|
الاسم: فيصل عبد الحسن
البلد: العراق
التصنيفات : خاصة,سياسة وأخبار,ثقافة وفن,أدب وكتب,تسلية وأفلام وتلفزيون,ديانات,الأسرة والأصدقاء,مال وأعمال,انترنت وبرمجيات,الموضة والحياة,ألحان وأنغام,تصاميم,تكنولوجيا,رياضة,سفر وتجوال,عام,المرأة
أظهر كافة المعلومات
| ► | كانون الأول 2011 | ◄ | ||||
| إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة | سبت | أحد |
| 1 | 2 | 3 | 4 | |||
| 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 |
| 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 |
| 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 |
| 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | |

|
بسبب كثرة رسائل الأصدقاء التي يطلبون فيها معرفة كيفية الحصول على روايتي، أوضح هنا يمكنكم الحصول على نسخكم من رواية " سنوات كازابلانكا "من دار النشر البريطانية وذلك بالضغط على الوصلة الخاصة بخبر صدور الراوية في هذا الخبر وحالما يظهر موقع العرض للرواية تجدون إلى الأسفل عنوان (أشتر الرواية) فأضغط عليه وأكمل المعلومات المطلوبة والدفع يكون عبر عدة طرق مو
أخيرا وجد جاسم العطية جباشات المعدان في الهور وهو ما يبحث عنه من أمان بعد أن طرد نفسه من قرية الجوابر حاملا كارتونات ملابسه وكتبه، ووجد صديقا قديما من المعدان أسمه عاقول أرشده إلى جباشة صغيرة كانت تستخدم فيما مضى زريبة للجواميس، ووجدا قريبا منها مشحوفا مثقوبا رمماه معا بقبضة من القير والألواح الخشبية، ورفع جاسم إعلانه الكارتوني فوق الصريفة الوحيدة: مقر الحزب الشيوعي، ياعمال العالم اتحدوا!. وأخذ يتأمل ذلك العنوان في جباشة منفردة تتوسط المعدان. ومنذ اليوم الأول استقل مشحوفه ليتعرف على جيرانه وأعضاء الحزب الشيوعي المستقبليين. كان في قرارة نفسه يعرف أن المعدان لا يُعتمد عليهم البتة، فهم عكس أهل القرى والأرياف، ليست لديهم كلمة ولا أمان بينهم، ولا تقودهم إلا غرائزهم ومصالحهم، ولا يفقهون من الحياة سوى ضرورياتها، فكيف يستطيع تحويلهم إلى مناضلين؟، وهو بالذات لا يعرف من الشيوعية سوى شعاراتها وحفظ أفكارا غائمة مختلطة بروايات شائهة عن الجنة السماوية، التي سمع الكثير عنها في حسينية القرية، مختلطة بصور أخرى من حكايات رفاقه عن رجال سمان بسحنات شقراء وعيون خضراء يلبسون بزات العمل وتنهال عليهم وعلى أولادهم بركات الاشتراكية، وتمتلئ أفرشتهم في الليل بأقداح الجعة الروسية والنساء النظيفات عاريات الصدور والمؤخرات، يرقصن كالجنيات ويرددن كلمة حبيبي بمناسبة ودون مناسبة!. ونظر إلى مياه الهور المترامية بعد أن رتب كومة القش وغطاها بجلد الخروف ومخدة القطن، وجمع ما لديه من منشورات حزبية، وكتب إلى جانب المخدة، وتنهد كأنما كل هموم العالم قد انزاحت فجأة عن صدره!.
- 14 -
وتتحدث النساء في قرية الجوابر عن نرجس جميلة الجميلات التي لم ير أحد لجمالها مثيلا، كان عنقها طويلا كعنق غزال، ولسعة عينيها تحرق أبدان الرجال وتذهب عقولهم وتفتن أبصارهم، وتشيع الارتباك والرغبة بالبكاء عند الشباب، فلا تعرف الأقدام مواقعها على الأرض، فيصطدم الرجال بالرجال والنساء بالنساء، ونرجس تعرف ما توقعه في الآخرين من فوضى فتعلو ضحكتها المجلجلة، فتوشك الألباب أن تطير، وتقترب الأنفاس من التقطع من لهفة الطمع فيها ولذة رؤياها مثيرة الخدر والذهول، ويقولون في القرية إن ما أذهب عقل هلال شيء غير جمالها، فقد كان طالبا للعلم في النجف جاء إلى أهله في إجازة، وكان يرتب كتبه في باحة الدار متشمسا بالمشراقة(1) بعد ليلة باردة حين فاجأته داخلة الدار بصدرها العاري، النافر، وجسدها الطافح بالإنوثة والإغواء، ولا يسترها غير ثوب خفيف وعباءة مفتوحة، فما إن رآها الشاب حتى شهق وعطس مرتين واحمر وجهه واصفر، وأُصيب يومها بالحمى الشديدة، وأخذ يردد بعد ذلك أبياتا من شعر أبي نواس، ويبكي ويضحك ويجول في دروب القرية ليلا ونهارا، تاركا لحيته تستطيل ولا يعبأ بما يلبس، فأضاف الناس بعد يأسهم من شفائه لقب المجنون إلى أسمه، فأصبح يُعرف بهلال المجنون!.
وأوشك شباب القرية على الاقتتال من أجلها، ولم يكن ذلك معروفا في القرية من قبل، فليس من المعقول أن يتقاتل الإخوة وأولاد العم من أجل امرأة!. والمرأة في القرية ليست حلما، إنها حاضرة لتلبية رغبات الرجال بالزواج، والفتاة عادة هي التي توقع بالرجل ليتزوجها، وهي التي تغريه وتقربه، وتسمعه الغزل وتحثه على الإقتراب منها، ففيض النساء في القرية يعطي للمرأة دورا لتكون الصياد الماكر لا الفريسة. والقرية منذ وعت الجدات وأمهات الجدات تعاني من كثرة الإناث تقابلها قلة في أعداد الذكور، وليس معروفا ولا معتادا أن تزوج القرية بناتها لرجال من خارج القرية إلا في حالات الفصل، وهي من الحالات النادرة، فصار لزاما على الرجال أن يتزوجوا أكثر من واحدة ليحدوا من الفرق الكبير الحاصل بين عدد الإناث والذكور، فليس غريبا أن يجيء أبو البنات في القرية ليزور البيوت، ليزوجهم ببناته، وينتخب لابنته عريسا، وليس من عادة أهل الجوابر إرجاع أب البنات خائبا في مسعاه مهما كانت الظروف، وذلك العرف في القرية يجعل الأكبر سنا أكثر سعادة، وقد جربوا حظهم في الزواج مرة أو مرتين قبل ذلك وأنجبوا ذكورا وإناثا، ولا ضير البتة من شابة جميلة جديدة يستعيدون في سريرها أيام شبابهم السالفة، وتذيقهم المتع التي حُرموا منها بسبب شيخوخة نسائهم المبكرة، ولن يكلفهم ذلك سوى بناء صريفة جديدة تضاف إلى بيت العائلة، ويقوم بذلك العمل أولاده وزوجته الكبيرة وأولاد عمه، وهو يبقى يراقب ذلك مدخنا لفافة تبغه، معلقا على عملهم بين الحين والآخر بالرضى أو الشتم!.
نرجس في ذلك الوقت تحولت إلى موضوع للخلاف. أصبحت الشرارة التي ستحرق القرية من أقصاها إلى أقصاها، كان معظم الشباب يأملون ويتمنون أن يضعوا أيديهم على هذا الكنز الهائل من المفاتن، ويريد الواحد منهم أن يكتشف جغرافيا هذا الجسد البديع الذي يبدو من خلال ملابسها الموشاة بالورود عملاقا باذخا، ولا يمكن لرجل أن يعتليه أو يبحث في تضاريسه عن المتع العادية التي يجدها في النساء الأخريات، والتفكير بما يختفي خلف ملابسها ويورث الدوخة والارتجاف في أجساد الرجال، فكيف إذا كان الجسد بأكمله، بعاجه وذهبه وفضته تحت الشراشف وفوقه ناموسية، ولا شيء يعكر المزاج أو يدعو للخوف والتردد أو للتوقف عن المغامرة والاكتشاف؟، أية لذائذ يمكن أن تبذلها نرجس لفارسها؟، تركوا لها الخيار بعد أن ازداد الاختلاف، فقبلت بابن الشيخ جلال، فبنى إخوته وأعمامه صريفة وندفوا له فراش العرس من القطن الناصع البياض وملأوا الوسائد بريش الدجاج، وفي ليلة العرس سهرت القرية بأكملها ترقص وتغني وعلت الزغاريد. كان هلال المجنون الوحيد في تلك الليلة العظيمة الذي يجول في دروب القرية المظلمة مزبدا مرعدا!، لم يحضر وليمة العرس كأنما كان يعرف -برغم جنونه- إنها ليلة زواج الحبيبة!، المرأة التي أفقدته عقله، وجعلته ينام مع البهائم ويحدث الأشجار، ويروي قصصه للغيمات المغادرة في السماء الشاحبة، بقي يهدر بصوت غير مفهوم والزبد الأبيض يتجمع حول زاويتي فمه، وعيناه تطفحان بألق غريب، وهو ينادي مخلوقات لا يراها سواه أن تقتص من هذه الأرض، أن تغرقها بفيض من القرود وأسراب النمل والبعوض والقراد والأمراض الفتاكة، وفي تجواله العشوائي المعذب، كان يصل إلى الخوان الذي أُقيم لعرس نرجس، ويرى الناس الجالسين تحت أنوار اللوكسات(2) التي تنير المكان، وأمام ذلك المكان يصرخ بصوت عال ويرجع إلى الوراء كما تفعل شاحنة كبيرة محملة إلى أقصاها بالحمل، ويختفي في الظلام!. وفي ساعة متأخرة من الليل دخل العريس على عروسه بزفة كبيرة، وبعد ساعة من دخوله علا صراخ وعويل أهل الدار، لم يحتمل قلب العريس ذلك الجمال الغريب، فتوقف ذلك القلب حين مست أصابعه ذلك الدفء الأنثوي الرائع، وسبحت عيناه في ذلك اللحم البض، المتعري، توقف القلب عن النبض وأصبح باردا كقطعة حديد صماء، وبقيت العينان تحدقان في اللاشيء، فلم ترتويا بعد من مفاتن نرجس، ولا تمتعت شفتاه بلذيذ مناجاتها تحت الناموسية البيضاء في نور الشموع!. حاولوا تخليص رمانة السرير النحاسية اللاصفة من قبضة يده المتشنجة، لكنهم لم ينجح
