وعاء الضغط …..
كتبهافيصل عبد الحسن ، في 16 أغسطس 2008 الساعة: 22:26 م
وعاء الضغط
فيصل عبد الحسن
لم تكن مهمة صعبة ، أنها مجرد جولة في قدر ضخم للضغط، مغلق لا يخترقه الصوت، كانوا يقضون نهار الجمعة في التجوال خلال الأسابيع الماضية، والحديث عن أمور حياتهما المشتركة يستغرقهما تماما، وابنهما الصغير مثل قرد ينط أمامهما في دروب الحديقة ببنطاله السميك الأزرق، والحذاء الصغير في قدميه يصدر صفيرا خاصا كلما أسرعت خطواته، كانت امرأة ضئيلة و قد بان الاصفرار على و جهها، وبدت يدا الرجل ملوثتين ببقايا أصباغ، و جروح قديمة مندملة، وحزوز كثيرة في جلدي راحتي كفيه، و أخذت المرأة توافقه على كل ما يقوله دون نقاش، لكنه كان يتضايق من هذا القبول الغير مشروط، ويتمنى لو أنها ناقشته فيما يعتقده صحيحا، للوصول إلى حلول ممكنة.
أخذت المرأة تسرح ببصرها بعيدا. كان شعرها جميلا، مرسلا على ظهرها، ليغطي الورود الحمراء، المطبوعة على قميصها، وبين الحين والحين تنظر إليه بعينيها الواسعتين، فيشعر الرجل بمسحة الحزن التي تغطي قسمات وجهها، و تذكر أول لقاء لهما قبل أن يتزوجا، فقد بهرته بعينيها الوامضتين، لم ير شيئا غير العينين في تلك الأيام فكر الرجل أن عليهما أن يجتازا الحديقة ليصلا إلى بغيتهما، وثم ورقة مدعوكة ينظر إلى العنوان المسجل عليها بقلم رصاص بين الحين والآخر، قال الزوج، وهو يومئ للصغير للإبطاء في سيره:
- أنهم بحاجة إلى امرأة و رجل و طفل
لم تقل المرأة شيئ ، كانت تتبع رجلها صامتة، و قف الصغير على ارض الممر ينتظرهما، وحالما وصلا إليه مد يده باتجاه أبيه، امسك الأب الكف الصغيرة وسارا معا يسبقان المرأة ، أعادت المرأة خصلة شعر سرحت على عينها اليسرى، عبرا الشارع ، كانت الأم هذه المرة هي التي تمسك كف الصغير همس الزوج : انه مصدر رزق جديد ، لنتمكن من تسديد الأقساط المتأخرة من بدل أيجار البيت ، ونشتري ما نحتاجه من الملابس للصغير
أمام مبنى كبير ، اخذ الرجل يعيد قراءة العنوان المكتوب على الورقة المدعوكة التي يمسكها في يده، ضحك الرجل: قلت لنفسي سنجد المكان، وهانحن قد وجدناه فعلا .. دخلا المبنى، كان ثمة بواب يجلس على مصطبة حدثه الرجل ، فاقتاد العائلة الصغيرة في ممر طويل ينتهي إلى غرفة تقع إلى اليسار إلى رجل يجلس خلف منضدة، أعطى الرجل ورقة المعلومات، ووقفت زوجته قريبا من باب الغرفة و هي ترتجف خوفا همس زوجها وهو يملأ الفقرات الفارغة على الورقة:
- أنها إجراءات شكلية، لا تشعري بالخوف منذ البداية
حين أكمل الزوج ملء ورقة المعلومات طلب الرجل أن يوقعها بامضاءه، ففعل، وأخذ الرجل الورقة بعناية، وكأنه يستولي على كنز وطلب منهما أن يجلسا على مصطبة في الجوار ليقودهما بعد ذلك إلى وعاء الضغط
بدت الأضواء لعيني الزوجة باهتة، والممر الطويل يشبه ممرا في المستشفيات، اجلسا صغيرهما بينهما، كان الصغير كثير الحركات، فلم يستقر في مكانه بينهما سوى لحظات، وحالما شعر بأبيه وأمه ينشغلان بالحديث ترك مكانه، واخذ يلعب في الممر، و يحجل بقدم واحدة، ويصدر اصواتا عالية، قال الزوج
