ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |
الاسم: فيصل عبد الحسن
البلد: العراق
التصنيفات : خاصة,سياسة وأخبار,ثقافة وفن,أدب وكتب,تسلية وأفلام وتلفزيون,ديانات,الأسرة والأصدقاء,مال وأعمال,انترنت وبرمجيات,الموضة والحياة,ألحان وأنغام,تصاميم,تكنولوجيا,رياضة,سفر وتجوال,عام,المرأة
أظهر كافة المعلومات
| ► | حزيران 2009 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | ||
| 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 |
| 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 |
| 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 |
| 27 | 28 | 29 | 30 | |||

- 43 -
أدخل جاسم العطية بلقيس إلى صريفته وهمس لعاقول أن لا يخبر أحداً بمجيئها، ونظر إليه عاقول بغباء وقال: “حتى الشيخ؟”. أكد عليه أن لا يخبر أحداً بما في ذلك شيخ المعدان. جلست بلقيس وسط أكوام الملابس المرمية وأعقاب سجائر اللف، ونزعت نصف عباءتها عن رأسها وظهرها، فبدت في ذلك المكان الموحش مثل صورة حسناء نزلت للتو من إطار لوحة ملونة لغادة جميلة! دخل جاسم عليها وسألها عن سبب مجيئها وقد بدا عليه الإحراج والارتباك، لقد كان في لحظات وحدته يفكر فيها، يتمناها أن تكون قريبة منه لا في تلك المدينة الغادرة، قالت: “لم تزرني طيلة ثلاثة شهور، قلت في نفسي أزورك!”.
“وكيف وصلت إلى هنا؟”.
ضحكت ضحكة مجلجلة تعلمتها من زميلات مهنتها: “جئت بسيارة إلى الجبايش وسألت عنك، فطلع لي عاقول كالقرد وقال إنه يعرفك، وأركبني المشحوف وجاء بي إلى هنا لأراك “.
ضحكت من جديد بصوتها الجهوري. أراد أن يضع كفه على فمها ليمنعها من الضحك العالي، وهمس: “الناس هنا أشراف يا بلقيس، سيقتلوننا معاً لو عرفوا وضعنا!”. قالت متبرمة: “اعتقدت أنك سترحب بي!”. قال جاسم: “مرحباً بك، ولكن الأمور هنا صعبة وغير آمنة، تخيلي لو شم أبوك خبراً عن وجودك هنا؟”.
“وهناك أصعب يا جويسم، لقد أغلقت الحكومة دورنا وقطعت أرزاقنا، وشتتنا في البلاد وفطومة القوادة وضعوها في السجن هي والبنات، أنا الوحيدة التي نجت من الاعتقال!.
ضحك جاسم ساخراً وقال: “حتى القحاب ما نجت من شرور الحكومة!”. ضحكت بلقيس وقالت: “لو رأيت القوادة العجوز والشرطي يضع القيود في يديها لمُت من الضحك، لقد خمشت وجوههم جميعا بأظافرها الباشطة كالسكاكين!”. لم يضحك جاسم لضحكها وقال بحزن:
“أنا معرض في كل لحظة للحبس، بل إنهم سيجعلوني هدفاً لبنادقهم ويطلقون النار!”.
قالت متبرمة:
“أنا لست إلا ضيفة عندك وسأبقى يوماً أو يومين وأعود!”.
“ولكن إلى أين ترجعين وداركم أغلقوها؟”.
وشابت صوتها المرارة والحزن: “حتما سأجد أحداً من أهل الحلال يأويني “.
صمت لحظات ثم قال: “هل أكلت؟”.
“على لحم بطني منذ الصباح!”.
وقف في باب الصريفة وصاح على عاقول، كان المعيدي مشغولاً بلف سجارة: “اِذبح لنا اليوم دجاجة كبيرة!”. ورجع إلى بلقيس: “سنأكل أولاً ونتدبر أمرك فيما بعد!.. هل تجيدين الطبخ؟”. هزت رأسها إيجابا: “كنت أطبخ لصاحباتي”.
“شمري عن ذراعيك واطبخي لنا الغذاء!”.
دخل عاقول إلى الصريفة الصغيرة التي أعدها جاسم لتكون مكاناً لطهي الطعام، وأخذ يبحث عن سكينة أو شيء حاد يذبح به الدجاجة التي كان يمسك بها من قدميها وهي تناضل بجناحيها مرفرفة للخلاص من قبضته، وعندما لم يجد شيئاً حاداً قطع رقبتها عضاً بأسنانه وتناثر دمها في فمه وعلى ثوبه الأسود!.
