال شهور قليلة أنتشر السلاح في القرية من المسدس إلى رشاشة الفيكرس سريعة الطلقات، بل إن بعض أهل القرية كانوا يمتلكون قنابل يدوية لا يعرفون استعمالها ولكنهم كانوا يحتفظون بها ليتعلموا في يوم ما كيفية استخدامها!.
- 11 -
تبدأ حمى أيام عاشوراء التي تصيب أبناء الشيعة في كل مكان على ظهر الأرض قبل الشهر بكثير، فيحلق الرجال المنذورون بضرب القامة(8) رؤوسهم، وترتفع الرايات السود على كل صريفة في قرية الجوابر، وترتدي النساء الملابس السوداء، وتشحذ القامات بأحجار المسن، وتُلمع أنصالها وحافاتها حتى تصبح حادة. ستسيل عليها دماء الرؤوس التي امتلأت بحب الحسين وآل بيته(ع)، وسيحضر الرجال العصي المجذوذة من أغصان أشجار التوت في الطرف القصي من الهور، وستُهيأ الأكفان التي سيرتديها الرجال، وستعرض كل أم ابنتها لترى نساء القرية جمال البنات وشعورهن الطويلة الناعمة، وصدورهن البيضاء العامرة بالنهود البارزة، ووجوههن الصافية كخليط الشاي الأحمر بالحليب، وأردافهن المكتنزة وخصورهن الضيقة، وشفاههن الوردية المرسومة كقلوب صغيرة. سيلبسن الأثواب السود اللماعة، وستظهر أنوار الفوانيس جمالهن مضاعفا بتلك العيون الكحيلة التي فيها لمعة ماء الهور عند المساء ولصفة القمر في السحر، وما أكثر ما تحظى الأرامل في أيام الحزن تلك بزوج تال يعوضهن أزواجهن الميتين، فالرجال في كل مكان يغويهم في أحيان كثيرة الشعر المشعث والوجوه الخالية من الأصباغ والعويل الحزين، وتتبارى فتيات القرية بإجادتهن اللطم على الصدور علىإيقاع وموسيقية أصوات النادبات(9) وصفق صدورهن، وسترقبهن عيون المتزوجات والعجائز ليتم اختيار الزوجة المناسبة للابن الباحث عن الزوجة الجميلة التي تهز المكان بحيويتها ووقع قدميها وركزها المنتظم، ويرتفع الدم إلى وجنتيها، ولا تعبث قطرات العرق والدموع بكحل عينيها، يكاد خصرها الرقيق أن يتحول إلى خيط رفيع، وردفها يكون متسعا، صلبا، كأنما هي مهرة جيدة التغذية والتدريب، بتفاحتين في الوجه ورمانتين نابتتين في أعلى الصدر، وشعر طويل مسترسل يحاذي المؤخرة ويتجاوزها، وأسنان بيض كصفي لؤلؤ، وعينين واسعتين ترى بهما الجانبين دون أن تدير رأسها يمينا وشمالا. كان ذلك الشهر هو موسم الحب والحزن والشوق في معرفة ما تحويه الخدور وأجواف الصرائف المظلمة، والبحث عن كل ما ليس ممكنا في الأيام العادية. وتبقى الأمهات طوال أعوام وأعوام يتحدثن عن الجميلات، وكل أم رأت في الموسم الحافل جميلات حكت لأولادها الذكور ما صادفت من جميلات القرية!. بلقيس تلك الفتاة التي لا يستطيع رجل أن ينظر بعينيها دون أن يعشقها، وذلك الأمر لم يكن متعارفا عليه قبلها، فقد كانت المشاعر في القرية مسترسلة النمو، بطيئة النضوج، أول ما يبدر فيها استحسان للشخص وتنمو هواجس القرب منه، وبعد ذلك تقوى المودة فتصير محبة ويلد من رحمها الهوى الذي يمتلك القلوب ويجعل النفوس خائرة مستعدة لقبول العشق، ولكن كل ذلك الاسترسال المنطقي في العواطف يختفي عندما تتعلق العيون بعيني بلقيس أبنة قرية الجوابر، إذْ تنتقل النفس فجأة إلى درجة العشق والتتيم!. كانت النساء بالرغم من حسدهن لها يعشقنها: عصية على الوصف والفهم، ليس كل جمالها ما تراه العين، بل إن ثمة طاقة للجمال تنبعث من روحها كالسحر! لم تكن تشبه فتاة أخرى في القرية، أمها