- 19 -
مع كل انتصار معنوي يحققه جاسم العطية بين المعدان يردد بينه وبين نفسه: الوعي سيد الواقع، نعم الوعي هو السيد!. ثم يتساءل بكبرياء: من أذكى وأشد خبرة ومراسا من الشيوعيين؟. ثم يجيب علىنفسه: لا أحد، لا أحد!. وفي أحد الأيام ذهب جاسم إلى المدينة صحبة اثنين من عبيد الشيخ لبيع ثلاث جاموسات أراد شيخ المعدان بيعهن، وبعد البيع اشترى جاسم بجزء من ثمن الجاموسات كارتوناً من خمرة المسَيحْ، وفي ذلك المضيف الذي يعبق بدخان المطال الحريفة وأدخنة زجاجات النفط، ورائحة الخمرة القوية مختلطة بأصوات نباح كلاب قرية الدبن، ونشيش البعوض، وأزيز أجنحة الخرفسان الأسود الطائر، ونقيق الضفادع وزحفها البطيء بعد المضاجعة، ومواء القطط وعراكها مع كلاب الجباشات المستوفزة من أشباح السكارى المتمايلين ولغطهم، وهسهسة قصب البردي والجولان وتشظي المياه، وأسطوانات مسعود العمارتلي(1) التي كانت تجيء أنغامها صادحة من الراديو القديم الذي اشتراه جاسم العطية ونصبه في مضيف(2) الشيخ مع كارتونة الخمر وبطارية كبيرة الحجم تحوي عددا كبيرا من البطاريات الصغيرة المربوطة، وكان المعدان قبل هذه الليلة العظيمة لا يعرفون الخمرة وأثرها المدوخ، وكانوا يخافون المذياع الذي كانوا يرونه في مقاهي المدينة ولا يعرفون كيف يتكلم، وكانوا يتساءلون في سرهم إن كان يحتوي على رجال أقزام ونساء ولديهم كل هذه الإمكانيات الخارقة في الكلام والغناء والعزف بالناي والدق على الطبول، وحده جاسم العطية كان مسؤولا عن إدخال الخمرة والمذياع إلى قرية الدبن المعزولة عن العالم. وكان يتساءل بيأس هل يفيد كل هذا لنقلهم إلى مؤامرات عالمه السياسي وتناحراته؟، أيكفي ذلك لنقل صرخات المظلومين من العمال والفلاحين في المدينة إلى ضمير سكان الأهوار؟. وكان يمسد شاربه المفروق من الوسط، محاولا أن يجد إجابات سريعة لأسئلة كثيرة تدور في رأسه. وفي تلك الليلة المقمرة التي لا تُنسى سكر شيخ المعدان ومعه كل رؤساء الأفخاذ(3) وكبار السن، ولم يمتنع عن الشرب إلا واحد من شيوخ الأفخاذ اشتبه أن يكون هذا المقوي هو من صنع الإنجليز، وهو يحرم كل شيء جاء من بلاد النصارى!. وكان جاسم قد أفهم الشيخ ورؤساء الأفخاذ أن السائل المر الذي يشربونه هو أحد أنواع المقويات القوية التي تنظف البطن من الطحالب والأشنات(4)، وأنها من صنع الطبقة العاملة العراقية مائة في المائة، ولا دخل لنصارى الإنجليز فيما يرون من عجائب السائل السحري. وسكر الجميع في ذلك المضيف. وحين تعالت أصوات الخمرة في الرؤوس واحمرت العيون وغلى الدم في العروق، أخذوا يرقصون ويغنون ويفرقعون بأصابعهم ويهزون أكتافهم ويميلون برقابهم، ويرفعون أيديهم إلى السماء يدعون الله بطول العمر للشيخ وجاسم العطية لأنهما أفرجا عن همومهم!، وكانوا أثناء ذلك يأكلون بأيديهم المتشققة السوداء من أوعية المزة التي تحوي خليطا من أوراق الخس واللبن الرائب، وأخذ قسم آخر يبكون ويسفحون الدموع متذكرين آباءهم وإخوانهم المتوفين، وانسل من المضيف بضعة رجال وهم يتمايلون متجهين إلى حافة الهور، وفي الظلام أفردوا سيقانهم وانحنوا صوب صفحة الماء ليتقيأوا ما شربوه من سائل مر لم تحتمل سخونته وحرافته أجوافهم، وأخذوا يمسحون أفواههم بأطراف شماغاتهم، وأخذت تنطلق من ذلك السطر البشري الممتد على حافة الهور إضافة إلى سيل القيء، الضحكات العالية والسباب البذيء والسعال المتقطع، الجاف، ويغمسون بعد ذلك أيديهم في ماء الهور ليطهروا وجوههم، عائدين مترنحين إلى المضيف ليشاركوا من جديد في الشرب بطاسات الماء المعدنية المعوجة التي امتلأت بالسائل السحري الذي يشبه الحليب، وراحوا في مراهنات عقيمة وعقلهم السوداء، ساقطة حول رقابهم، متسائلين عمن يستطيع عبور الهور سباحة والوصول إلى الإشان(5) في هذا الليل المقمر، وراح جاسم العطية يثنيهم عن تلك المراهنات الخطيرة، وكان أكثرهم صحوا، فقد اعتاد هذا النوع من الخمرة كلما ذهب إلى المدينة، وأصر شيخ المعدان على عبور الهور سباحة، معتمدا على ذاكرته أنه قبل عشرين عاما حين كان مراهقا استطاع عبور الهور سباحة ووصل إلى الإشان في ذلك الحماد المرتفع، وقد ذكرهم بذلك وهو يتمايل يمنة ويسرة، ويتجشأ، وعارضه أحد رؤساء الأفخاذ وكان ابن عم له ويطمح أن يصبح شيخا للمعدان بعده، وقد فعلت الخمرة فعلها في رؤوسهم وجعلت فيهم حيوية أكثر من المعتاد، وخرجوا من المضيف وهم يتصايحون ويضحكون ويطلقون السباب البذيء، وحاول جاسم العطية ما وسعه من أن يصلح ذات البين بينهم ويثنيهم عن عزمهم المجنون، ولكن بلا فائدة، وخلعوا ثيابهم وبقوا في ذلك الظلام كما خلقهم الله عراة، ولم يكن أحد منهم في ذلك الوقت يعرف ما هي الملابس الداخلية التي تغطي العورة، ولم يخلع جاسم العطية ملابسه، تركهم يفعلون ذلك ولسان حاله يقول: إن هؤلاء المعدان ولدوا في الماء وشاركوا الأسماك والضفادع معيشتها منذ كانوا رضعا، أما هو ابن القرية وهو في هذه الحالة من السكر سيغرق في شبر من الماء لا في هذا الهور العميق!. وفعل جاسم فعلا ذكيا حين ركب مشحوفه وصحب المارثون الليلي الغريب، وحالما نزل الرجال إلى ماء الهور خرجت نساء الشيخ وبناته إلى فسحة الجباشة وبأيديهن الفوانيس لمعرفة ما يجري، ويبدو أن الماء البارد الذي نزل فيه الرجال قد أطار الخمرة من بعض رؤوس كبار السن فارتدوا راجعين إلى جباشة الشيخ مغطين عوراتهم بقبضاتهم، متسترين بظلام المضيف المعتمة وهم يلعنون الشيطان الذي لعب بعقولهم وأنزلهم إلى الماء البارد في هذا الوقت من السنة، ولكن الرجال الباقين وضمنهم شيخ المعدان ابتعدوا يسبحون تحت نور القمر باتجاه الإشان البعيد، وكان قرص القمر الذي يسبح على صفحة الماء الراكدة غارقا في القعر منعكسا من جديد ليتبدد نورا مضاعفا، وكان كلما مضى الوقت في السباحة غط أحد السابحين إعياءً تحت الماء ثم ظهر من جديد ليعود سابحا باتجاه الجباشة التي انطلق منها نادما على ما فعل، وموشكا على الموت غرقا، وكانت البقية الباقية من الخمرة في رؤوس الرجال تجعلهم يسبحون بشكل دائري وهم يبتعدون عن الإشان ولا يصلون إلى شيء غير الطرطشة في الماء والدوران في دروب البردي المتشابكة، وكان من حظ بعض السابحين أنهم كانوا يسبحون في مناطق ضحلة وغير عميقة، ويقفون على أرض القعر بأجسادهم العارية التي يلصف عليها نور القمر، ويستردون أنفاسهم المتقطعة أو يتقيئون ما شربوه من ماء الهور الممزوج بما في بطونهم، بأصوات عالية، كأنما سيلفظون أنفاسهم الأخيرة مع آخر دورة قيء، وأجسادهم السمراء ترتجف من البرد، وكاد شيخ المعدان أن يغرق لولا قرب مشحوف جاسم العطية منه، الذي مد يده وسحبه باتجاهه وجعله يتمسك بالمشحوف وعلى حيزومه تقيأ بحرقة، ليستعيد صفاء تفكيره وحكمته، ويطلب من جاسم أن يساعده ليصعد المشحوف، ويطلب من باقي رجاله العودة، فالموت أهون عليهم من عذابات السباحة في هذا الماء البارد بأجسادهم الهزيلة وقد كبروا في السن، ولم يعد هذا اللون ما يجيدون! فصرخ جاسم العطية بالرجال أن يرجعوا إلى جباشة الشيخ، وعادوا بالتتابع كالجنود المهزومين بأجساد مرتجفة، وسط ولولة النساء وتحضيرهن إزارات(6) الصوف ليضعها الرجال على أجسامهم المبتلة، وأخذ الرجال الذين وصلوا أولا يبحثون عن إخوتهم وأبناء عمهم وينادونهم للمجيء إلى الجباشة، وكان شيخ المعدان قد وضع على رأسه المبتل إزارا صوفيا وبيده لفافة تبغ ابتل نصفها، وأسنانه تصطك من البرد، وإلى جانبه جاسم العطية في ذلك المشحوف المرمم، يقودان عملية البحث عن الذين تاهوا من المعدان بين صفوف القصب في تلك الليلة الضاجة بالحماقات.