- 44 -
بعد شهور ستة من ترحيل نصف أهل الجوابر إلى إيران جاءت رسائلهم بواسطة لجان الصليب الأحمر الدولية وقد بُعثت أولا إلى جنيف ومن هناك أُرسلت إلى العراق، وقام بتسليم تلك الرسائل إلى المعنيين في القرية ضابط الوحدة العسكرية، المشرف على القرية بحضور مسؤول الحزب الحاكم شرهان القاطع، الذي كان يُذكر أصحاب الرسائل بأن الحزب الحاكم هو الذي سهل مهمة لجان الصليب الأحمر لأداء مهماتها الإنسانية، وأضاف أن عليهم أن يجيبوا عن تلك الرسائل دون أن يذكروا أحوال البلاد بشر وعليهم أن يشيدوا بالحزب الحاكم ورئيس الحكومة وأن تكون إجاباتهم عن الرسائل في ذات الأوراق وعلى ظهرها الفارغ ليتم تسليمها إلى لجنة الصليب الأحمر في العاصمة، وطلب منهم أن يهتفوا بملء حناجرهم بطول العمر لرئيس الجمهورية وحزبه المناضل وكانت ثمة كاميرا للتلفزيون تصور ذلك الحشد من الناس، وأخذ الناس الرسائل بأيدٍ مرتجفة كأنما يستلمون شيكات مالية بمبالغ كبيرة، وراحت الرسائل تُعرض على الذين يعرفون القراءة والكتابة في القرية. كان سلمان، الأخ الأكبر لكعيد البلام يوصي في رسالته أخاه: “أما من حيث البقرة المبقعة بالسواد في رقبتها، فأريد أن ترعاها كما لو أنك ترعاني، وتكثر لها من العلف، ولا تدع عجلها يرضعها كثيراً، فهو شره للرضاع وأخاف أن يضعفها الرضاع الكثير، وهنا يقولون يا أخي إننا سنعود إلى العراق عما قريب بقوة الله. أوصيك أن لا تزيد في عذاب حماري بتحميله أكثر من طاقته واعلم يا أخي أن ثمة كسراً قديماً في ساقه اليمنى كانت قد عالجته امرأة أخيك قبل سنتين ولم يشفَ تماما من عرجه الخفيف، وعليك أن تجعله يتفادى المرور على القنطرة القريبة من أرض السيد مهنا، لأنه سيقع حتماً مرة ثانية في تلك الساقية، التي كانت سبباً في كسر قدمه القديم!”.
وفي رسالة أخرى يوصي الحاج عبود زوجته الصغيرة التي رفضت الحكومة ترحيلها معه، لحيازتها على شهادة الجنسية العراقية: “حين يردك خطابي الأسود هذا، أكون قد أكملت أوراق طلاقك، وأوصيك بالزواج من أبن عمي سرحان، فهو شاب ويعمل في الأرض، ويستطيع أن يحميك ويعيلك ويربي أبننا الصغير، واعلمي أن لا ذنب لنا فيما حصل وهي إرادة الله أولاً وأخيراً، وهنا الناس يعاملوننا بالمعروف ويعطوننا الخبز كصدقة، ولست سعيداً هنا وأتذكر تلك الليالي التي كنا نقضيها معاً حتى يحل الفجر، ونحن نضحك من حماقات هلال المجنون ونمزح قبل أن يغلبنا النوم، قلبي أصبح جمرة متقدة لفراق الأهل والأعمام والأصحاب، ولشدة احتراق قلبي اكتوت الرسالة بهذه النار!”. وظهرت على ورق الرسالة السميك الأصفر لسعات جمرة سجارة!.
وفي رسالة أخرى تلقتها نرجس، المعتكفة منذ زمن طويل، وحملوا لها رسالتها من أبن عمها فرحان، التي كان يقول في إحدى مقاطعها: “يعلم الله يا أبنة عمي، إني لم أبح لأحد بما أقوله لك الآن، إني منذ زواجك وموت زوجك المرحوم في ليلة عرسه، لم تهدأ نفسي ولم يبرد قلبي، وكنت أقول لنفسي كيف طاوعك قلبك وأخفيت عشقك لابنة عمك؟ كيف سمحت للناس بأخذها منك وأنت كنت في كل ليلة لا تستطيع النوم والراحة إلا بعد أن تكرر أسمها مائة مرة قبل النوم، أقول لك في هذه الرسالة هنا الأحوال بائسة يا أبنة عمي ورغيف الخبز يباع بثمن كبير مقداره كرامتنا وعزة أنفسنا! وكلهم يقولون إنها أيام قليلة ونعود إلى العراق، وطننا، فاعلمي إنني حين أعود سأطلبك للزواج، فلم يعد في العمر بقية تساوي كل ما أشعر به من أسى!، حتى إذا اعترض الأهل وتعللوا بأنك أرملة ولا يصح للشاب أن يتزوج منها حتى ولو كان أبن عمها! لكنني سأفعل ذلك يقيناً ثابتاً لا أحيد عنه حتى لو ضحك كل أهل الجوابر مني وأسمعوني كلاماً جارحاً، وسخروا مني، فإنني سافعل ذلك!”.
