أعمامي المقلدون….
كتبهافيصل عبد الحسن ، في 17 أغسطس 2008 الساعة: 17:03 م
أعمامي المقلدون….
فيصل عبد الحسن
نحن عائلة من المقلدين الكبار، يعرفها البعيد والقريب من الأقارب والجيران، نقلد من يجذب انتباهنا ويثبت في ذاكرتنا، نلبس ما يلبس، نفعل ما يفعل، ونهتم أن يري إلينا الناس كما يري إلي الأصليين الذين نقلدهم،
ونتعامل مع الموضوع بكثير من الجدية والاهتمام ونعطي الأمر قداسة خاصة، ومما يثير السخرية والضحك أن يصادف أن يقوم شخصان من أفراد عائلتنا بتقليد خصمين أو متنافسين دون أن تقع أي مشاكل أو سوء فهم بين فردي العائلة، وهذه الحرية الشخصية التي لا يعترض عليها أحد نسميها (الديمقراطية) ويسمي بعضنا البعض بالديمقراطي، ولو استيقظ اليونانيون القدماء من قبورهم وأنصتوا لكيفية استخدامنا لكلمة الديمقراطية للطموا علي رؤوسهم ونتفوا لحاهم شعرة.. شعرة، لتطويرنا معني الكلمة بهذا الشكل المفجع، السوقي..
ونقول حين يتعامل أحد أعمامي مع موظف للدولة (غامزين لعمي قائلين له)
تكتك معه… وتكتك معه أتينا بها من كلمة (تاكتيك) ونعني بها أعطه رشوة.. ولو عرف ذلك الذي وضع مصطلح (تاكتيك) وفهم كيف نستخدم هذه الكلمة، لمات من الضحك. وعموما نشأت في هذا الجو الديمقراطي الرصين الذي نتكتك فيه مع المسؤولين الحكوميين ويقلد أحدنا من يراه مناسبا للتقليد، كان عمي ( اكبر أعمامي الستة)يقلد فريد الأطرش، المطرب المعروف، بلفتاته وسكناته وتنهداته وصوته المحبط الحزين، وأسخف أخوته (عمي الأصغر) كان يقلد عبد الحليم حافظ بنحوله، ودماثة خلقه ورقته، وطريقته في إجراء الحديث مع الآخرين بصوت منخفض خجول، بذات قصة الشعر الستينية، وحتي ذلك الشحوب الخفيف الذي نلاحظه علي وجهه من دون أن يعاني من مرض ما، ويبدو تماما مثل المطرب المعروف، وكانت كل مراهقات المحلة والمحلات المجاورة ينادينه باسم (حلومي) وهي تسمية تحبب مشتقة من اسم عبد الحليم، بينما كان الرجال من المعجبين بعمي الآخر الممتليء يسمونه (أبو وحيد) لتقليده فريد الأطرش، وفي أعلي صالة الدار كانت صورة كبيرة بالأسود والأبيض لأحد أجدادي، وهو أب جدي الحالي، الذي لا يزال يأكل القوت، ويقلد مسعود العمار تلي (بطريقة وضعه للعقال علي رأسه ويرتدي الصاية المخططة التي يرتديها) وحين يقف مستندا علي عصاه القصيرة مائلا إلي اليسار كثيرا، كأنما سينهار قريبا ساقطا إلي الجانب الآخر، وصورة ذلك الجد بعمامته التي لها حجم إطار سيارة حمل، ولحية مشذبة حمراء، مصبوغة علي ما يبدو بأرقي أنواع الحناء حينذاك وقد بدا في الصورة وكأنه زعيم ديني كبير، ولكن الذي يناقض هذا التصور تواتر الروايات التي تحكي عن أميته وحمقه، وتقليده الأعمي لما كان يري في عصره من رجال، لكنه في هذه اللحظة عندما بطلت أيدي أولئك عن إثبات مهاراتها وتهتكت في القبور، وصمتت ألسنتهم إلي الأبد عن إبداء معارفهم وأكلها الدود، صار ذلك الجد من خلال صورته المهيبة وعمامته الممتلئة، واللحية الطويلة، المشذبة تشذيبا جميلا، بعينيه المشعتين بالمكر وأنفه الطويل، وارتفاع جبهته لحظة التقاط الصورة الشمسية، الدال علي كبرياء رجل يتبوّأ كل مرة مناصب خطيرة في الدولة، وقد استعان بعض المؤلفين بصورة جدي لنحت تمثال الخليل بن أحمد الفراهيدي واستخدم البعض الصورة للحديث عن أصحاب العلم الحقيقيين، وصارت صورة جدي لأمي، هي الصورة المعروفة لأبرز العلماء الأجلاء والمتنورين بداية القرن التاسع عشر، وأتذكر جدتي تقول عنه، أنه لم يكن يحل قدمي دجاجة مربوطتين، معتبرة أن جناحي الدجاجة يدان حولهما الخالق تعالي إلي جناحين غير مكتملين لئلا يقلد الدجاج الإنسان في مشيته وانتصابه وغروره والأشد من كل ذلك أنه لم يكن يعرف القراءة ولا الكتابة شكاكاً مقترا ًعلي نفسه وعياله.