- 20 -
في ذلك اليوم المغبر تسفح الدموع من عيون أهل القرية. وحين يجف الدمع ولا تبقى في صدورهم شهقة إضافية، يتقدم الرجال المكفنون بالقماش الأبيض، برؤوس حليقة خدرها الضرب بأغصان شجر التوت عدة ساعات قبل القدوم، وبوجوه غطاها الوحل، والدماء تصب من رؤوسهم وقد ضربوها الضربة الأولى بالقامات التي كانت أعرض من السيوف وأكثر وزناً، ويسير إلى جوار كل ضارب قامة مساعد يحمل في يده خشبة عريضة تصد القامة عن الوصول إلى هدفها، وهدف ضارب القامة فلق الرأس إلى نصفين، وبالذات عند اشتداد حمى الانفعال، ويصرخ الرجال: ياحسين، ياشهيد، ياحسين!، بأصوات تقطع عند سامعها كل أمل بالنجاة من عقاب الله الأبدي. في تلك اللحظة المؤثرة ينزع جنود ابن زياد ثيابهم الحمراء للتكفير عن خطاياهم في محاربة الإمام، ويشتركون مع ضاربي القامة وضاربي الزنجيل(7)، ويأتون من جهة أخرى برؤوس حليقة موحلة وثياب ممزقة، دلالة على عدم اشتراكهم في جريمة القتل، فقد كانوا بعيدين عن أرض المعركة، وكانوا بقلوبهم وسيوفهم البعيدة مع الحسين(ع)، وأخيرا وردهم نبأ المقاتل فجاءوا نادمين لانشغالهم بأمور دنياهم عن دينهم، ذنبهم كان صغيرا، فعقابهم سيكون من جنس عملهم، سيجلد ظهورهم الزنجيل ويخمشها ويدميها ويصبح الزنجيل بديلا للكرباج الذي سيسوطهم به الحاكم الظالم على مر التاريخ، ستلتهب جروح ظهورهم لتتكيف بعد ذلك لمعانقة ضفيرة كرباج السلطان، دون إطلاق صرخة ألم أو عبارة احتجاج في عبودية تامة تتقبل الألم والخضوع والكف عن الولولة والشكوى والبحث عن المنقذ. فالمنقد أخذته رمال كربلاء إلى جوفها ودفنت الجسد المنزوع الرأس ووارته عن الأنظار والرؤوس حُملت على أسنة الرماح لتتوسط مجلس يزيد بن معاوية الضاج بضحكات الجواري واللوطيين والقرود المدربة وأرباب الحكم من بني أمية، حملت تلك الرماح الرؤوس الطاهرة لتزيد من جروح المحبين، ساخرة من هيبة الجبال المنتصبة بغباء!، والشمس التي تشرق كل يوم ككرة بلهاء!، هازئة بالمجرات الآخذة بالتوسع والتمدد!. ويضيع صوت الراوية، فلا أحد يصغي لصوته الجهوري وقد أخذتهم رؤية الدماء الحقيقية الشاخبة من الرؤوس وقطع الخشب التي يمسكها المساعدون ويتمزق نثار خشبها المديوف بقطرات الدم المتناثرة، وصرخات الرجال، وهم يضربون ضرباتهم الناجحة، الفالتة من مصدات الخشب، الضاربة في الهامة، والتي ترضخ عظام الجمجمة فيتهاوى الرجال بوجوه ذابلة وعيون منتصرة، فقد نجحوا في بلوغ المرام، وعانقت أجسادهم الرمال مع الشهداء!. لا فرق بينهم وبين الحر بن زياد الرياحي أو علي الأكبر(8) أو العباس بن علي عليهم السلام. أخيرا كفروا عن ذنوب الأجداد ومسحوا بدمائهم ما اقترفه أولئك الذين سكنوا الكوفة وخدعوا الحسين برسائلهم ووعودهم الزائفة. لن يوقف موتهم أحد، فقد اصطحبهم الحسين(ع) معه في موكب الناجين! ولم يشملهم أسر ابن زياد(9)، لقد تمردوا على حباله وسيوف فرسانه وذهبه وفضته وصولجان حكمه، وانسلوا بين الأقدام ساقطين يعانقون الرمال، أهي نفسها تلك الرمال الرطبة التي مضغها الحسين(ع) باحثا في رطوبتها عما يقلل من تخشب لسانه؟، أيا تكون هذه الرمال حملتها الريح من صحراء كربلاء أو نجد، أو جاءت بها من مصر التي دُفن في أرضها رأس الحسين(ع) وجعلته مزاراً، فالحياة واحدة والموت واحد والاختيار واحد لا يتغير، ولا حياة في الحياة لغير المعنى!. يختفي الراوي بين المزدحمين لا يراه أحد، هل اختلط بضاربي القامة؟، هل أصبح واحداً من ضاربي الزنجيل؟، هل اختفى في غمامة الأتربة وسف الرمال؟، هل تحول إلى أسير يسوقه الجنود إلى ابن زياد؟، لا أحد يعرف!!.
يُحمل الموتى من ضاربي القامات ليُصلى عليهم في الحسينية، وبعد ذلك يدفنون بدمائهم، فدم الشهيد هو طهارته وثوبه كفنه. وفي ذلك الموج البشري الذي أُصيب بجنون التكفير والندم يسحق الأطفال بالأقدام، وتختنق العجائز والشيوخ بفعل الغبار والازدحام، ولا يتعرف الأب ابنه، أو الرجل امرأته، أو الصاحب صاحبه!.
ذلك القس الذي استأجر رأس الحسين(ع) المحمول على سن الرمح لليلة واحدة، استأجره من الحرس الغلاظ وهم في طريقهم إلى دمشق، ليحصلوا على جائزة القتل من خليفة المسلمين يزيد!، أعطى الجنود عشرين ديناراً ذهبياً بيزنطياً، وكان هذا كل ما استطاع جمعه في حياته الطويلة، قالوا له: ماذا تفعل برأس مقطوع؟. قال لهم محاولا إخفاء نياته: أنظره وأرى كيف تقطعون الرؤوس!.
ضحكوا من بلاهته وسخروا، ولكن ما أعطاه لهم من ذهب في تلك الليلة أعمى عيونهم عن معرفة أهدافه الحقيقية. كان يعرف أن هذا الرأس يعادل مجرات الكون وجبال العالم وسهوله!. وتذكر في تلك اللحظة جسد المسيح(ع) الذي صُلب، وكان قبل ذلك يتساءل في وحدته ألم يكن لأحد من سكان فلسطين ذرة عقل، ليُنزل الجسد بعد إنصراف الجلادين، ليأخذ الجسد ليستبقيه ليلة في بيته، ويرى في جسده آثار تثقيب المسامير وصرخات الألم المحتبسة في الفم الكريم؟. أخذ الرأس من الجنود(هل انتزعوه من سن الرمح؟، أم أعطوه الرأس معلقا بالرمح؟، لا تقول الروايات شيئا عن ذلك صراحة، ولكن استرسال الأحداث يثبت أنه أخذ الراس بعد انتزاعه من الرمح). غسله بماء الورد وجعل البخور حوله، رأى عتمة الموت تفارق ذلك الثغر الذي قبله الرسول الكريم(ص)، وكانت طاقة من النور تحيطه، وتلك الندبة المضيئة في الجبهة، لماذا هي أكثر نوراً من كل جهات الوجه؟، وذلك السرور الخفي الذي تخفيه قسمات الوجه؟، وتلك الشرايين المندلقة من تجويف الرقبة التي ما زالت تنضح دماً عبيطاً(جروح الشهداء لا تتوقف عن نضح الدم حتى بعد ألف عام)، وتساءل القس: أين ذهب تصلب القسمات عند مفارقة الحياة؟، هل رأت العينان في لحظة الموت ما أذهب عنها محبة الحياة؟، ماذا رأت؟، وهذا الأنف الأشم الذي سيضربه بعد أيام ابن معاوية(10) بالسوط حين يُقدم له الرأس بطست الذهب، تلك الغيبوبة هل جاءت من غربة المنفى أو فداحة القتل؟، أتبقى الخصلات من شعر الحسين(ع) تُقطع بمدية يفعلها القس بكف مرتجفة مضيئة، وامضة؟، كأنما هي قطعة اختزنت الأضواء وبقيت ترعف ذلك الضوء على مر الأزمان وحتى يوم القيامة!.(أخرج القس جلد غزال ودواة وريشة وأخذ يرسم وجه الحسين(ع) كما بدا له في نور الهالة القدسية، فوق المنضدة الخشبية التي وضع عليها الرأس الذي كان في ضيافته ليلة كاملة، كان رساما ماهرا(11)، واحتفظت أجيال كثيرة بصورة ذلك الرأس المقطوع، تنضح من عروق رقبته الدماء فوق قطعة قماش بيضاء، مربعة على تلك المنصة الخشبية. وبعد ذلك بألف وتسعمائة عام طُبعت من الصورة ملايين النسخ بالأسود والأبيض، وأضافت الظلال السوداء للألم الذي تشي به الصورة بعداً مأساوياً سيبقى في ذاكرة كل من وقعت عيناه على تلك النسخة من الصورة!. لم تكن صورة لرأس رجل مذبوح، بل كانت صورة العالم وقد ذُبح من الوريد إلى الوريد بلا شفقة أو رحمة!. لقد حملت تلك الصورة التي ظهرت على الملأ مناخاً متوحشاً شبيهاً بالقتل المتكرر، القتل ثم البعث، والقتل من جديد والبعث لملايين المرات!. القس رسم الصورة عندما يكون الناظر إليها وجها لوجه، ورسمها كذلك من جهة اليمين، وأعاد رسمها من جهة الشمال فوق ذلك الجلد القديم، بريشته المرتجفة ونقيع الأخشاب المحروقة، هل تساقطت الدموع من عينيه وهو يرسم تلك اللوحة -الشهادة- بكل ما حملته من دلالات؟. الإجابة واضحة من ارتعاش الخطوط وانثناء الورق الذي سقطت عليه الدموع بحامضها النووي الذي أتلف نسيجه الجلدي وأظهر تفاعلاً لونياً على الجلد تستطيع أن تلاحظه العيون، من جهة الشمال واليمين أظهرت جرح الخنجر الذي أخطأ الذبح في البداية، فقد كانت يد الشمر مرتجفة، ونفسه تواقة لإنهاء هذا الأمر الكريه والفوز بالجائزة، والجائزة كانت كبيرة، إنها مُلك الري(12)!. ولا يكلفه ذلك سوى هذا الجهد الضئيل ببتر الرأس عن هذا الجسد المتألم، المثخن بالجروح. ربما في لحظة غواية شعر أنه يفعل فعلاً حميداً بتخليصه من آلام جروحه، والإجهاز عليه ذبحاً هو الحل، لقد وضع لفعله القبيح تلك التبريرات التي يصنعها الإنسان في كل عصر تتصارع فيه الطموحات الشريرة والأهواء مع القيم والأخلاق والمبادئ، وهي في حقيقة الأمر تبريرات خرقاء، لا ترى الحقائق البسيطة إلا بعين الطمع لتحقيق الغايات، وتبتعد عن الصواب بقدر الاستطاعة، ويأخذها الخيال الشيطاني بعيداً لتبييض الأسود وتسويد الأبيض!. وقد جاءت ضربة الخنجر الأولى في جانب وجه الحسين(ع) وهي التهيئة الضرورية التي تتيحها له جرأته لقيامه بحركته الأخيرة بفصل الرأس تماما عن الجسد الشريف في أتم صورة مطلوبة في ذلك العصر!.
ذلك القس كان معروفا، والذي لم يكتف بذلك الرسم التخطيطي للرأس المقطوع وذلك الاستبقاء ليلة واحدة، ذرف خلالها الدموع وأقام الصلوات على روح الشهيد، بل إنه خاطب الرأس، واستمع له وأجابه عن كثير من أسئلته، وتلذذ بسماع لذيذ نجواه، وعرف في تلك الليلة الكثير من الأسرار والنبؤات والحلول لمعضلات كانت تؤرقه منذ مقتبل شبابه وتؤرق العالم القديم بأكمله!. كان كل ذلك يقال من على منبر القرية بعد دفن الأجساد في اليوم الثالث عشر من محرم.