وكتب حسان لزوجته وأولاده وهو يرشدهم إلى مكان المال، الذي أخفاه في الدار ولم يستطع يوم التهجير فعل ذلك بسبب سرعتهم في نقله إلى الشاحنة، وعدم سماحهم له بالتحدث مع أحد: “إلى اليمين تسيرين عشر خطوات باتجاه زاوية الصريفة المجاورة لحظيرة البقر، تحفرين تحت الجدار الطيني مسافة ذراع لتجدي صرة تحوي مائتي دينار وذهب أمي يرحمها الله، والذهب عبارة عن قلادة من عيار واحد وعشرين، وأساور من الفضة وخاتم زواج وقرطين ذهبيين عيار ثمانية عشر والله على ما أكتب إليك شهيد!”.
وفي رسالة محمد لعمه نوري: “وأعترف لك يا عمي العزيز أني أنا من قام بتسميم النعجتين وليس جارنا كما اعتقدتم، وقد كنت سبباً في ميتتهما المؤلمة، التي جعلت أهل بيتك، كلهم يبكون في ذلك اليوم الكئيب ويرتدون الملابس السوداء حزناً، ولا تنسى أنني طلبت منك أن تشتري لي ثوباً جديدا بمناسبة عيد الأضحى لكنك بكل أسف رفضت ذلك بدعوى أنك لا تملك المال اللازم، وأنا أعرف والعائلة كلها تعرف أنك تضع مالك عند العم سوادي لأيام الشدة، وبالرغم من عملي عندك طوال العام ولم أتوانَ في رعي غنمك وبقرك، إلا أنك وللأسف بخلت علي بذلك الثوب الجديد الذي طلبته منك، فعمدتُ إلى فعلتي السوداء التي أطلب من الله ومنك ومن أفراد العائلة الكريمة الآن وأنا على هذا البعد الشاسع أن تسامحني، وتدعون الله لي أن يغفر ذنبي، فأنا لم أقترف غير هذا، فهنا يا عمي لا يدري الواحد منا متى وكيف يموت تحت هذا الجبل؟”.
وبالرغم من أجواء القرية الحزينة على شبابها إلا أن تلك الرسائل، الموشومة بعلامة الصليب الأحمر قد بددت بعض الحزن وجعلت الناس يتبادلون أخبار الأقارب التي وردتهم في الرسائل، وبذلك تكونت عند الجميع صورة شبه حقيقية عن الأ

- 37 -
حملت الشاحنات العسكرية المئات من أهل الجوابر المهجرين، وأنزلتهم عند الحدود وطلبوا منهم الذهاب صوب المدن الإيرانية مشياً على الأقدام، الرجال والنساء، الأطفال والشيوخ، وبقي الناس هناك دون مأوى أو طعام، وأسرعت إليهم شرطة إيران وأحاطتهم، مخافة أن يكون بينهم من مخابرات الدولة العراقية وجواسيسها! فأقامت لهم مكاناً ممهداً بين الصخور ووعدتهم بالخيم ومنعتهم من التجوال في المنطقة، وبقوا هناك سجناء يعدون على أصابعهم الأيام! يلتحفون السماء ويقتاتون العشب والأحجار، ويطلون على تلك الجبال البعيدة التي تبدو لهم كخرائط بيضاء وسوداء في ذلك الأفق، ملتحمة بالسماء الزرقاء، الناصعة.
كانت أوامر الحكومة تذاع في قرية الجوابر بمكبرات الصوت في دروب القرية: التجوال ليلا ممنوعاً، الالتحاق فوراً بدورات ثقافية تهيء حزبيين من أهل الجوابر للإنخراط في بنية كوادر الحزب الحاكم، تسليم أية قطعة سلاح، إستلام صور رئيس الجمهورية لتعليقها في البيوت وعلى الأبواب، الاكتفاء بالصلاة في البيوت وأن لا يقصد أحد الحسينية وكل من يتم ضبطه قريباً من الحسينية فسيتم اعتقاله، تقديم الشباب، الذين في سن الخدمة العسكرية أنفسهم إلى وحدات الجيش لغرض تجنيدهم!، وتُختم تلك النداءات بأغنيات وطنية ودبكات(1) من شمال البلاد لتسلية الجنود، والناس لأول مرة في القرية أخذوا يحفظون كلمات فيروز وهي تردد: القدس لنا، والبيت لنا!… كانت هناك سرية من الجنود بلحايا طويلة ورائحة زنخة يجوبون القرية ويضربون الناس بلا رحمة، وثارت الشائعات بين أهل القرية، إن هذه السرية من الرجال التي تستخدمها الحكومة لاضطهادهم قد جندت أفرادها من قبائل تسكن في شمال البلاد ومشهورة بعبادتها وتقاليدها الغريبة وتحريمهم للعن الشيطان ورجالها لا يتورعون عن ذبح الناس وشرب دمائهم بلا رحمة، وتهديم المساجد بلا تأنيب ضمير وخوف من أنتقام الله!.