وكثيراً ما رفع أعمامي علي أكتاف الناس أمام المظاهرات لما لأشكالهم من تأثيرات حسنة علي سير وتنظيم المظاهرة.. فذلك العم الذي نمت لحيته لتصير علي شكل لحية كاسترو ووضع قبعة عليها نجمة حمراء تشبه ما كان يضعه غيفارا علي رأسه، وكان ذلك الشكل المميز لعمي يلهب ضمائر الجماهير وينمي حلمهم ببلد سعيد وحياة حرة للكادحين، ولكن حالما تحضر الشرطة ترمي الجماهير الهاربة عمي إلي الأرض ويختفي الأبطال تاركين ذلك الرمز المسكين، الذي كان قبل دقائق محمولا علي الأكتاف هدفا لضرب عصي الشرطة وركلاتهم التي لا ترحم، وأسئلة المحققين فيما بعد، الذين يرون في شكله مما ينبيء عن يساري متطرف وخطير، يعرف كل مكامن وأوكار القيادات اليسارية، وعندما تكتشف بساطته وسذاجته بعد دورة من الضرب الشديد يطلق سراحه ويعود إلي البيت بقدمين متعثرتين ووجه منتفخ لما تعرض له من ضرب وإهانة أثناء التحقيق، أما ذلك الذي يقلد فريد الأطرش فلم يسلم من الضرب أيضا من قبل أنصار عبد الحليم حافظ في أحد دور السينما التي تعرض فيلما يمثل دوره الرئيسي فريد الأطرش، وطيلة مدة الفيلم، كان أنصار عبد الحليم حافظ يزدرون فريد الأطرش ويسبونه ويستهزئون من كلمات أغانيه، فطفح الكيل بعمي الذي كان يعتبر أنه وفريد الأطرش شخص واحد وحالة واحدة لا تنفصل، فانبري لهم في ظلام القاعة قائلا بحكمة بالغة أنه يتعجب من سفاهاتهم وضيق أفقهم، كونهم يكرهون المطرب ويحضرون إلي أفلامه، ولم يكمل جملته تلك حتي ضج أولئك الأنصار بالغضب وتنادوا لضربه من أول القاعة إلي آخرها، فضرب ضربا مبرحا، واضطرت إدارة السينما مع ارتفاع الضجيج أن تضيء الأنوار، وحالما أبصر الجمع المشاغب، الشبه بين عمي والمطرب المعروف، عرفوا أن الحظ وحده جعلهم يقعون علي مقلد خطير ومحب لا يشق له غبار للمطرب الذي ينافس بلا هوادة مطربهم المحبوب، فاشتد الضرب علي عمي المسكين، ومزقوا ملابسه حتي جعلوها مزقا، وعاد إلينا شبه عار يشكو من الآلام في كل جسده، وحين رآه عمي الأصغر الذي يقلد المطرب المنافس ضحك عميقا، وعلق علي ذلك الضرب الشديد الذي تعرض له أخوه، قائلا بصوته المنخفض (لتعرف يا عزيزي مدي تعلق الجمهور بي، وبصوتي، ومحبته لي، وأرجو يا أخي وأقولها لك بمحبة شديدة، أن تتوقف عن التشبث بتقليد رجل لا يعرف غير الحزن صاحباً ونجياً، ولا يأتي من ورائه غير الضرب المبرح لمحبيه ومشجعيه، فرد عليه أخوه بفم مدمي وتعب شديد وروح رياضية عالية….