- 21 -
الحفيظ ذلك المكان المجهول في الهور الذي يحوي خزائن المهدي(ع)(13) الغائب، المنتظر من قبل الشيعة، الذي سيظهر في يوم من الأيام، وقد امتلأت الأرض جوراً وضجت بالظلم والرزايا. وتفرقت شيعة آل البيت في كل أرجاء الأرض بحثاً عن الأمان، وللاختفاء من أعداء أشداء ينوون الفتك بهم، وقد امتلك أهل الظلم ناصية الأمور، وجعل الظالمون دأبهم في البحث عن عترة الرسول وشيعة الإمام لذبحهم وإخفائهم عن ظهر الوجود، توطئة لإزالة الإسلام عن الأرض، فلا يزول الإسلام ولا ينكسر ظهره وتضعف إرادته وامتلاكه قلوب الناس ووجدانهم إلا بزوال عترة الرسول وشيعتهم. وحين يدلهم الخطر وتزداد الخطوب يظهر المهدي(ع) من غيبته التي امتدت إلى أكثر من ألف وثلاثمائة عام، منذ اختفى في ذلك السرداب في مدينة سر من رأى(14)، وجنود بني العباس يتعقبونه لذبحه، كما فعلوا مع أجداده وأهله، وأبوابه ومريديه، اختفى الإمام في ظلام السرداب ليعود من جديد مع تباشير عالم جديد، وبانتظار ذلك اليوم الذي سيحتاج في دعوته للمال لتجنيد الجيوش وشراء السلاح لإقامة دولة الإسلام الكبرى التي ستمتد شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، لتشمل العالم بأكمله، وسيظهر معه سيدنا المسيح(ع) ليكون ساعده الأيمن ووزيره الأول، والكثيرون ممن ماتوا منذ أقدم العصور ستعاد إليهم الحياة ليشاركوا في ثورة المهدي(ع) بإذن الله وقدرته، ستجيء الجيوش الجرارة من الشرق والغرب لمحاربته والقضاء على ثورته، لكن مشيئة الله الجبارة ستحول سلاحهم إلى حديد لا يضر ولا ينفع. وأثناء ذلك سيعود العالم إلى وسائله القديمة البدائية، وتتوقف في تلك الأيام مصادر الطاقة وتستكين الآلات، ولا تطير الطائرات أو تندفع الصواريخ،ولا تنطلق المدافع، يتحول كل شيء إلى حديد لا معنى له ولا فائدة منه! ويعود الناس مرة ثانية لاستعمال السيف والرمح والنشاب والترس وسراج الزيت القديم!. واستعداداً لهذا الحدث الكبير الذي سيهز العالم ويحوله إلى عالم لا حول له ولا قوة أمام قوة الإيمان، حيث تجيء كرات مضيئة من السماء تعلن عن الفرح الأكبر! وتكتب بأضوائها اللاهبة أسم الله والرسول الكريم وآل بيته والشهادتين وأسماء الله العظمى. وقبل تلك الأحداث الكبيرة، ومنذ زمن بعيد، يجمع أهل القرى القريبة ما يجود به أخيارهم من مال وذهب، وتُدفع إلى صناديق الحسينيات، ويُرسل بعد ذلك إلى صندوق الحسينية الرئيسية في قرية الجوابر، فيتم إحصاء ذلك

- 25 -
بلغ بوادي الحب لليلى مبلغا تعدى الهيام، وهي حالة لم يشعرها من قبل أحد من أهل الجوابر، فقد أخذ وجهها الجميل يطرز أحلامه ليلاً، ويغزو خيالها العذب نهاراته، ولم يعد يطيق الجلوس في دكان أبيه وعقله معه، لسماع بلاغات الثورة الإيرانية، التي يذيعها المذياع الصغير، ومناشداتهم لأبناء الشيعة في كل مكان من العالم للثورة ضد ظالميهم! من أجل إنطلاق عصر جديد يهيئ لظهور الغائب المنتظر!، وعافت نفس الشاب الطعام والشراب وصار يعُدُّ الطيور الهادلة فوق أشجار النبق الضخمة في ساحة القرية وعيناه مصلوبتين على بيتها، عسى أن يلمح وجهها أو طيفها عبر باب مفتوح أو كوة أُزيحت عنها الستارة. يتأمل خيالها في خلواته، مراقباً كلاب القرية في لعبها ومطارداتها لبعضها البعض في دروب القرية الخالية، ويتابع النمل الأسود متسلقا الجذر الضخم والصاعد إلى أعلى الساق المتحرشفة، بلا كلل أو تلكؤ، وينظر ذرق العصافير المتساقط على الأرض ويسمع أزيز زنابير سوداء ورفيف أجنحة الفراشات المحلقة، فوق أزهار عين الشمس المتفتحة كالشموس وأزهار أشجار البرتقال البيضاء، ورأى في مرة من المرات أخاها الصغير مرتضى وحالما رآه سلم عليه كغريق وجد طوقا ينقذه! كان الصبي خارجاً للذهاب إلى الحسينية ليحفظ سور القرآن على يد الملا قنبر، وكان الولد الوحيد في عائلة السيد مهنا، وكان أبوه يعده لإستلام أسرار الحفيظ. أراد أن يسأله عن ليلى وأحوالها وينقل تحياته لها، لكن لسانه لم يطاوعه ولم يجرؤ على ذلك أبداً، فقال له مستفسراً عن أحوال عائلته، فأجابه الصبي باقتضاب: إنهم بخير. ثم سأله الصبي لماذا لا يجيء إلى الأرض ليعمل مع أبيه كما كان يفعل في الماضي، فأجابه إنه يعمل الآن في الدكان مع أبيه، لكنه سيمر في يوم من الأيام على الأرض ليساعدهم في حرثها، استعداداً لموسم الزرع الجديد. وغمز الصبي له وقال: أن الملا قنبر سيعنفه إذا تأخر عن موعد الدرس، ويقول عني إني سأرث مكانة أبي وعليَّ أن أحفظ القرآن بأكمله عن ظهر قلب!، وذلك صعب كما تعرف. تساءل وادي وهو يفكر بذات الوقت عن شيء ما يقوله لليلى عبر أخيها، لكنه لم يجد شيئاً وتبخر الكلام كله مرة واحدة: هل تحفظه بأكمله ؟!. أجاب الصبي بحميمية: بأكمله يا وادي، ما أصعب ذلك يا أخي!. فقال وادي مواسياً: لكنك ذكي وتستطيع أن تفعل ذلك بسهولة!. وأثناء ذلك الحوار القصير، كان يستشف قسمات الصبي ويتذكر الحبيبة وحرمانه من رؤيتها، ويشعر بشوق مرير يسيطر على فؤاده!، وما أن غادره الصبي، إلا وشعر أنه لا يطيق الصبر والجلوس بعد ذلك أبداً، ودق جرس كبير في رأسه معلنا أنه يريد أن يتملى ذلك الوجه الحبيب ويرى ذلك الثوب ملتصقا بجسدها ويحدق عميقاً بصفاء عينيها، يريد أن تمس أصابعه شفتيها، أن يقول لها إنها له وهو لها، ولن يفرقهما إلا الموت، وفي لحظة عمى حقيقية، فقد قدرته في السيطرة على عواطفه وأشجانه، وشعر بقدميه تقودانه، دون إرادة منه، إلى جدار بيت السيد مهنا، لم يقصد جهة الباب الصفيحي ليطرق عليه بيده كما يفعل من قبل!، وهو يعرف إنها لن تأتي إليه لتعرف من هو الطارق، ستقوم أمها بفعل ذلك، فليس في القرية فتاة تفتح الباب لطارق مجهول أو عابر سبيل!، وهو يريد أن يراها ويتملاها دون استعداد منها أو معرفة إن وادي الهائم بعشقها قد جاء ليسأل عن أمرها، فتأخذ حذرها وتلبس العباءة والحجاب فلا يلمح ما يطمع برؤيته!، وتغزوه ملابسها المعتمة وخيال الحبيبة المختفي وراء الأقمشة!، يتمنى أن يراها بثوبها، عارية الصدر والوجه، يحلم بلمس أصابعها الطويلة وحمرة خديها، ويروي ظمأه من الوهج الأخاذ في عينيها!، ولكي يرى تلك المباهج مرة واحدة، عليه أن يزيح جانبا من جدار القصب ويدخل دارهم عنوة، مهما حدث له أو جرى عليه!. في تلك اللحظة الآنية التي كان يراها في خياله بغلالتها الشفافة، ووجهها المشرق، شعر أن رؤيته لها في ذلك الوضع تسكره وتخلب لبه وتجعله فاقداً للإرادة وبعينين رصاصيتين خامدتين، وأصابع متوترة علق بها الإرتجاف والتشنج، أمتدت كفاه صوب الجدار القصبي وأزاحه إلى فرجتين، وأدخل جسده من خلال الفتحة التي أحدثها، وأصبح في باحة الدار الفارغة، ولم يشعر إلا وهو بمواجهة كلبهم المتوحش، وقبل أن يسترد أنفاسه وعقله، قرر العودة إلى الطريق في لحظة رعب لا مثيل لها! كان الكلب قد أنشب أنيابه ومخالبه في ثوبه! وللخلاص من هذه الأنياب المتوحشة قفز من جديد إلى خارج الدار من خلال شق الدخول ذاته، تاركا بين شدقي الكلب جزءاً من ثوبه، ولم يكتف الكلب بذلك الانسحاب الخائف، بل أخذ يطارد الشاب في درب القرية الضيق، وحمد وادي الله وهو يسترجع أنفاسه المتقطعة: إن أحداً لم يمر في ذلك الطريق ليرى عاره وخيبته في تلك اللحظات المخجلة!. أمسك حجراً من حجارة الطريق، وثوبه الذي قُدّ من قُبلٍ أظهر ساقيه المرتجفتين والكلب ينبح بوجهه! متقدماً بجسارة لا مثيل لها محاولاً النيل من العاشق الولهان!..