أعطى رجال القرية الأذن الطرشاء لبلاغات الجيش، فلم يذهب أحد لدورة التنظيم الحزبية، كما أن صور رئيس الجمهورية المطبوعة بالألوان بقيت مصفوفة على مناضد العسكريين دون أن يستلمها أحد من الأهالي، وأما الفقرة الخاصة بتقديم الشباب أنفسهم للتجنيد في جيش الحكومة، فلم يتقدم أحد من أهل الجوابر للتجنيد! مما أضطر الضابط إلى إرسال مفارز كثيرة العدد من سرية قوات خاصة، للقبض على من هم في سن العسكرية، وشن الجنود حملة كبيرة وتم ربط المقبوض عليهم بالحبال وإرسالهم مجموعات في شاحنات مكشوفة تحت الحراسة إلى مكان مجهول يتبعهم آباؤهم وأمهاتهم الباكيات وأطفالهن يمسكون بتلابيب ثيابهن ويختلط مخاطهم بدموعهم برمد عيونهم! وتغيرت معالم القرية يوماً بعد يوم في ظل هذا البلاء الذي حط عليها، وفي ساعات النهار، التي يُسمح فيها للناس بالتجوال وقضاء حاجاتهم، يجلس الشيوخ مجموعات صغيرة، قرب أسيجة الصرائف الواطئة للتباحث في الأمور المستجدة وطلب الرأي فيما يفعلونه! ودارت الإشاعات على ألسنة الناس في تلك المجالس عن سريين من أبناء القرية ذاتها، يستخدمهم الجيش لمعرفة أخبار القرية وما يبيت أهلها من أمور تمس أمن الدولة وأحاديث يتداولونها بينهم، ولغط الناس بأسم شرهان القاطع، أبن قريتهم وأقسموا أنه أول من تعاون مع الجيش وأفشى أسرار القرية للحكومة وأرشدهم إلى الأمكنة التي دفنوا فيها السلاح!. وحقيقة الأمر إن شرهان القاطع هو أول من طلبوا منه تأسيس فرع لحزب الحكومة في القرية، وأعطوه مالاً لبناء صريفة لتكون مقراً مؤقتاً لفرع الحزب وصوراً لرئيس الدولة مع حزم من كتيبات صغيرة لخطب الرئيس عليها صورة رئيس الجمهورية، بلباسه العسكري الضيق، الذي امتلأ صدره بالأوسمة والنياشين والنجمات الذهبية، وخلفه كوكبة من رجال الأمن والمخابرات بنظاراتهم السوداء وملابسهم المعتمة! ومع ذلك كله أعطوه بذلة عسكرية المظهر، بلا رتب أو مداليات، ماعدا صورة صغيرة للرئيس مغلفة بورق السوليفان اللماع يعلقها على صدره وكاسكيتة صغيرة يضعها على رأسه، وخلال يومين تمت إقامة الصريفة ووضعت المنضدة الخشبية داخلها، وصفّت الكتب وصور رئيس الجمهورية، لكن لم يقترب أحد من أهل الجوابر لتسجيل أسمه في فرع الحزب الجديد! وراح شرهان القاطع يدور داخل الصريفة أو يقف عند بابها، مرتدياً بذلته الزيتونية الجديدة وقد وضع الكاسكيتة على رأسه في وضع متحد لأهل قريته، ناظراً إليهم من فوق إلى أسفل ومن أسفل إلى فوق!.
وخلال الأيام الأولى من البحث عن شباب القرية، الذين هم بسن الخدمة العسكرية، بدأ الشباب باستخراج السلاح المدفون تحت الأرض والخروج من القرية ليلاً عبر ممرات وطرق غير محروسة من الجنود والذهاب صوب الهور حيث الملجأ الأمين لكل من فر من أهل المدن والقرى، وفي إحدى الليالي اكتشف الجنود مجموعة من شباب القرية على وشك الفرار إلى خارج القرية فحصل تبادل إطلاق نار بين الطرفين وقُتل في تلك المواجهة أحد جنود السرية، وقبضوا على المجموعة بعد تمشيط طويل للمزارع والسواقي وأرسلوهم مخفورين إلى العاصمة. وبعد تلك الحادثة بشهر واحد ودون إنذار سابق أقاموا سبع مشانق عند نهاية القرية وأتوا بالشباب من العاصمة وقد عصبوا عيونهم وطلب الجنود من الناس بمكبرات الصوت أن يحضروا ليروا إعدام المجرمين، وأخذت النساء تصرخ والرجال يتراكضون حفاة لمعرفة مصير أولادهم وأختلط الحابل بالنابل، ولم يتعرف الناس على الشباب السبعة، الذين غطوا رؤوسهم بأكياس من قماش حمراء ووضعوا على صدورهم يافطات خشبية حملت أسماءهم وأعمارهم وتاريخ محاكمتهم وجريمتهم: الهروب من الجيش ورفع السلاح بوجه الحكومة!. وأزاحوا البراميل الصغيرة من تحت أقدامهم، فتأرجحوا في الهواء وانتفضت الأجساد الشابة مرات عديدة قبل أن تخمد حركتها إلى الأبد، وتدافعت النساء مع الجنود المسلحين، الذين كانوا يقفون بصفوف عديدة لمنع الناس من الاقتراب من المعدومين، وتعالى عويل الرجال، ورفع الشيوخ رؤوسهم إلى السماء طالبين من الله أن يبعث الإمام من موته لينتقم من الظالمين، وظهر شرهان القاطع بملابسه الزيتونية وبيده بندقية كلاشنكوف وإلى جواره أبنه الشاب سامي وهو يقول للناس أن الخطأ هو خطأ الشباب السبعة، لأنهم رفعوا السلاح بوجه حكومة الثورة وحزبها القائد ؛ وقتلوا أحد الجنود وكان الناس في غاية الحزن والقهر، وحالما ذهب الجنود هرع الناس للجثث المعلقة وقطعوا الحبال وأنزلوا الميتين وأزالوا الأكياس الحمراء عن الوجوه الحبيبة، وكلما اكتشفت مجموعة من الناس ابناً لها تعالت الصرخات وشقت النساء ثيابهن وأهالن التراب فوق رؤوسهن وحملوا الجثث إلى صريفة سجاد الغسال، لغرض تغسيلها وتشييعها إلى النجف لدفنها هناك!..