ـ ومن ظن ممن يلاقي الحروب بأن لا يصاب فقد ظن عجزا
عمي الرابع كان يقلد داعية إسلامياً، لا يعرف أحد كيف التقط أخباره وشكله ونوع ملابسه، وبدا واضحا للعائلة مما كان يرتديه عمي ويحرص علي توصية الخياطين بتحضيره له، أن ذلك الداعية من الباكستان أو من جنوب شبه القارة الهندية، إذ كان يصرف أجرته علي كل ما يصادفه من أشياء هندية، حتي أنه صار يضع البهارات وأنواع التوابل فوق أصابع الموز بعد تقشيرها ويزدرد اللب المفلفل، الحارق، مرة واحدة، وعندما يري أحدنا يأكل طعاما دون أن يضع عليه فلفلا حارقا ينعته بالجنون، لأنه يأكل شيئا بلا طعم أو معني، وصاحب هذا العم المتطرف شابا نصرانيا كثير الفكاهة، محبا لشرب الخمرة، فدعاه عمي إلي الإسلام فضحك صديقه النصراني وقال له إنه يحب شرب الخمرة ولا يصبر علي مفارقتها، فكيف يصير مسلماً ؟ فقال له عمي وهو يملس لحيته الطويلة التي صبر عليها حتي جعل شكلها بهيئة فتائل ملفوفة أقرب إلي الموديلات الهندية المعروفة، وقال له بمكر (صر مسلما واشربها) وبقي يلح عليه في هذا الأمر، وما أن صار صاحبه مسلما، حتي قال له عمي ،وعيناه تلمعان بالنصر، بما أنك قد أسلمت الآن وفتح الله قلبك للإيمان فإن شربت بعد يومك هذا الخمر حددناك، وان رجعت عن الإسلام قتلناك…
وأكثر أعمامي خطورة في تقليد الآخرين عمي الخامس، ذلك الذي كان يحشر أنفه في الأمور السياسية التي لا ناقة له فيها ولا جمل وقد دأب هذا العم الأحمق علي تقليد السياسيين وأصحاب المناصب الكبيرة في الدولة والمجتمع وقد مرت البلاد في تلك الفترة بعدد كبير من الانقلابات وكان حالما لا يكاد يسمع من المذياع أن ثمة انقلابا قد حدث في العاصمة حتي يشرع بكتابة برقيات التأييد مهللا للعهد الجديد ولا يكتفي بذكر اسمه الثنائي في نهاية البرقية بل يضع الثلاثي مع عنوان مفصل ويبقي طيلة الأيام الأولي من الانقلاب منكبا علي تحرير البرقيات والرسائل وإرسالها بيد أخيه الأصغر إلي دائرة البريد الصغيرة المجاورة لمكتب أمن المنطقة.
وكان ضابط الأمن يري ويسمع كل ما يفعله عمي فاغتاظ كثيرا من جرأته التي صارت حماقة ما بعدها حماقة وهو يعرف أن عمي لا علاقة له بما يحدث من قريب أو بعيد فلا هو من رجال الجيش ولا من أهل السياسة فما الذي يدفعه لفعل هذا الأمر غير المشاغبة وسوء الخلق والجرأة الفائقة؟
ولم تمض إلا أيام قليلة حتي حدث انقلاب مضاد أزاح الحكومة السابقة ولم يعلم عمي بما حدث لكنه فز مرعوبا من نومه ورجال الأمن عند رأسه يركلونه بأحذيتهم الثقيلة وجدتي تشق زيقها باكية عند رأسه قائلة إن ابنها لم يفعل شيئا سيئا وضابط الأمن الحانق يسخر من عمي وجدتي قائلا لهما..