كانت فارسية وأبوها من أفقر أهل القرية، ويعمل حائكا للحصران، وكره أن يزرع زرعا أو يصيد سمكا، فهو يعتبر نبش الأرض لزرعها إقلاقا لأرواح الجان الثاوية فيها من قديم الزمان، وصيد المخلوقات الأخرى ستعرض الناس في يوم القيامة للنحس!. وبعد زواجه من أمها أنجبت له بلقيس، وتركتها بعد ذلك صغيرة واختفت. وقال رجال القرية في ذلك الحين إنها عبرت الهور بمشحوف صغير والتحقت بأهلها في إيران، ويقول آخرون إنها رمت نفسها في مياه الهور لأنها كانت تحب ابن عم لها وإن أهلها باعوها للعرب بيعا، ففضلت الموت على العيش مع الزوج الموسوس، وكبرت بلقيس في صريفة أبيها. كانت آية من آيات الجمال ومعلما من معالم القرية، وكان الرجال يتركون ما بأيديهم من العمل حين تمر بهم وهي صغيرة حاملة شيئا لأبيها، مكتفين بالنظر إليها، لم تكن فتاة عادية كبنات القرية الجميلات، بل يقسم الرجال إن الله بعثها لأهل القرية ليروا جمال الحوريات في الجنة!، وحتى يستطيعوا المقارنة بما لديهم في الخدور من قرود!.
وحالما يذكر أسمها عرضا في حوار أهل القرية، يتذكر الرجال تلك الجنية التي لا يصدقون أنها أمضت عشرين عاما تحت أبصارهم وأسماعهم، ينظرون جمالها ويتيهون عشقا لصوتها وحركتها وطاقات نبض الروح فيها. وفي ذلك الزمن القريب والبعيد في ذات الوقت جاء السائحون من البلاد البعيدة، مروا قريبا من القرية والتقطوا الصور، كانوا لطفاء وأعطوا أشياء كثيرة لأطفال القرية ورجالها، أعطوهم جبنا لم يذقه أحد من قبل، وخبزا أبيض يبدو كالصخر من الخارج وله طعم اللوز، طيب المذاق، ووقعت عيونهم على هذه الحائرة، الجميلة، التي لم تعرف كيف ترد على كلامهم الذي لا تفهمه، واكتشفوا هم خطأ وجودها في ذلك العالم البدائي الذي ستذبل فيه سريعا، وبعد يومين أو ثلاثة أيام اختفت بلقيس من القرية، أبوها قال بعد الاختفاء، ليبعد عنه شبح العار، إن ابنته التحقت بأمها وأنه أوصلها بيده إلى هذه الأم التي تعيش عند أهلها، وكانت العبرة تخنق صدره والرعشة ظاهرة على كفيه والارتباك في حركته. وجاء إليه وفد من رجال القرية محاولين أن يوضحوا له أنه لم تقع سابقة في القرية أن تخلى الرجل عن أبنائه لأمهم، لا من قديم ولا من جديد! فأفهمهم أنه راض بما حدث، فقاطعه الرجال ووصموه بالخسة والدناءة، فبقي يحوك حصرانه ويبيعها إلى جانب الشارع الذي يربط الجنوب بالعمارة، دون أن يحدث أحدا أو يرد على تهكمات القرويين، وترك عادة الجلوس في المساء مع الرجال وشرب القهوة وتبادل الرأي، ولا يحضر حين يتم ربط راية(10) العشيرة وزعامتها لشيخ جديد، ولا يشارك في إداء فصل أو حشم(11) أو في أفراح ومعازي القرية الكثيرة، وبعد سنوات حين جلب أحد أبناء القرية من المدينة صورة لامرأة تزوجها إنجليزي، وجعلها موديلا لإظهار الجمال العربي، أقسمت النساء والرجال أن صاحبة الصورة هي بلقيس، وحين عرضوا الصورة على أبيها قال: إنكم واهمون، إنها تعيش مع أمها في إيران، وإنها تزوجت، ولها الآن أبناء، وإنها لم تعد جميلة كما كانت، لقد أطفأت الولادات المتكررة جمالها!، ثم يكرر لازمته المعهودة التي يكررها كلما سُئل عنها: إني بيدي أوصلتها إلى أمها. ويَشْتَمُّ الناس من هذا التكرار الممل رائحة غير طيبة. واشتهرت الصورة في المدن والقرى، وأطلق عليها أهل المدن اسم المعيدية المتنصرة(12).