- 31 -
دخل شيخ المعدان مع صاحبته البغدادية وكانت تنتهره بصوت عال ليستعجل نزع ملابسه، كان مرتدياً الكثير من الملابس بعضها فوق البعض كعادة المعدان، لم تصبر عليه وأخذت تسبه سباً بذيئاً وهو لا يجرؤ على الرد عليها بصوت عال بل يرد كل سبة بأخرى في قلبه! كانت نائمة على ظهرها فوق سرير خشبي قديم، متهالك، وأخرجت ساقيها العاريتين تحت ضوء المصباح، وأخذت خصلة من شعرها الطويل ووضعتها بين شفتيها للإغراء، وحالما أكمل نزع لباسه الداخلي الطويل المتسخ حتى أثارت ملابسه المنزوعة موجة من الرائحة الكريهة وأختلطت بنتانة الغرفة المظلمة! وعند مقدمة السرير أستقرت مرآة طويلة مشروخة في الوسط فعكست عري الشيخ مرتين، فكل شرخ في المرآة عراه مرة، وحين رأى ذلك أنكمش خجلاناً متعرقاً، وسحبته المرأة من معصمه فتعثر بالسرير ووقع فوقها، وبسبب خجله وإرتباكه لم تطاوعه رجولته، فبقي هكذا فوقها، كالمغلوب على أمره، لا يتحرك ولا يبدو أن رجولته ستستجيب، فأخذت تسبه من جديد سباً بذيئاً، ومدت يدها إليه، وفعلت شيئاً بأصابعها المدربة على مسرى العروق في ظهره، فقضت على خجله وإرتباكه وجعلته يتوفز ليقتنص من جمالها الثر المطروح أمامه وتبتل ساقيته بفيضها المألوف، وعطرها الرخيص ينثال حوله ويمتلئ سمعه بتنهداتها وصرخاتها المصطنعة، في حرارة الغرفة وبخارها الساخن وتشبثاتها العشوائية بصدره وأذنيه وذراعيه، ممثلة دور العاشقة المتدلهة بحبه، وكغريقة وجدت وسط اليم جذعاً طافياً أودعته كل أمنياتها بالنجاة!.