- 26 -
في تلك الليالي المقمرة، وعلى ضوء الفانوس يتحدث جاسم العطية عن عمال المدن، الذين ينبغي أن يتحدوا، ويهز شيخ المعدان رأسه! كأنما يتابع صاحبه، لكنه كان يفكر بالمدينة التي يجيء ذكرها شذرات متناثرة في حديث صاحبه المتشعب! قال في ليلة من الليالي راوياً عن المدينة التي يأسره ذكرها: بعد فراري من قرية الجوابر في حوض حافلة تنقل محصول الرز، فوجئت بأحوال المدينة، رأيت النساء بتنورات فوق الركبة شبه عاريات! ويلبسن بنطلونات تظهر كل ما خلق الله في المرأة من عورات! وكل واحدة تسير مع رجل وتتكلم وتضحك بلا احتشام! فوقفت إلى جانب الشارع أنظر وأتملى النظر بدهشة، وأقول لنفسي أخيراً سأتوقف عن مضاجعة البهائم وجلد عضوي في دار الخلاء! وأجد حريتي الكاملة مع هاته النساء الجميلات، وعندما اقتربت من واحدة منهن معتقداً أنها أجملهن وأكثرهن وداعة واستسلاماً، ولم يكن بصحبتها رجل، فاجأتني وهي تنحني لتلتقط كعبها العالي! لتضربني به، وقد حذروني في السكن من ضربة الكعب القاتلة، قلت في نفسي إنها مـجنونة بلا شك وتركتها! وحاولت مع أخرى أصغر سناً، ولولا أهل الخير والشهامة لأودعتني السجن ؛ ثم اكتشفت مع الأيام أنهن يشبهن نساء قريتنا في العفة؛ ولكن الفرق الوحيد أنهن مصبوغات بالألوان وشبه عاريات! أما الرجال الذين في صحبتهن فإما أن يكونوا أزواجهن أو إخوانهن، أو زملاء عمل يحرصن على إيقاعهم في براثن الزواج! وأخذت أدق على جبهتي بكفي في تلك الغرفة القذرة، الرطبة، التي أكتريت فيها سريراً لأنام عليه، فسمع بكائي عامل بناء كان يسكن في الغرفة المجاورة، وعندما عرف سبب بكائي ضحك، وأخذني من يدي في ذلك الليل إلى سرداب أحد الفنادق القديمة في باب المعظم(1)، وعرفني على أم جابر العوراء، التي تبيع الشاي في النهار وتفتح في الليل فخذيها بربع دينار! وما أن تضطجع فوقها حتى تشعر إنك مبلل وحسب! ولكي تتحاشى ركلتها العظيمة بقدميها المتفطرتين، فعليك أن تنط إلى الوراء كالقرد قبل إتمام العملية! وأن تكمل ما بدأت به عندها في غرفتك بالفندق القديم، على الفراش الأصفر النتن! وبعد أن توطدت علاقتي بأم جابر، حكت لي عن أصلها وفصلها، وقالت إنها جـاءت قبل سنوات من قرية من قرى الجنوب، وإنها تطمح أن تعود في يوم من الأيام إلى مسقط رأسها، ونظرت إليها وأنا مشفق على حالي، وقلت في نفسي: يا جاسم المطية وليس العطية! لم يتغير في حياتك شيء حتى وأنت في المدينة! حملت بهائمك على ظهرك وفوق رأسك لتضاجعها في سراديب باب المعظم!. وحدثه عن البارات التي تبيع الخمرة، والنساء النظيفات والجميلات. الشوارع العريضة والنيونات التي تجعل ليل المدينة نهاراً، فيدلق شيخ المعدان في جوفه بحرقة غضب السائل الأبيض، الذي اعتاد مرارته، ويحدثه جاسم العطية من جديد عن موسكو، المدينة التائهة في الثلوج والمتع الخرافية! ويسأله الشيخ متعجباً: وهل رأيتها ؟. ويهز جاسم رأسه نافيا، ويكرر لازمته المعتادة حين يدلي بشيء غير متأكد منه: يقولون عنها أشياءً عجيبة، سمعتهم يروون عنها في المدينة ومن رواياتهم عشقتها!، ثم يضحك ويرجع رأسه إلى الوراء فيبرز شارباه الكثان أمام عيني الشيخ ويمتلئ صدره الواسع بالفخر وهو يقول: عشت في بغداد سنة وفي البصرة أربع سنوات!، ثم أخذ يحدثه عن البصرة، وكان شيخ المعدان قد زارها بصحبة والده حين كان صبياً مرة واحدة، وأكل الكباب(2) الشهي في مطاعمها، ولكن بعد ذلك لم يزرها أبداً خوفا من الانضباط العسكري كبقية الرجال من المعدان الذين لم يخدموا الخدمة العسكرية المطلوبة من كل مواطن، وينتظرون في الهور حتى تتجاوز أعمارهم الثلاثين بسنوات، وبعدها لا تلفت هيئاتهم أنظار الانضباط العسكري فيزورون المدن متوجسين، متحاشين النظر بوجه كل من أرتدى بزة حكومية. وعن تلك المدينة حدثه جاسم قائلا: إنها مدينة كبيرة وواسعة، تمتلئ بالسيارات والحدائق و….، المنزول(3) هناك فيه من البنات الجميلات ما لا يصدقه عقل!. ثم يضرب بيده على الناصية الترابية أمامهم، التي جعلوها كمائدة، كانت مزتهم في تلك الليلة: رؤوس الفجل وحبات الطماطة والحمص المسلوق، وعلى ضوء الفانوس كان وجه الشيخ الأسمر النحيل يبدو وكأنه رغيف خبز طالت مدة بقائه في التنور، فاحترقت حافاته واسمرّ متنه وتقطف شاربه الرفيع،بعينين خرزيتين تلتمعان، وذلك النبل الغامض في القسمات الذي ورثه عن أجداده شيوخ الهور، الذين يصل نسبهم للسومريين قبل آلاف السنوات، وقال الشيخ محركاً رأسه كما يفعل صبي أمام أبيه لينفذ وعداً قطعه على نفسه: متى تنفذ وعدك لي وتأخذني إلى البصرة؟. نظر إليه جاسم وخوص بعينيه، وقد بدأ تأثير الخمرة يظهر واضحاً على صوته: في الغد إن شاء الله . قبل شهور عديدة وهو يعده بذلك الغد الموعود ولا يأتي هذا الغد أبداً، ففي الصباح يذهب مع الشيخ في جولة على المعدان، الذين سيخرجون لصيد السمك، وجولة أخرى على المعيديات اللاتي سيذهبن إلى حماد الجبايش ليعرضن ما لديهن من زبد وقيمر وحليب وبيض ودجاج وبط للبيع، وللشيخ في كل هذا حصة، وجاسم منذ اليوم الأول أصبح مسجل حساباته، فيسجل ما سيخرج به المعدان من بضاعة إلى السوق، وبعد العودة قبل المغرب بقليل يجرد ما رجعوا به ويأخذ نسبة الشيخ، ويدفع المعدان تلك النسبة بطيب خاطر ودون قسر أو إلحاح من أحد، فهم يعرفون منذ الولادة أن عليهم الدفع للشيخ، الذي تسوى عنده جميع المشاكل التي تقع بينهم أو بينهم وبين العشائر الأخرى التي تسكن الحماد، كما أن الشيخ ينظم الصرف على الولائم الجماعية التي تُقام في الأفراح والمعازي للمعدان وأيام عاشوراء، وهو الذي يعوض المتضررين أثناء حدوث الكوارث والنوائب، فالناس تتذكر قبل سنوات عديدة عندما بدأت السماء تلقي بالحالوب، وكانت الواحدة بحجم البيضة، وقتل ذلك البلاء النازل من السماء أغلب ما يمتلكه المعدان من جواميس، وهي وسيلة حياتهم ومصدر رزقهم، وما أن توقف سقوط الحالوب الكثيف، أرتفع عويل الناس على جواميسهم ودجاجهم النافق! واشتد الحزن بالجميع، وأخرج الشيخ ما ادخره من مال وأعطاه للمتضررين، ليشتروا بدل الجواميس التي ماتت، وأثناء ذلك العام حل بينهم مرض أبو زويعة(4)، وكان الناس يتقيئون ويتبرزون وتزداد حالتهم سوءاً ويموتون، وأخذ المرض يحصد العائلات واحدة بعد الأخرى، وعندما سأل الشيخ عن سبب ذلك المرض أجابه الحكيم الذي أوفدته الحكومة إلى الهور، بأن مرض المعدان بسبب قلة النظافة، والماء الملوث! وحين طلب منه أن يوضح لهم، أفهمه الحكيم أن من الأمور المهمة أن يغلوا المياه قبل شربها! وضرورة أن تكون لكل واحد منهم قطعة صابون يفرك بها جلده أثناء الاستحمام، فأعطى الشيخ المال اللازم لشراء ذلك الصابون الضروري لإنقاذ المعدان من الموت! وما أن جُلب الصابون واستحم الباقون بهذا الصابون العجيب برائحته الزكية ولونه الناصع، وشربوا الماء الذي سبق غليه، وجاءت كل تلك التطورات الصحية في نهاية دورة المرض، فأختفى المرض فجأة كما ظهر فجأة! وعادت للمعدان ابتساماتهم وشاع الفرح بينهم، وارتفعت أيديهم بالدعاء للشيخ، وما أن نفد الصابون حتى عاد المعدان لعاداتهم القديمة، ولكن مرض أبو زويعة لم يطرق أبوابهم بعد ذلك! ولن ينسى الناس سنة الجراد! وعام البرغش! وعام الحكومة! ففي ذلك العام الأسود جاءت زوارق ترفع أعلام الحكومة وفيها عدد كبير من الجنود، وعلى زوارقهم نُصبت مدافع موجهة لجباشات المعدان! وطلبوا من المعدان أن يسلموا أولادهم للخدمة العسكرية، ولم يكن هذا مألوفاً ولا معروفاً، فلا سلطة لأحد على المعدان غير سلطة الشيخ!، فكيف يسلمون أولادهم إلى الحكومة ؟، ومن هي الحكومة لتأخذ منهم أولادهم ؟، وأطلق بعض المعدان النار من بنادق الصجم القديمة التي يمتلكونها، فرد الجيش برمية مدفع مفردة أزالت الجباشة التي انطلقت منها رمية الصجم بمن عليها، وأرتفعت النار وعلا الدخان، وعلا الصراخ في الجباشة المنكوبة، وأُسقط في يد المعدان، كيف يقاومون هذه الكارثة التي توجه فوهتها إليهم وتهز الأرض تحت أقدامهم!، وعلق صاحب الجباشة المنكوبة الذي نجا بأعجوبة من قنبلة المدفع: هذا بلاء من الله وكذاب من يقول إنه من صنع بشر!. وحدث المعدان بعد شهر على تلك الحادثة: كان أخي المرحوم في الجانب الآخر من الجباشة يُدخل الدجاجات إلى القفص حيث صُوبت الدانة(5) إلى الجباشة، وأنفجرت فهزت الأرض وانفتحت باب جهنم على الصريفة كتلة من النار ولحم البهائم المحترق! ورأيت أخي كان سالما يرحمه الله ولم يُصب حتى بخدش واحد!، لكنه جلس لا يستطيع الوقوف، ولف سيجارة!، وقبل أن يتم لفها فاضت روحه ومات!. في تلك الساعات المريرة، ركب شيخ المعدان مشحوفه وقد تمنطق بحزامه، وقد ملأ جوف ثوبه فوق الحزام بحزم الدنانير وتوجه صوب كبير الجيش، وبقي هناك حتى العصر، وعاد مبتسماً، وغادرت المراكب الرمادية وعمت الأفراح جباشات المعدان، وأرتفع صوت إطلاق النار في السماء وهم يشيعون الميت الذي سقط ذلك اليوم!. ومنذ ذلك اليوم، الذي سُمي بيوم الحكومة شُطبت قرية الدبن من سجلات وزارة الدفاع! ولم يقصدهم أحد ليطلب أولادهم لأداء الخدمة العسكرية، وكان جميع المعدان يحلفون برأس الشيخ، وإذا حلفوا بذلك القسم فهم لا يحنثون به أبداً، وكان ذلك الشيخ هو جد شيخ المعدان الحالي، وكان الحفيد يتباهى بأمجاد جده عندما تُدق هاونات(6) القهوة وتعلو أدخنة المطال الحريفة!.