وحالما يذكر أسمها عرضا في حوار أهل القرية، يتذكر الرجال تلك الجنية التي لا يصدقون أنها أمضت عشرين عاما تحت أبصارهم وأسماعهم، ينظرون جمالها ويتيهون عشقا لصوتها وحركتها وطاقات نبض الروح فيها. وفي ذلك الزمن القريب والبعيد في ذات الوقت جاء السائحون من البلاد البعيدة، مروا قريبا من القرية والتقطوا الصور، كانوا لطفاء وأعطوا أشياء كثيرة لأطفال القرية ورجالها، أعطوهم جبنا لم يذقه أحد من قبل، وخبزا أبيض يبدو كالصخر من الخارج وله طعم اللوز، طيب المذاق، ووقعت عيونهم على هذه الحائرة، الجميلة، التي لم تعرف كيف ترد على كلامهم الذي لا تفهمه، واكتشفوا هم خطأ وجودها في ذلك العالم البدائي الذي ستذبل فيه سريعا، وبعد يومين أو ثلاثة أيام اختفت بلقيس من القرية، أبوها قال بعد الاختفاء، ليبعد عنه شبح العار، إن ابنته التحقت بأمها وأنه أوصلها بيده إلى هذه الأم التي تعيش عند أهلها، وكانت العبرة تخنق صدره والرعشة ظاهرة على كفيه والارتباك في حركته. وجاء إليه وفد من رجال القرية محاولين أن يوضحوا له أنه لم تقع سابقة في القرية أن تخلى الرجل عن أبنائه لأمهم، لا من قديم ولا من جديد! فأفهمهم أنه راض بما حدث، فقاطعه الرجال ووصموه بالخسة والدناءة، فبقي يحوك حصرانه ويبيعها إلى جانب الشارع الذي يربط الجنوب بالعمارة، دون أن يحدث أحدا أو يرد على تهكمات القرويين، وترك عادة الجلوس في المساء مع الرجال وشرب القهوة وتبادل الرأي، ولا يحضر حين يتم ربط راية(10) العشيرة وزعامتها لشيخ جديد، ولا يشارك في إداء فصل أو حشم(11) أو في أفراح ومعازي القرية الكثيرة، وبعد سنوات حين جلب أحد أبناء القرية من المدينة صورة لامرأة تزوجها إنجليزي، وجعلها موديلا لإظهار الجمال العربي، أقسمت النساء والرجال أن صاحبة الصورة هي بلقيس، وحين عرضوا الصورة على أبيها قال: إنكم واهمون، إنها تعيش مع أمها في إيران، وإنها تزوجت، ولها الآن أبناء، وإنها لم تعد جميلة كما كانت، لقد أطفأت الولادات المتكررة جمالها!، ثم يكرر لازمته المعهودة التي يكررها كلما سُئل عنها: إني بيدي أوصلتها إلى أمها. ويَشْتَمُّ الناس من هذا التكرار الممل رائحة غير طيبة. واشتهرت الصورة في المدن والقرى، وأطلق عليها أهل المدن اسم المعيدية المتنصرة(12).