حين اطمأن السري إلى وجودهم في غرف المتعة خرج من المبغى قاصداً مركز الشرطة القريب، فرحبوا به وأبلغهم بقصة الشيوعيين اللذين يتابعهما منذ العصر، واصطحب بعد ذلك عدداً من الشرطة لإلقاء القبض عليهما حالما يغادران المبغى، ومن جديد رجع إلى ذلك البيت القديم، فوجدهما يهمان بالمغادرة، فخرج قبلهما وحالما أصبحا في الشارع هجمت عليهما الشرطة، فصرخ جاسم منبهاً شيخ المعدان فطار صوابه وهو يرى رجال الشرطة ببزاتهم الرسمية، وقفل راجعاً إلى الوراء وحالت بينهما وبين الشرطة مجموعة من السكارى خرجت تواً من المبغى ودخلا من جديد في ازدحام المبغى ودخل ثلاثة من الشرطة وراءهما، وصرخ شيخ المعدان: جويسم.. انفضحنا وانتهى الأمر!. ودخلا غرفة إلى اليسار من رعبهما، فصرخت المومس التي كانت فيها وفز مرعوباً الرجل الذي كان يعانقها، وفر عارياً إلى خارج الغرفة صارخاً: عقارب!.. عقارب يا رجال! وذلك ما يطلقه رواد المبغى في ساعات الخطر، معتقدين أن الشرطة السرية ستلقي القبض على الجميع! وارتفع صراخ القحاب في الباحة، ووقفت القوادة العجوز بوجوه الشرطة وهي تضع يديها حول خصرها، قائلة لهم: إن المكان مرخص من الحكومة، وليس لهم الحق بالدخول عنوة!. وبدأت تسبهم سباً بذيئاً لم يسمعوا مثله في حياتهم، وانحنت ملتقطة قبقابها(1) الخشبي وأخذت تضرب أقرب شرطي منها، وردد أحد الزبائن ساخراً: إن دواء الشرطة يكمن في قباقيب القحاب!. وتشجعت قحاب الباحة وهجمن على رجال الشرطة ضرباً بالقباقيب على رؤوسهم وصدورهم! وفر بضع زبائن دون أن يدفعوا للقوادة الأجور المعتادة بعد أن قضوا وطرهم، ووجدوا فرصتهم في العراك الناشب بين القحاب ورجال الحكومة، والازدحام ليفروا بجلودهم ونقودهم من المكان الذي تحول إلى ساحة معركة حقيقية، أراد شيخ المعدان أن يختفي تحت سرير القحبة وهو يرتجف عاراً وخوفاً، لكن القحبة الحائرة، التي لا تدري ماذا يحصل في الخارج صرخت بهم دون أن تعنى بتغطية جسدها العاري:
ماذا حدث؟ هل وقع السقف، كنت أعرف أن هذا سيحدث!. صرخ بها جاسم: الشرطة في أثرنا!.
فضحكت وقالت ساخرة: الحمد لله الشرطة أمرها سهل وهو مقدور عليه! جففتم الدم في عروقي أماتكما الله!. قال جاسم: أنا صاحب ليلى زميلتكم!. ففهمت إشارته وأدخلتهما الكنتور(2) الخشبي القديم وردت البابين وراءهما، فأصبحا بين الملابس القذرة، بصحبة الصراصر والبراغيث والرائحة الزنخة ويخنقهما الحر الشديد، وقد طارت الخمرة من رأسيهما وأخذا يلعنان حظهما العاثر، ولم يكن سويجت العبد مقصوداً بهذا الهجوم المباغت، لكنه رأى ما حصل للشيخ مجاري ورأى فراره من أيدي الشرطة مع صاحبه فوقع قلبه في قدميه وهو المسؤول أمام المعدان عن حماية الشيخ، فماذا يقول لهم في العودة؟! هل يرجع إليهم ويقول كالمرأة الخائبة، إنه فقد أثر الشيخ؟!. وفرح حين رأى الشرطة يخرجون من المبغى وحدهم والقباقيب المقذوفة تتبعهم إلى وسط الشارع وهم يتلمسون رؤوسهم المجروحة في عدة مواضع! ولم ير شيخه ولا جويسم مع الخارجين، وقرر أن يبقى قريباً من المبغى يراقب ليعرف نتيجة هذه الفاجعة التي حلت بهم، ثم أزداد غمه حين رأى أعداداً جديدة من الشرطة يأتون من الخلاء ليعززوا جماعتهم وأخذوا ينتشرون في الأزقة الضيقة، وقريباً من باب المبغى والبيوت المشبوهة الأخرى ويسدون الطرقات بعصيهم وبنادقهم، وقرر بعد ساعة من الانتظار غير المفيد أن البقاء في هذا المكان كارثة وعليه العودة إلى قرية الدبن لجلب المزيد من المعدان لتخليص الشيخ من ورطته التي أوقعه فيها جاسم العطية ولا أحد غيره!.
هرعت بلقيس إلى حجرة المحاصرين وأخرجتهما من كنتور الملابس وصرخت:
ماذا فعلتما ليجد كل هذا العدد من الشرطة في طلبكما؟.
قال جاسم: لم نفعل شيئاً، سكرنا في البار وجئنا إليكم، وما هربنا منهم إلا لاعتقادنا أنهم سيقبضون على الرجال الذين دخلوا مبغاكم .
حارت بلقيس وقالت: لكن مبغانا مرخص من الحكومة، ولا يمكن أن يكون تهمة، ويلجه الرجال صباحاً ومساءً كالأمراء، بعلم الحكومة ومعرفتها، فماذا حدث للدنيا هذه الليلة؟.
ونظر جاسم إلى صاحبه، الذي كان مشغولاً بإخراج عقاله، الذي سقط حول رقبته أثناء فراره، وقال: ربما أحد أعدائك فضحك فدبر لك دسيسة، لا يعلمها إلا الله!.
بدا الارتباك والخوف من الفضيحة على وجه الشيخ وردد:
أولاد عمي حالما يكتشفون ما صنعته بنفسي وما ألحقته بهم من عار، سيقيدونني إلى جذع نخلة ويطلقون علي النار بلا رأفة!.