- 27 -
كان القس يشعر بأشياء تتغير داخله، أشياء لم يعهدها من قبل تتبرعم داخل روحه، لها عطر الورد وبصيرة الذين يرون كوى النور. تنملت أعضاؤه وتحول إلى لا شيء، بلا وزن أو حجم، هل تحول في تلك الساعات إلى نور؟، كان يشعر أنه تحول إلى مشاعر فياضة هائمة، وخطوط ضوئية لا يمكن مسكها، لا ظل له، لا شيء يوقفه عن أختراق الجدران، وبسعادة فضفاضة تملأ روحه وتكفي لملايين من البشر وتفيض عليهم وتموج كالمحيط المتلاطم، وترتفع بخاراً وضباباً وشذى ياسمين، مستمتعاً بغناء قادم من بعيد ولا يفقه كلمة مما تقول كلمات الأغنية، لا يسمعها بأذنيه، فقد تعطلت حاسة السمع عنده، لكنه كان يسمع بمساماته وذراته النابضة بدبيب الحياة، وأنغمرت الأشياء في غرفته بروح قدسية لا يمكن لملمتها أو أكتشاف ما تفعله بالأشياء المشكلة كمادة، أهي من أنواع الخمرة السماوية، التي جاء ذكرها في التوراة والإنجيل ؟، أم إنها خروج الروح والهيام في العتمة فلا سلطان للبدن عليها؟، أيًّا تكون فلن يتذوق بشر السعادة التي تذوقها ميلانصو في تلك الليلة العظيمة! هل حدث الرأس المقطوع في تلك الليلة؟، وبقي ذلك الحديث السري في صدر الرجل لا يقوله ولا يكتبه وقد اعتاد الرسم والتدوين لظواهر وأحداث أقل أهمية من تلك المعجزة، ولو لم تكن الرأس قد حدثته فلِمَ كل هذه المبالغة منه في متابعة جيش يزيد الراجع إلى دمشق، وهو يقدم خدماته إلى السبايا من عائلة الحسين(7)، وينط كالقرد ليلا عندما تتوقف القافلة للراحة قرب الآبار والواحات تحت أشجار الغضا والأرطا(8)، بين الرؤوس المحمولة على أسنة الرماح، يمسح التراب عن وجوهها ويرشها بماء الورد، ولا يبتئس مما يفعله معه حراس الرؤوس الغلاظ من دفع وجر وتهديد بالنطع! وفي الليلة السابعة والعشرين من تلك الرحلة الضاجة بالأحزان أوسعوه ضرباً حتى تساقطت بقية أسنانه من فمه، وبالرغم من الدماء النازفة من فمه ومنخريه والألم. كان يقبل أيدي الجنود أن يعطوه الفرصة لغسل شعر الرؤوس المقطوعة والتي تخثر عليها الدم ممزوجاً بالتراب، بماذا حدثه رأس الحسين في تلك الليلة ؟ هل أُصيب الرجل بلوثة جراء بقاء الرأس المقطوع عنده ليلة كاملة ؟ أعمال ميلانصو الأخيرة لا تشير إلى جنونه مطلقا، فقد تجاوز عمره المائة قبل أن يموت وكان مثالاً للحكمة والاتزان والتبصر، وكان له طلاب وأتباع ومدونات، وقد تابع المجلس الأعلى للشيعة في العالم تلك المدونات(9) وحللها كلمة كلمة وحرفاً حرفاً، لمعرفة هل تم ذلك الحديث السري بين راس الشهيد وذلك الرجل الذي أمضى ليلة صوفية معه! وبعد ذلك تبع رأس الشهيد إلى دمشق وبقي ينتظر وينتظر حتى أرضى يزيد غروره وأمر بدفن الرأس، حينذاك برز ميلانصو من جديد للرجال المكلفين بدفنه وأغراهم بمال كثير لا يعرف المؤرخون من أين حصل عليه، وأخذ يتبعهم متوسلاً كما روى ذلك أحد الرجال المكلفين بدفن الرأس لابنه، ومن الابن إلى الحفيد وهكذا لألف عام بعد تلك الواقعة، حتى سجلها المؤرخون وإضافوها إلى التاريخ:
أعطوني الرأس لأدفنه، ولكم ما تشاءون من المال!.
نظروا إلى ملابسه القديمة، التي مزقتها كلاب الطرق السائبة، فقد أمضى الليالي متربصاً، قريباً من أسوار القصر الأموي، بأقدام حافية مرتجفة ووجه مدمى، يدفعه الحراس ويسخر من طيشه عابرو السبيل، ويجيبونه بفظاظة:
أمرنا خليفة المسملين بدفن رأس المرتد، ولا يدفنه أحد غيرنا!. كانوا ثلاثة، وقد وضعوا الراس المبارك في كيس من الخيش وحمل الكيس أصغرهم سناً، وأخذوا يسخرون منه:
أنت يهودي أ م نصراني ؟ لحيتك تدل على يهوديتك وأنفك لا يدل على ذلك !. قال لهم: ما دخل ديني في إجراء صفقة ؟.
قال الذي يحمل الرأس:
أتعرف لمن هو.. ؟. لم يجب ميلانصو لئلا يعطيهم الفرصة في معرفة نواياه، قال الرجل الأول: هذا الرجل معتوه، أو يريد إثارة البلبلة في دمشق!. وكانوا يسيرون وكأنما كانوا يركضون بحملهم! وهو يبذل جهده ليصل إليهم ويتشبث بالكيس المخضب بالدم، قال أحدهم:
لنضرب عنقه!.
ضحك الآخر: إنه معتوه.
وتبعهم حتى المقبرة، كان أحدهم يحفر، وكان هو يتجول حولهم بثوبه الأبيض المتسخ، الممزق وقدميه الحافيتين. كانت الأرض قاسية على الفؤوس التي يستخدمها الرجال، وترتد إلى الوراء عند كل ضربة، وكانت الشمس في أوج سطوعها، عرض عليهم الدنانير الذهبية وقال من بعيد:
سأوفر عليكم كل هذا الجهد، وتأخذون هذه الدنانير الذهبية الكثيرة!.
تركوا الأرض القاسية إلى مكان آخر في المقبرة وحاولوا من جديد الحفر وميلانصو يدور حولهم في دائرة تضيق، قال أحدهم وهو يمسح العرق عن جبينه ويسمع إلحاح ميلانصو:
أقسم بالله إن هذا الرجل سيبيع الرأس بثمن أكبر، وإلا لما قاتل كما يقاتل الآن للحصول عليه!.
ومن جديد ظهرت لهم قساوة الأرض، وأخذت الفأس ترتد بقوة وتوشك أن تفلق رأس الذي يحفر، وصرخ أحدهم قائلاً إنهم يحفرون في الحديد، لقد تحولت الأرض إلى حديد حقيقي دونه حدي
- 31 -
دخل شيخ المعدان مع صاحبته البغدادية وكانت تنتهره بصوت عال ليستعجل نزع ملابسه، كان مرتدياً الكثير من الملابس بعضها فوق البعض كعادة المعدان، لم تصبر عليه وأخذت تسبه سباً بذيئاً وهو لا يجرؤ على الرد عليها بصوت عال بل يرد كل سبة بأخرى في قلبه! كانت نائمة على ظهرها فوق سرير خشبي قديم، متهالك، وأخرجت ساقيها العاريتين تحت ضوء المصباح، وأخذت خصلة من شعرها الطويل ووضعتها بين شفتيها للإغراء، وحالما أكمل نزع لباسه الداخلي الطويل المتسخ حتى أثارت ملابسه المنزوعة موجة من الرائحة الكريهة وأختلطت بنتانة الغرفة المظلمة! وعند مقدمة السرير أستقرت مرآة طويلة مشروخة في الوسط فعكست عري الشيخ مرتين، فكل شرخ في المرآة عراه مرة، وحين رأى ذلك أنكمش خجلاناً متعرقاً، وسحبته المرأة من معصمه فتعثر بالسرير ووقع فوقها، وبسبب خجله وإرتباكه لم تطاوعه رجولته، فبقي هكذا فوقها، كالمغلوب على أمره، لا يتحرك ولا يبدو أن رجولته ستستجيب، فأخذت تسبه من جديد سباً بذيئاً، ومدت يدها إليه، وفعلت شيئاً بأصابعها المدربة على مسرى العروق في ظهره، فقضت على خجله وإرتباكه وجعلته يتوفز ليقتنص من جمالها الثر المطروح أمامه وتبتل ساقيته بفيضها المألوف، وعطرها الرخيص ينثال حوله ويمتلئ سمعه بتنهداتها وصرخاتها المصطنعة، في حرارة الغرفة وبخارها الساخن وتشبثاتها العشوائية بصدره وأذنيه وذراعيه، ممثلة دور العاشقة المتدلهة بحبه، وكغريقة وجدت وسط اليم جذعاً طافياً أودعته كل أمنياتها بالنجاة!.
حين اطمأن السري إلى وجودهم في غرف المتعة خرج من المبغى قاصداً مركز الشرطة القريب، فرحبوا به وأبلغهم بقصة الشيوعيين اللذين يتابعهما منذ العصر، واصطحب بعد ذلك عدداً من الشرطة لإلقاء القبض عليهما حالما يغادران المبغى، ومن جديد رجع إلى ذلك البيت القديم، فوجدهما يهمان بالمغادرة، فخرج قبلهما وحالما أصبحا في الشارع هجمت عليهما الشرطة، فصرخ جاسم منبهاً شيخ المعدان فطار صوابه وهو يرى رجال الشرطة ببزاتهم الرسمية، وقفل راجعاً إلى الوراء وحالت بينهما وبين الشرطة مجموعة من السكارى خرجت تواً من المبغى ودخلا من جديد في ازدحام المبغى ودخل ثلاثة من الشرطة وراءهما، وصرخ شيخ المعدان: جويسم.. انفضحنا وانتهى الأمر!. ودخلا غرفة إلى اليسار من رعبهما، فصرخت المومس التي كانت فيها وفز مرعوباً الرجل الذي كان يعانقها، وفر عارياً إلى خارج الغرفة صارخاً: عقارب!.. عقارب يا رجال! وذلك ما يطلقه رواد المبغى في ساعات الخطر، معتقدين أن الشرطة السرية ستلقي القبض على الجميع! وارتفع صراخ القحاب في الباحة، ووقفت القوادة العجوز بوجوه الشرطة وهي تضع يديها حول خصرها، قائلة لهم: إن المكان مرخص من الحكومة، وليس لهم الحق بالدخول عنوة!. وبدأت تسبهم سباً بذيئاً لم يسمعوا مثله في حياتهم، وانحنت ملتقطة قبقابها(1) الخشبي وأخذت تضرب أقرب شرطي منها، وردد أحد الزبائن ساخراً: إن دواء الشرطة يكمن في قباقيب القحاب!. وتشجعت قحاب الباحة وهجمن على رجال الشرطة ضرباً بالقباقيب على رؤوسهم وصدورهم! وفر بضع زبائن دون أن يدفعوا للقوادة الأجور المعتادة بعد أن قضوا وطرهم، ووجدوا فرصتهم في العراك الناشب بين القحاب ورجال الحكومة، والازدحام ليفروا بجلودهم ونقودهم من المكان الذي تحول إلى ساحة معركة حقيقية، أراد شيخ المعدان أن يختفي تحت سرير القحبة وهو يرتجف عاراً وخوفاً، لكن القحبة الحائرة، التي لا تدري ماذا يحصل في الخارج صرخت بهم دون أن تعنى بتغطية جسدها العاري:
ماذا حدث؟ هل وقع السقف، كنت أعرف أن هذا سيحدث!. صرخ بها جاسم: الشرطة في أثرنا!.
فضحكت وقالت ساخرة: الحمد لله الشرطة أمرها سهل وهو مقدور عليه! جففتم الدم في عروقي أماتكما الله!. قال جاسم: أنا صاحب ليلى زميلتكم!. ففهمت إشارته وأدخلتهما الكنتور(2) الخشبي القديم وردت البابين وراءهما، فأصبحا بين الملابس القذرة، بصحبة الصراصر والبراغيث والرائحة الزنخة ويخنقهما الحر الشديد، وقد طارت الخمرة من رأسيهما وأخذا يلعنان حظهما العاثر، ولم يكن سويجت العبد مقصوداً بهذا الهجوم المباغت، لكنه رأى ما حصل للشيخ مجاري ورأى فراره من أيدي الشرطة مع صاحبه فوقع قلبه في قدميه وهو المسؤول أمام المعدان عن حماية الشيخ، فماذا يقول لهم في العودة؟! هل يرجع إليهم ويقول كالمرأة الخائبة، إنه فقد أثر الشيخ؟!. وفرح حين رأى الشرطة يخرجون من المبغى وحدهم والقباقيب المقذوفة تتبعهم إلى وسط الشارع وهم يتلمسون رؤوسهم المجروحة في عدة مواضع! ولم ير شيخه ولا جويسم مع الخارجين، وقرر أن يبقى قريباً من المبغى يراقب ليعرف نتيجة هذه الفاجعة التي حلت بهم، ثم أزداد غمه حين رأى أعداداً جديدة من الشرطة يأتون من الخلاء ليعززوا جماعتهم وأخذوا ينتشرون في الأزقة الضيقة، وقريباً من باب المبغى والبيوت المشبوهة الأخرى ويسدون الطرقات بعصيهم وبنادقهم، وقرر بعد ساعة من الانتظار غير المفيد أن البقاء في هذا المكان كارثة وعليه العودة إلى قرية الدبن لجلب المزيد من المعدان لتخليص الشيخ من ورطته التي أوقعه فيها جاسم العطية ولا أحد غيره!.