- 12 -
مع انبلاج الفجر تضوعت رائحة الغرين المبلل والشوفان، وقدحت في قعر المياه الصافية قواقع ملونة وطحالب عنقودية، وبدت إنكسارات القصب على صفحة الماء وأعواد العنكر الخضراء. غردت أسراب الرخيوي منطلقة خافقة بأجنحتها فوق المياه المتشظية من ضرب الأجنحة لوجه الماء، وفي ذلك المتسع المائي، ومن بين أحراش القصب يبرز رأس جاموسة أو جاموستين بسواد داكن وعيون لاصفة، وتقفز في ذات اللحظة من بين الأعواد الصفراء ضفدعة مثيرة دوامات صغيرة ودوائر في الماء. تخربش سمكة كطان ضخمة في كومة قصب يابس يحملها الجزر بعيداً، محركة الطحالب النامية في القعر، ويعلو وشيش حشرات ملونة طائرة للحظات ثم تستقر بعدها على تلك الأوراق الخضراء الطويلة، وفي عمق ذلك المنظر تنتشر الجباشات(13): جزر صغيرة عائمة ترتفع منها سحابات دخان صغيرة وكثيفة من تنانير مشعلة، ونباح كلاب يتصاعد، وصياح ديكة عنيدة، ونعيب مكتوم، متحركة ارتفاعا وانخفاضا مع المد والجزر، ولا يربطها بالقعر سوى القصب الذي أثنيت أطرافه العليا في الماء من جديد، وبقيت جذوره نابتة في العمق كالمرساة، وفوق تلك الأغصان الخضراء المثنية وضعت حصران القصب المجدولة بخبرة آلاف السنوات المتراكمة منذ العهد السومري، وفوق ذلك وضع التراب الذي حُمل بالمشاحيف قبضة قبضة من فيض الحماد المرتفع شرقي الهور مع ما تخلفه الحيوانات من دمن وبقايا أعشاب جافة من طعامها فيصنع ابن الهور أرضه وجزيرته الخاصة به، فيعمل القصب المثني عمل اللوالب لامتصاص صدمات ارتفاع الماء وانخفاضه، وتبقى الجزيرة عائمة في مكان واحد، متمسكة بالجذور، لا تغادر موقعها مع حركة الماء وأثناء المد والجزر، ويُفرد لتنور الخبز المسافة المهمة عند طرف الجزيرة المصطنعة، وتقام الصرائف إلى الجانب الآخر، وتتوسط آسرة أغصان سعف النخيل الأرض المكشوفة، فابن الهور لا يستطيع النوم تحت سقف صيفا، حتى ولو كان غطاء خفيفا من أعواد القصب، وتتسلق الديكة عند الفجر قمم التنانير وفوق الأسرة وعلى سقوف الصرائف لتصبح منبها حيا للنائمين. وفي مواسم الفيضان، تغمر المياه أرض الجباشات فيجمع الناس أثاثهم القليل فوق الأسرة مع أطفالهم ودجاجاتهم، وتبقى الديكة فوق قمم التنانير ترفض التخلي عن أمكنتها الأثيرة مهما كانت الظروف ناقرة كل من يقترب منها!.
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- طائفة مسلمة كبيرة تبلغ نسبتها في جنوب العراق % 90، ووسط العراق وشماله % 60 من سكان البلاد.
2- خلاف قبلي.
3- المكان الذي يُستقبل فيه الضيوف.
4- محافظة تقع شمال البصرة وتبعد عنها بـ 180 كيلومتراً.
5- سجن صحراوي يقع قرب الحدود الغربية مع المملكة العربية السعودية.
6- رداء أبيض يرتديه رجال الدين المعممين تحت الملابس.
7- الحكومة التي أطاحت بها ثورة شعبية عارمة في إيران بقيادة الإمام الخميني عام 1979.
8-تشبه السيف العربي لكنها أقصر طولا وأكثر عرضا.
9- يعددن الصفات الحميدة في الشهداء لزيادة حزن النساء على المفقودين.
10- ببرق.
11- الفصل والحشم في جنوب العراق هي الدية التي يدفعها المسيء.
12- اشتهرت هذه الصورة في طول البلاد وعرضها في السبعينات.
13- جمع جباشة: بيت المعيدي في أهوار جنوب العراق.
1- طائفة مسلمة كبيرة تبلغ نسبتها في جنوب العراق % 90، ووسط العراق وشماله % 60 من سكان البلاد.
2- خلاف قبلي.
3- المكان الذي يُستقبل فيه الضيوف.
4- محافظة تقع شمال البصرة وتبعد عنها بـ 180 كيلومتراً.
5- سجن صحراوي يقع قرب الحدود الغربية مع المملكة العربية السعودية.
6- رداء أبيض يرتديه رجال الدين المعممين تحت الملابس.
7- الحكومة التي أطاحت بها ثورة شعبية عارمة في إيران بقيادة الإمام الخميني عام 1979.
8-تشبه السيف العربي لكنها أقصر طولا وأكثر عرضا.
9- يعددن الصفات الحميدة في الشهداء لزيادة حزن النساء على المفقودين.
10- ببرق.
11- الفصل والحشم في جنوب العراق هي الدية التي يدفعها المسيء.
12- اشتهرت هذه الصورة في طول البلاد وعرضها في السبعينات.
13- جمع جباشة: بيت المعيدي في أهوار جنوب العراق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