دخلت القوادة متوترة، قالت غاضبة: قطعتما رزقنا يقطعكما الله!. وأكملت بعد ذلك وهي تسترد أنفاسها: طردت الجرابيع وأغلقت الباب بالمفتاح، لن يجرؤ أحد من الشرطة على طرق الباب!. وانتبهت لجاسم، الذي امتقع وجهه واحتد صوتها:
يا صاحب المصائب، أنت من جلب لنا كل هذا البلاء بمجيئك. البنت تعمل على باب الله، وأنت تأتي فتقطع رزقها!.
لكزتها بلقيس بكفها: اتركيه ولندبر لهما مخرجا من هذه الورطة!.
نظرت القوادة نحو بلقيس ثم باتجاه الرجلين المرتجفين، قالت: اتبعاني!. وعند خروجهم من الحجرة وجدوا القحاب في الباحة يروحن عن أنفسهن بالمهفات(3) ووضع الأحمر على الخدود والشفاه وعلك اللبـــان، قالت القوادة بصوت أمومي: انتهى العمل يا بنات، لنبحث عن مخرج لهذين البطلين!. وقف الرجلان أمام نظرات القحاب المتفحصة مرتبكين والعرق يتفصد من وجهيهما ولا يكادان يقويان على الوقوف من فرط التعب والارتباك، قالت واحدة، كمثرية الوجه تجلس على المصطبة وقد وضعت ساقاً على ساق وتدخن بشراهة:
وماذ

الكاتب فيصل عبد الحسن يقرأ إحدى قصصه في نادي الجامعة عام 1977 عندما كان طالبا في جامعة البصرة
سيرة شخصية للكاتب
· كاتب عراقي مقيم بالمغرب / الاسم : فيصل عبد الحسن
· له الكتب المطبوعة : العروس –قصص- بغداد 1986، ربيع كاذب –قصص- بغداد 1987 ، أعمامي اللصوص –قصص القاهرة 2002 وللكاتب ثلاث روايات مطبوعة : الليل والنهار بغداد1985
· أقصى الجنوب بغداد 1989 ، عراقيون أجناب الرباط 1999 ،
· نشر مئات المقالات والبحوث في الآداب والفنون والفكر في الصحف والمجلات العراقية والعربية.
· قصصه تدرس في كلية الآداب جامعة قار يونس الليبية.
· ترجمت قصصه إلى الانجليزية والروسية والفرنسية .
· صارت روايته الليل والنهار المنشورة عام 1985 مبحثا لرسالة الدكتوراه في الآداب في جامعة المستنصرية العراقية عام 1987
· صارت روايته عراقيون أجناب الصادرة عام 1999 مبحثا في رسالة دكتوراه عام 2004
* ولد الكاتب في البصرة عام 1953
* اكمل دراسته في جامعة البصرةعام 1978
*نشر أولى قصصه حين كان طالبا في الإعدادية في عام 1976
* عضو اتحاد الأدباء العراقي منذ 1984
*عضو نقابة الصحفيين العراقيين منذ 1987
.يعيش خارج العراق منذ عام 1995 كلاجىء سياسي في المغرب :
وصلة الخبر التي نقلت أسم الكاتب بين الكتاب التي أعلنت حكومة صدام حسين ردتهم على نظامها مع أكثر من سبعين كاتبا وصحافيا عراقيا لامعا ويظهر تسلسل أسم الكاتب فيصل عبد الحسن الرابع بين الاسماء أنقر الوصلة أدناه رجاء :…
http://ofouq.com/today/modules.php?name=News&file=print&sid=1296
* الكاتب العام لجمعية الرافدين العراقية للجالية العراقية في المغرب منذ عام 2005
*رئيس فخري للعديد من النوادي الثقافية في المغرب منها منتدى 2100 في الدار البيضاء.