- لن يطول انتظارنا كانت المرأة أكثر قلقا من زوجها، وقد اخفت الأضواء الباهتة لون وجهها المصفر، وجعل القلق عينيها أكثر حيوية وأخذت تشعان بلمعة غريبة لم يعتدها من قبل، قالت مترددة
- سندعهم يفعلون بنا ما يشاءون لكن الصغير لن أتركه يخضع لتجاربهم
عاد الرجل، و اصطحبهم إلى ممر جانبي، ومن خلال نوافذ زجاجية واسعة تطل على حديقة كبيرة وسط المبنى كان الوعاء الضخم الالمنيومي يتوسط الحديقة، وثمة رجل يجلس على كرسي ورجل آخر يضع جهاز التنصت لضربات القلب ويقف بصدريته البيضاء المتسخة من أطرافها، وبدا للرجل و زوجته أن الرجل الذي يجلس على الكرسي هو الذي يصرف المال على هذه الماكينة واختباراتها، كان يضع رجلا على رجل وقد بان شعر ساقه مثل نمل كثير، واخذ ينظر إلى الزوجة نظرات متفحصة ، وسأل المضمد الرجل الآخر الذي بدا بوجهه الفتي، وشاربه الدقيق، وهو يراقب المرأة ساهما، وبدا انه صاحب الأمر
- أأسجل عدد النبضات؟ هز الرجل موافقا ، اخذ المضمد يسجل على ورقة أخرجها من جيبه عدد النبضات و عندما أكمل ذلك ترك الرجل الآخر كرسيه ، وفتح بوابة جانبية في قدر الضغط ، ودلف إلى الداخل ، وأعاد غلق البوابة فانتهز الزوج الفرصة ليسأل المضمد عن مدى خطورة التجربة ، فأجاب:
- أنها ليست خطيرة لكنها تستغرق وقتا
أكمل المضمد بعد ذلك ، وكأنه يقصد إسماع المرأة ما يريد قوله:
- أن الوعاء معزول عزلا جيدا ومهما صرخ الإنسان داخله بصوت عال فلن يسمعه احد في الخارج كان الوعاء كبيرا ،بحجم شاحنة ، وقد ألصقت على جدرانه الخارجية خرائط كهربائية ، وصور الإجرام السماوية وثمة عدة أبواب جانبية توصل إليها سلالم حديدية مثبتة على ارض الحديقة، وفوق كل باب علقت صورة فاتنة بالحجم الطبيعي ، وهي تبرز مفاتنها بحركة و نظرات خاصة ، جامدة ، وثمة بارومترات معلقة إلى جوانب الوعاء الخارجية ، والسائل الكثيف داخلها يترجرج صعودا و نزولا قال المضمد، وهو يقودهم صوب بوابة الوعاء الرئيسية:
- سنجري التجربة عليكم انتم الثلاثة أول الأمر و بعد ذلك ، كل واحد منكم على انفراد
همست المرأة لزوجها بصوت خفيض:
- لن اترك ابني وحده عند إجراء التجربة عليه
سمع المضمد ما تهمس به المرأة ، فقال بطيبة::
- يمكنك أن تبقي معه
فتح البوابة ، و دلفوا إلى الداخل ، كان الوعاء من الداخل مؤثثا ، وثمة ضوء قليل ينبعث من فانوس معلق إلى الجدار ، وحين اعتادت عيونهم الظلام ، كان الصغير يحاول الإفلات من يدي أبيه ليكتشف بنفسه مجاهل المكان الجديد ، إلا أن الأب لم يترك كفه صغيره
بدا الوعاء للزوج مقسما من الداخل بعدة حواجز، و على ضوء الفانوس استطاع أن يرى سريرا لشخصين، وصورة لامرأة عارية معلقة إلى الجدار، و سمع المضمد يقول:
- سيضاء مصباح قوي ثلاث مرات و سينتهي الاختبار الأول… أبقاهم في الوعاء المعزول ، وخرج مغلقا الباب خلفه. مد الزوج يده ، وقبض على كف زوجته ، كانت أصابعها ترتجف والصغير يناضل للخلاص من قبضة أبيه ، ولم يطل انتظارهم طويلا ، فقد أضاء مصباح قوي ثلاث مرات و انطفأ ، و سمعوا باب الوعاء يفتح من الخارج ، ووقع قدمي المضمد على ارض الممر ، طلب المضمد بصوت متهدج من الزوج أن يصطحب ابنه إلى الخارج لتبقى المرأة و حدها ، فهمس لها زوجها