هرعت بلقيس إلى حجرة المحاصرين وأخرجتهما من كنتور الملابس وصرخت:
ماذا فعلتما ليجد كل هذا العدد من الشرطة في طلبكما؟.
قال جاسم: لم نفعل شيئاً، سكرنا في البار وجئنا إليكم، وما هربنا منهم إلا لاعتقادنا أنهم سيقبضون على الرجال الذين دخلوا مبغاكم .
حارت بلقيس وقالت: لكن مبغانا مرخص من الحكومة، ولا يمكن أن يكون تهمة، ويلجه الرجال صباحاً ومساءً كالأمراء، بعلم الحكومة ومعرفتها، فماذا حدث للدنيا هذه الليلة؟.
ونظر جاسم إلى صاحبه، الذي كان مشغولاً بإخراج عقاله، الذي سقط حول رقبته أثناء فراره، وقال: ربما أحد أعدائك فضحك فدبر لك دسيسة، لا يعلمها إلا الله!.
بدا الارتباك والخوف من الفضيحة على وجه الشيخ وردد:
أولاد عمي حالما يكتشفون ما صنعته بنفسي وما ألحقته بهم من عار، سيقيدونني إلى جذع نخلة ويطلقون علي النار بلا رأفة!.
دخلت القوادة متوترة، قالت غاضبة: قطعتما رزقنا يقطعكما الله!. وأكملت بعد ذلك وهي تسترد أنفاسها: طردت الجرابيع وأغلقت الباب بالمفتاح، لن يجرؤ أحد من الشرطة على طرق الباب!. وانتبهت لجاسم، الذي امتقع وجهه واحتد صوتها:
يا صاحب المصائب، أنت من جلب لنا كل هذا البلاء بمجيئك. البنت تعمل على باب الله، وأنت تأتي فتقطع رزقها!.
لكزتها بلقيس بكفها: اتركيه ولندبر لهما مخرجا من هذه الورطة!.
نظرت القوادة نحو بلقيس ثم باتجاه الرجلين المرتجفين، قالت: اتبعاني!. وعند خروجهم من الحجرة وجدوا القحاب في الباحة يروحن عن أنفسهن بالمهفات(3) ووضع الأحمر على الخدود والشفاه وعلك اللبـــان، قالت القوادة بصوت أمومي: انتهى العمل يا بنات، لنبحث عن مخرج لهذين البطلين!. وقف الرجلان أمام نظرات القحاب المتفحصة مرتبكين والعرق يتفصد من وجهيهما ولا يكادان يقويان على

- 37 -
حملت الشاحنات العسكرية المئات من أهل الجوابر المهجرين، وأنزلتهم عند الحدود وطلبوا منهم الذهاب صوب المدن الإيرانية مشياً على الأقدام، الرجال والنساء، الأطفال والشيوخ، وبقي الناس هناك دون مأوى أو طعام، وأسرعت إليهم شرطة إيران وأحاطتهم، مخافة أن يكون بينهم من مخابرات الدولة العراقية وجواسيسها! فأقامت لهم مكاناً ممهداً بين الصخور ووعدتهم بالخيم ومنعتهم من التجوال في المنطقة، وبقوا هناك سجناء يعدون على أصابعهم الأيام! يلتحفون السماء ويقتاتون العشب والأحجار، ويطلون على تلك الجبال البعيدة التي تبدو لهم كخرائط بيضاء وسوداء في ذلك الأفق، ملتحمة بالسماء الزرقاء، الناصعة.
كانت أوامر الحكومة تذاع في قرية الجوابر بمكبرات الصوت في دروب القرية: التجوال ليلا ممنوعاً، الالتحاق فوراً بدورات ثقافية تهيء حزبيين من أهل الجوابر للإنخراط في بنية كوادر الحزب الحاكم، تسليم أية قطعة سلاح، إستلام صور رئيس الجمهورية لتعليقها في البيوت وعلى الأبواب، الاكتفاء بالصلاة في البيوت وأن لا يقصد أحد الحسينية وكل من يتم ضبطه قريباً من الحسينية فسيتم اعتقاله، تقديم الشباب، الذين في سن الخدمة العسكرية أنفسهم إلى وحدات الجيش لغرض تجنيدهم!، وتُختم تلك النداءات بأغنيات وطنية ودبكات(1) من شمال البلاد لتسلية الجنود، والناس لأول مرة في القرية أخذوا يحفظون كلمات فيروز وهي تردد: القدس لنا، والبيت لنا!… كانت هناك سرية من الجنود بلحايا طويلة ورائحة زنخة يجوبون القرية ويضربون الناس بلا رحمة، وثارت الشائعات بين أهل القرية، إن هذه السرية من الرجال التي تستخدمها الحكومة لاضطهادهم قد جندت أفرادها من قبائل تسكن في شمال البلاد ومشهورة بعبادتها وتقاليدها الغريبة وتحريمهم للعن الشيطان ورجالها لا يتورعون عن ذبح الناس وشرب دمائهم بلا رحمة، وتهديم المساجد بلا تأنيب ضمير وخوف من أنتقام الله!.
أعطى رجال القرية الأذن الطرشاء لبلاغات الجيش، فلم يذهب أحد لدورة التنظيم الحزبية، كما أن صور رئيس الجمهورية المطبوعة بالألوان بقيت مصفوفة على مناضد العسكريين دون أن يستلمها أحد من الأهالي، وأما الفقرة الخاصة بتقديم الشباب أنفسهم للتجنيد في جيش الحكومة، فلم يتقدم أحد من أهل الجوابر للتجنيد! مما أضطر الضابط إلى إرسال مفارز كثيرة العدد من سرية قوات خاصة، للقبض على من هم في سن العسكرية، وشن الجنود حملة كبيرة وتم ربط المقبوض عليهم بالحبال وإرسالهم مجموعات في شاحنات مكشوفة تحت الحراسة إلى مكان مجهول يتبعهم آباؤهم وأمهاتهم الباكيات وأطفالهن يمسكون بتلابيب ثيابهن ويختلط مخاطهم بدموعهم برمد عيونهم! وتغيرت معالم القرية يوماً بعد يوم في ظل هذا البلاء الذي حط عليها، وفي ساعات النهار، التي يُسمح فيها للناس بالتجوال وقضاء حاجاتهم، يجلس الشيوخ مجموعات صغيرة، قرب أسيجة الصرائف الواطئة للتباحث في الأمور المستجدة وطلب الرأي فيما يفعلونه! ودارت الإشاعات على ألسنة الناس في تلك المجالس عن سريين من أبناء القرية ذاتها، يستخدمهم الجيش لمعرفة أخبار القرية وما يبيت أهلها من أمور تمس أمن الدولة وأحاديث يتداولونها بينهم، ولغط الناس بأسم شرهان القاطع، أبن قريتهم وأقسموا أنه أول من تعاون مع الجيش وأفشى أسرار القرية للحكومة وأرشدهم إلى الأمكنة التي دفنوا فيها السلاح!. وحقيقة الأمر إن شرهان القاطع هو أول من طلبوا منه تأسيس فرع لحزب الحكومة في القرية، وأعطوه مالاً لبناء صريفة لتكون مقراً مؤقتاً لفرع الحزب وصوراً لرئيس الدولة مع حزم من كتيبات صغيرة لخطب الرئيس عليها صورة رئيس الجمهورية، بلباسه العسكري الضيق، الذي امتلأ صدره بالأوسمة والنياشين والنجمات الذهبية، وخلفه كوكبة من رجال الأمن والمخابرات بنظاراتهم السوداء وملابسهم المعتمة! ومع ذلك كله أعطوه بذلة عسكرية المظهر، بلا رتب أو مداليات، ماعدا صورة صغيرة للرئيس مغلفة بورق السوليفان اللماع يعلقها على صدره وكاسكيتة صغيرة يضعها على رأسه، وخلال يومين تمت إقامة الصريفة ووضعت المنضدة الخشبية داخلها، وصفّت الكتب وصور رئيس الجمهورية، لكن لم يقترب أحد من أهل الجوابر لتسجيل أسمه في فرع الحزب الجديد! وراح شرهان القاطع يدور داخل الصريفة أو يقف عند بابها، مرتدياً بذلته الزيتونية الجديدة وقد وضع الكاسكيتة على رأسه في وضع متحد لأهل قريته، ناظراً إليهم من فوق إلى أسفل ومن أسفل إلى فوق!.
وخلال الأيام الأولى من البحث عن شباب القرية، الذين هم بسن الخدمة العسكرية، بدأ الشباب باستخراج السلاح المدفون تحت الأرض والخروج من القرية ليلاً عبر ممرات وطرق غير محروسة من الجنود والذهاب صوب الهور حيث الملجأ الأمين لكل من فر من أهل المدن والقرى، وفي إحدى الليالي اكتشف الجنود مجموعة من شباب القرية على وشك الفرار إلى خارج القرية فحصل تبادل إطلاق نار بين الطرفين وقُتل في تلك المواجهة أحد جنود السرية، وقبضوا على المجموعة بعد تمشيط طويل للمزارع والسواقي وأرسلوهم مخفورين إلى العاصمة. وبعد تلك الحادثة بشهر واحد ودون إنذار سابق أقاموا سبع مشانق عند نهاية القرية وأتوا بالشباب من العاصمة وقد عصبوا عيونهم وطلب الجنود من الناس بمكبرات الصوت أن يحضروا ليروا إعدام المجرمين، وأخذت النساء تصرخ والرجال يتراكضون حفاة لمعرفة مصير أولادهم وأختلط الحابل بالنابل، ولم يتعرف الناس على الشباب السبعة، الذين غطوا رؤوسهم بأكياس من قماش حمراء ووضعوا على صدورهم يافطات خشبية حملت أسماءهم وأعمارهم وتاريخ محاكمتهم وجريمتهم: الهروب من الجيش ورفع السلاح بوجه الحكومة!. وأزاحوا البراميل الصغيرة من تحت أقدامهم، فتأرجحوا في الهواء وانتفضت الأجساد الشابة مرات عديدة قبل أن تخمد حركتها إلى الأبد، وتدافعت النساء مع الجنود المسلحين، الذين كانوا يقفون بصفوف عديدة لمنع الناس من الاقتراب من المعدومين، وتعالى عويل الرجال، ورفع الشيوخ رؤوسهم إلى السماء طالبين من الله أن يبعث الإمام من موته لينتقم من الظالمين، وظهر شرهان القاطع بملابسه الزيتونية وبيده بندقية كلاشنكوف وإلى جواره أبنه الشاب سامي وهو يقول للناس أن الخطأ هو خطأ الشباب السبعة، لأنهم رفعوا السلاح بوجه حكومة الثورة وحزبها القائد ؛ وقتلوا أحد الجنود وكان الناس في غاية الحزن والقهر، وحالما ذهب الجنود هرع الناس للجثث المعلقة وقطعوا الحبال وأنزلوا الميتين وأزالوا الأكياس الحمراء عن الوجوه الحبيبة، وكلما اكتشفت مجمو
- 43 -
أدخل جاسم العطية بلقيس إلى صريفته وهمس لعاقول أن لا يخبر أحداً بمجيئها، ونظر إليه عاقول بغباء وقال: "حتى الشيخ؟". أكد عليه أن لا يخبر أحداً بما في ذلك شيخ المعدان. جلست بلقيس وسط أكوام الملابس المرمية وأعقاب سجائر اللف، ونزعت نصف عباءتها عن رأسها وظهرها، فبدت في ذلك المكان الموحش مثل صورة حسناء نزلت للتو من إطار لوحة ملونة لغادة جميلة! دخل جاسم عليها وسألها عن سبب مجيئها وقد بدا عليه الإحراج والارتباك، لقد كان في لحظات وحدته يفكر فيها، يتمناها أن تكون قريبة منه لا في تلك المدينة الغادرة، قالت: "لم تزرني طيلة ثلاثة شهور، قلت في نفسي أزورك!".