ـ أعرف أنه لم يفعل شيئا سيئا غير أنه أتعب قلوبنا بالبرقيات النارية التي بعثها للحكومة السابقة.. فليشرب الآن مرة واحدة من ذلك الحساء الساخن الذي أحرق تحت قدره كل وقود الوطن وورقه..
وابتداء من ذلك اليوم الأسود صار عمي يسجن ويطلق سراحه بتعاقب الحكومات واختلافها سواء كتب برقيات التأييد أو لم يكتبها وهو ذاته لا يعرف سببا واحدا لما يفعله معه رجال الأمن، لا يعرف طبعا أن اسمه صار بواسطة ضابط الشرطة الحانق ذاك ضمن ملف المشاغبين والذي يحرص أي عهد جديد علي تنظيف البلد منهم وخصوصا بداية تسلمه للحكم وللأشهر الأولي في الأقل خوفا من السلب والنهب ومظاهرات الشغب المعاكسة…. عمي السادس كان يقلد أشهر المزورين في التاريخ فهو يحدثك عن بونزي رجل العصابات الأمريكي الذي لا تفرق الشيكات التي يزورها عن الحقيقية وزبرو الإيطالي المختص بتقليد أوراق إطلاق السجناء من سجنهم والفرنسي دودفينه المختص بكتابة وصايا الأغنياء المزيفة وأوراق التركات وقد وجدت عمي ذاك جالسا علي أحد جوانب زورق من زوارق الجسر علي دجلة في يوم شديد الريح وهو يمسك أطراف ثوبه بين ساقيه لئلا تطير ويحاول أن يكتب علي ورقة وضعها علي ركبتيه فقلت له
ـ هل جننت يا عمي… في هذا الوقت وهذا الموضع تكتب؟
فقال عمي ضاحكا..
ـ أهلا بابن أخي…
ثم همس لي بعد أن تلفت يمينا وشمالا..
ـ أريد أن أقلد خط رجل مرتعش اليد ويدي السليمة لا تساعدني علي فعل ذلك فتعمدت الجلوس هنا لتحرك الزوارق بالموج في هذه الريح الشديدة، فيجيء خطي مرتعشا كما تري علي أمل أن يشبه خطه.. مهنتنا شاقة كما تري يا ابن أخي العزيز فديتك منها بروحي.
أما أخوهم السابع فهو أبي الذي مات مبكراً بعد ولادتي مباشرة وقد تركني لأتربي بين أعمامي الستة كواحد منهم معتقدا في البداية أني أخ لهم ولست ابن أخيهم المتوفي وكنت أشاطرهم طيشهم وعراكهم ومفارقاتهم لكنني لم أجرب طرقهم في تقليد الآخرين كنت فقط مغرما بتسجيل ما يفعلون وأضيف علي ذلك في بعض المرات مما أقرأ أو من بنات أفكاري وهنا لا أستطيع أن أقول شيئا عن أبي يرحمه الله لما للأبوة من حرمة وقداسة، مكتفيا بقولي عنه إني لأعلم أن له شرفاً وبيتاً وقدماً وإذا قال قائل بقوله انك بالغت بحق أبيك كثيرا سأقول له إني ببساطة أعني بالشرف الأذنين المشنفتين والبيت أعني به أن له بيتا يأوي إليه كباقي خلق الله أما القدم فقد عنيت أن له قدما يطأ بها وهذا ما قصدته بالضبط ومن فهم أني قصدت غير هذا فهذا شأنه والسلام.
كاتب من العراق يقيم في المغرب
هوامش
مسعود العمار تلي..مطرب من جنوب العراق تقول الروايات انه كان امرأة إلا أنه دأب علي ارتداء ملابس الرجال والغناء بصوت رجولي. مات هذا المطرب عام 1934.
صاية مخططة.. نوع من أنواع الجبة تلبس في جنوب العراق في الريف والأهوار..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