- ألا يقلقك البقاء و حدك ؟ نظرت إليه بعينيها الجميلتين، كانت ترتجف من الرعب لكنها ابتسمت وقالت بصوت خافت
- سأحاول أن لا أخاف .. أغلق المضمد الباب من جديد وكان الباب محكما لا ينفذ الصوت خلاله ، اصطحب المضمد الزوج و ابنه إلى الحديقة ، و اخذ يجري عليهم الفحوصات المختلفة ، و يسجل المعلومات على ورقة فوق المنضدة. قاس طوليهما ، وعرض كفيهما ، وارتفاع عقب كل قدم على حدة ، وعدد نبضاتهما و أنفاسهما و قاس درجة حرارتهما كل هذا و الطفل يقاوم الفحوص المملة التي يجريها المضمد و هو عند كل فحص يخشى أن يزرقه الممرض بإبرة تؤلمه ووجهه ينبئ عن عدم اطمئنان طفولي ، لكل حركة يؤديها الرجل ، وحين أكمل المضمد كل الفحوص ، سأله الزوج ، وهو ينظر صوب وعاء الضغط الموصد بأحكام:
- أتستمر التجربة على زوجتي طويلا ؟
كتب الرجل شيئا على ورقة أمامه بلا مبالاة:
- بعد قليل سيضاء المصباح المعلق عند البوابة الرئيسية وسأفتح الباب لتخرج زوجتك
صمت الزوج لحظات ، وأستطاع الصغير خلالها التملص من يد أبيه وأخذ يركض في الحديقة ، ويقطع الزهور الصغيرة المتفتحة ، القريبة من متناول يده ، سأل الزوج من جديد:
- ما النفع من إجراء كل هذه التجارب وصرف كل هذه المبالغ المالية الضخمة ؟
ضحك المضمد ، وقال ساخرا
- أننا نجرب أمكانية عيش الإنسان في أمكنة ضيقة، في وعاء الضغط، ، أليس هذا سببا كافيا ؟..
اعتقد الزوج أن الرجل لا يحتمل النقاش الجدي فأخذ يتابع بعينييه المصباح ، وحين أضاء بعد دقائق شعر بفرح طاغ يتملكه ، وأشار للمضمد.. أن المصباح قد أضاء ، فقام الرجل ضجرا وفتح الباب ، فخرجت الزوجة مذعورة ، وهي تحاول اعتياد الرؤية في ضوء الشمس وأخذت تنظم شعرها ، وتعيد طرف قميصها الخارج من التنورة إلى تحتها ،وهي تشعر أنها مبللة ومثل ثمرة بطيخ مفلوقة إلى نصفين .. ركض الصغير صوبها وأستقبلها الزوج ورأى على وجهها ورقبتها قطرات عرق ، قال لها:
- أرجو أن تكوني بخير
هزت رأسها إيجابا ، كانت أصابعها تقبض على أوراق نقدية ، قال المضمد:
- اكتملت الاختبارات اليوم ..ستحضران حالما نهاتفكم ، وربما نطلب حضور الزوجة وحدها أو الزوج وحده ، أن ذلك يتوقف على نوعية الاختبار
قال الزوج هامسا لزوجته:
- أقبضت ؟ فتحت كفها ، فبانت الأوراق النقدية المدعوكة مبللة بعرقها ولم تقل شيئا . خرجوا من البناية وأخذوا يسيرون في الشوارع المزدحمة بالناس وبعد ذلك قطعوا شارعا عريضا يؤدي صوب الحديقة التي مروا بها قبل ساعتين ، قال الزوج:
- أكان أحد غيرك في وعاء الضغط ؟
هزت المرأة رأسها إيجابا ولمعة غريبة برقت في عينيها
- هو ذاته الذي أعطاك مكافأة التجربة ؟
هزت رأسها من جديد إيجابا، قال الزوج مخففا:
- أنها اختبارات بسيطة، أنهم يرمون أموالهم في الطريق..سنكسب مالا كثيرا في الأيام القادمة
أخذت المرأة تنظر واجمة صوب أطفال الحديقة بملابسهم الملونة وثمة فتيات يلعبن بكرة مطاط حمراء وشمس هائلة الحجم مهشمة تستحم في ماء النهر القريب ، وتخرج أجزاءها لاهثة لتلقي بنفسها على أوراق الشجر القريبة وتثقبها وتتقلب باسترخاء بين أوراق العشب ثم تنساب بين أقدام الأطفال اللاعبين هنا وهناك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