"وكيف وصلت إلى هنا؟".
ضحكت ضحكة مجلجلة تعلمتها من زميلات مهنتها: "جئت بسيارة إلى الجبايش وسألت عنك، فطلع لي عاقول كالقرد وقال إنه يعرفك، وأركبني المشحوف وجاء بي إلى هنا لأراك ".
ضحكت من جديد بصوتها الجهوري. أراد أن يضع كفه على فمها ليمنعها من الضحك العالي، وهمس: "الناس هنا أشراف يا بلقيس، سيقتلوننا معاً لو عرفوا وضعنا!". قالت متبرمة: "اعتقدت أنك سترحب بي!". قال جاسم: "مرحباً بك، ولكن الأمور هنا صعبة وغير آمنة، تخيلي لو شم أبوك خبراً عن وجودك هنا؟".
"وهناك أصعب يا جويسم، لقد أغلقت الحكومة دورنا وقطعت أرزاقنا، وشتتنا في البلاد وفطومة القوادة وضعوها في السجن هي والبنات، أنا الوحيدة التي نجت من الاعتقال!.
ضحك جاسم ساخراً وقال: "حتى القحاب ما نجت من شرور الحكومة!". ضحكت بلقيس وقالت: "لو رأيت القوادة العجوز والشرطي يضع القيود في يديها لمُت من الضحك، لقد خمشت وجوههم جميعا بأظافرها الباشطة كالسكاكين!". لم يضحك جاسم لضحكها وقال بحزن:
"أنا معرض في كل لحظة للحبس، بل إنهم سيجعلوني هدفاً لبنادقهم ويطلقون النار!".
قالت متبرمة:
"أنا لست إلا ضيفة عندك وسأبقى يوماً أو يومين وأعود!".
"ولكن إلى أين ترجعين وداركم أغلقوها؟".
وشابت صوتها المرارة والحزن: "حتما سأجد أحداً من أهل الحلال يأويني ".
صمت لحظات ثم قال: "هل أكلت؟".
"على لحم بطني منذ الصباح!".
وقف في باب الصريفة وصاح على عاقول، كان المعيدي مشغولاً بلف سجارة: "اِذبح لنا اليوم دجاجة كبيرة!". ورجع إلى بلقيس: "سنأكل أولاً ونتدبر أمرك فيما بعد!.. هل تجيدين الطبخ؟". هزت رأسها إيجابا: "كنت أطبخ لصاحباتي".
"شمري عن ذراعيك واطبخي لنا الغذاء!".
دخل عاقول إلى الصريفة الصغيرة التي أعدها جاسم لتكون مكاناً لطهي الطعام، وأخذ يبحث عن سكينة أو شيء حاد يذبح به الدجاجة التي كان يمسك بها من قدميها وهي تناضل بجناحيها مرفرفة للخلاص من قبضته، وعندما لم يجد شيئاً حاداً قطع رقبتها عضاً بأسنانه وتناثر دمها في فمه وعلى ثوبه الأسود!.
- 44 -
بعد شهور ستة من ترحيل نصف أهل الجوابر إلى إيران جاءت رسائلهم بواسطة لجان الصليب الأحمر الدولية وقد بُعثت أولا إلى جنيف ومن هناك أُرسلت إلى العراق، وقام بتسليم تلك الرسائل إلى المعنيين في القرية ضابط الوحدة العسكرية، المشرف على القرية بحضور مسؤول الحزب الحاكم شرهان القاطع، الذي كان يُذكر أصحاب الرسائل بأن الحزب الحاكم هو الذي سهل مهمة لجان الصليب الأحمر لأداء مهماتها الإنسانية، وأضاف أن عليهم أن يجيبوا عن تلك الرسائل دون أن يذكروا أحوال البلاد بشر وعليهم أن يشيدوا بالحزب الحاكم ورئيس الحكومة وأن تكون إجاباتهم عن الرسائل في ذات الأوراق وعلى ظهرها الفارغ ليتم تسليمها إلى لجنة الصليب الأحمر في العاصمة، وطلب منهم أن يهتفوا بملء حناجرهم بطول العمر لرئيس الجمهورية وحزبه المناضل وكانت ثمة كاميرا للتلفزيون تصور ذلك الحشد من الناس، وأخذ الناس الرسائل بأيدٍ مرتجفة كأنما يستلمون شيكات مالية بمبالغ كبيرة، وراحت الرسائل تُعرض على الذين يعرفون القراءة والكتابة في القرية. كان سلمان، الأخ الأكبر لكعيد البلام يوصي في رسالته أخاه: "أما من حيث البقرة المبقعة بالسواد في رقبتها، فأريد أن ترعاها كما لو أنك ترعاني، وتكثر لها من العلف، ولا تدع عجلها يرضعها كثيراً، فهو شره للرضاع وأخاف أن يضعفها الرضاع الكثير، وهنا يقولون يا أخي إننا سنعود إلى العراق عما قريب بقوة الله. أوصيك أن لا تزيد في عذاب حماري بتحميله أكثر من طاقته واعلم يا أخي أن ثمة كسراً قديماً في ساقه اليمنى كانت قد عالجته امرأة أخيك قبل سنتين ولم يشفَ تماما من عرجه الخفيف، وعليك أن تجعله يتفادى المرور على القنطرة القريبة من أرض السيد مهنا، لأنه سيقع حتماً مرة ثانية في تلك الساقية، التي كانت سبباً في كسر قدمه القديم!".
وفي رسالة أخرى يوصي الحاج عبود زوجته الصغيرة التي رفضت الحكومة ترحيلها معه، لحيازتها على شهادة الجنسية العراقية: "حين يردك خطابي الأسود هذا، أكون قد أكملت أوراق طلاقك، وأوصيك بالزواج من أبن عمي سرحان، فهو شاب ويعمل في الأرض، ويستطيع أن يحميك ويعيلك ويربي أبننا الصغير، واعلمي أن لا ذنب لنا فيما حصل وهي إرادة الله أولاً وأخيراً، وهنا الناس يعاملوننا بالمعروف ويعطوننا الخبز كصدقة، ولست سعيداً هنا وأتذكر تلك الليالي التي كنا نقضيها معاً حتى يحل الفجر، ونحن نضحك من حماقات هلال المجنون ونمزح قبل أن يغلبنا النوم، قلبي أصبح جمرة متقدة لفراق الأهل والأعمام والأصحاب، ولشدة احتراق قلبي اكتوت الرسالة بهذه النار!". وظهرت على ورق الرسالة السميك الأصفر لسعات جمرة سجارة!.
وفي رسالة أخرى تلقتها نرجس، المعتكفة منذ زمن طويل، وحملوا لها رسالتها من أبن عمها فرحان، التي كان يقول في إحدى مقاطعها: "يعلم الله يا أبنة عمي، إني لم أبح لأحد بما أقوله لك الآن، إني منذ زواجك وموت زوجك المرحوم في ليلة عرسه، لم تهدأ نفسي ولم يبرد قلبي، وكنت أقول لنفسي كيف طاوعك قلبك وأخفيت عشقك لابنة عمك؟ كيف سمحت للناس بأخذها منك وأنت كنت في كل ليلة لا تستطيع النوم والراحة إلا بعد أن تكرر أسمها مائة مرة قبل النوم، أقول لك في هذه الرسالة هنا الأحوال بائسة يا أبنة عمي ورغيف الخبز يباع بثمن كبير مقداره كرامتنا وعزة أنفسنا! وكلهم يقولون إنها أيام قليلة ونعود إلى العراق، وطننا، فاعلمي إنني حين أعود سأطلبك للزواج، فلم يعد في العمر بقية تساوي كل ما أشعر به من أسى!، حتى إذا اعترض الأهل وتعللوا بأنك أرملة ولا يصح للشاب أن يتزوج منها حتى ولو كان أبن عمها! لكنني سأفعل ذلك يقيناً ثابتاً لا أحيد عنه حتى لو ضحك كل أهل الجوابر مني وأسمعوني كلاماً جارحاً، وسخروا مني، فإنني سافعل ذلك!".
وكتب حسان لزوجته وأولاده وهو يرشدهم إلى مكان المال، الذي أخفاه في الدار ولم يستطع يوم التهجير فعل ذلك بسبب سرعتهم في نقله إلى الشاحنة، وعدم سماحهم له بالتحدث مع أحد: "إلى اليمين تسيرين عشر خطوات باتجاه زاوية الصريفة المجاورة لحظيرة البقر، تحفرين تحت الجدار الطيني مسافة ذراع لتجدي صرة تحوي مائتي دينار وذهب أمي يرحمها الله، والذهب عبارة عن قلادة من عيار واحد وعشرين، وأساور من الفضة وخاتم زواج وقرطين ذهبيين عيار ثمانية عشر والله على ما أكتب إليك شهيد!".
وفي رسالة محمد لعمه نوري: "وأعترف لك يا عمي العزيز أني أنا من قام بتسميم النعجتين وليس جارنا كما اعتقدتم، وقد كنت سبباً في ميتتهما المؤلمة، التي جعلت أهل بيتك، كلهم يبكون في ذلك اليوم الكئيب ويرتدون الملابس السوداء حزناً، ولا تنسى أنني طلبت منك أن تشتري لي ثوباً جديدا بمناسبة عيد الأضحى لكنك بكل أسف رفضت ذلك بدعوى أنك لا تملك المال اللازم، وأنا أعرف والعائلة كلها تعرف أنك تضع مالك عند العم سوادي لأيام الشدة، وبالرغم من عملي عندك طوال العام ولم أتوانَ في رعي غنمك وبقرك، إلا أنك وللأسف بخلت علي بذلك الثوب الجديد الذي طلبته منك، فعمدتُ إلى فعلتي السوداء التي أطلب من الله ومنك ومن أفراد العائلة الكريمة الآن وأنا على هذا البعد الشاسع أن تسامحني، وتدعون الله لي أن يغفر ذنبي، فأنا لم أقترف غير هذا، فهنا يا عمي لا يدري الواحد منا متى وكيف يموت تحت هذا الجبل؟".
وبالرغم من أجواء القرية الحزينة على شبابها إلا أن تلك الرسائل، الموشومة بعلامة الصليب الأحمر قد بددت بعض الحزن وجعلت الناس يتبادلون أخبار الأقارب التي وردتهم في الرسائل، وبذلك تكونت عند الجميع صورة شبه حقيقية ع