كرمت جمعية المترجمين والمبدعين العرب الكاتب فيصل عبد الحسن في عام 2006*
أنقر الوصلة أدناه لتدخل إلى صفحة المكرمين:
http://arabswata.org/forums/showthread.php?t=4376

الكاتب فيصل عبد الحسن مع وزير الثقافة المغربي الشاعر محمد الأشعري عام 1999

اعتادت
جدتي أن تدعو الله مخلصة أن يحفظ أعمامي أثناء خروجهم ليلا لسرقة حلال المعدان * : ذهب وفضة نسائهم ، أبقارهم وجاموساتهم إذا لم يتوفر كل ذلك بسبب فقر صاحب الدار يعمدون إلى سرقة خرافه و معزاته ، وإذا لم يتوفر لهم ذلك سرقوا أي شيء من داره : القدور ، صحاف الأكل ، أسمال العائلة ، لئلا يقال إنهم غزوا وبسبب خوفهم من أن يثيروا الانتباه إليهم لم يغنموا شيئا .. جدتي أطال الله عمرها تعتقد إن المعدان من المشركين الكفار ، وسرقة حلالهم و اجب يوجبه الدين و تبيحه شرائع الملة ، وهي مفاهيم ليست صحيحة لا نعرف مِنْ مَنْ توارثها أهلنا ؟ و كان منظرها مضحكا ، وكلامها متناقضاً ، فهي تدعو الله تعالى رافعة يديها إلى السماء بخشوع عميق طيلة وقت خروج أعمامي في الهزيع الأخير من الليل لسرقة بيوت الناس ، طالبة من الله أن تتيه رصاصات المعدّان ، المتتبعة أولادها وتخطأ أهدافها ، وتسقط في التراب ولا تصيبهم ، فهم شغاف قلبها وزهرة عمرها ، وعند عودتهم فجرا سالمين ، غانمين ، تطلب منهم إن صادف خروجهم ليلة الخميس على الجمعة ، أن يستحموا في الصباح الباكر ، ويرتدوا أفخر ملابسهم ، ليتقدموا الصفوف في صلاة الجمعة ، وقد أنهوا أسبوعهم بما يرفع الرأس : سرقة بيوت المعدان و حلاقة شواربهم ، و فضح جبنهم أمام نسائهم ، وعند المساء يحكي كل واحد منهم قصة عما فعله في قرية المعدان في الليلة السابقة من أفعال بطولية ، وجد ي يردد على مسمعي وأنا اكتب كل ذلك ، ومع كل هذه البطولة التي تسمعها من أفواههم فان أعمامك لصوص إلى حد ما ، ويقهقه ضاحكا ، وتعلو ضحكات الأهل وسط دخان المواقد والمطال **يشتعل فيها بنار زرقاء ، ورائحة قهوة مركزة تنتشر في الهواء ، وزفير بخار كتلي الشاي وهو يرفع الغطاء بصوت مسموع ، وارتعاش شعلة فانوس النفط في مضيف جدي الواسع تعيد تكبير ظلال الأشخاص و بعد ذلك تصغرها على جدار القصب عدة مرات ، وتقص جدتي التي توسطت جلسة العائلة ، قصة يكركر الجميع بسبها ضاحكين .
- 2-
تقول جدتي في قصتها ، أن أحد أجدادنا في ليلة من ليالي الشتاء مضى ليسرق فرس أحد المعدان و قد اشتهرت بعدوها السريع وأصالة نسبها فدخل بيت المعيدي في غفلة من عبيده وأهله عند الغروب ، واختفى بين الأغطية و الوسائد ، وكان ينصت لزوجة المعيدي و هي تعد طعام العشاء و زوجها يستعجلها بسبب جوعه الشديد ، وأخذ الجد المختفي بين الوسائد والأفرشة يشم رائحة الطعام الزكية ، فأخذ شعوره بالجوع يزداد كل لحظة ، و قرر في نفسه أن يأكل مع المعيدي و زوجته عندما يحضر الطعام مهما كلفه ذلك الأمر من المخاطر ، وأخذ ينتظر الفرصة المناسبة ، وقد جاءت سريعا من غير أن يتوقع ، فحالما أكملت زوجت المعيدي طهي الطعام أطفأت موقد النار فعمّ الظلام في الغرفة ، ووضعت الط

عنوان الكاتب فيصل عبد الحسن الالكتروني
منفى إيلاف انقر الوصلة أدناه :
http://faisal.elaphblog.com/page.aspx?U=394


فيصل عبد الحسن
قدمتني السكرتيرة إلى مدير الحديقة . كانت صغيرة ، فاتنة ، ولها لفتة ظبي وعينا يمامة ، ويبدو إنها أوضحت للمدير سبب مجيئي للحديقة قبل دخولنا عليه ، فقد حد جني المدير بنظرة متفحصة ثم رأيته يشيح بوجهه عني ، وحدست بخبرتي إنه سيعبر لي عن رفضه ، ويعتذر عن تعييني في الوظيفة الشاغرة ، فاندفعت صوبه أرجوه أنْ يعطيني هذه الفرصة ، وكررت أمامه إني سأبذل ما في وسعي من جهد في هذا العمل وبمنتهى الأمانة والإخلاص ، نظر إلي المدير من جديد كأنما ليتأكد من صدق توسلاتي وبعد أنْ فكر قليلاً بدا وكأن قلبه رق لحالي ، لكنه هز رأسه متشككاً في قدرتي على تأدية متطلبات الوظيفة ، وسألني أنْ كنت قادراً على العيش مع الأسُود ؟ !! وهذه هي حقيقة العمل المطلوب كما وضح لي … وردد : العيش مع الأُسود وأُسود معقدة تكره حتى نفسها لأنها لم تذق اللحم الحقيقي منذ تشرفت بالعيش معنا .. ( وضحك ) ، فأجبته : أنني أستطيع ذلك ، وهذا هو العمل المناسب الذي كنت أبحث عنه، قال المدير بنفس لهجته الساخرة:( ربما سنطلب منك يوماً تنظيف أسنان الأسُود بالفرشاة ومعجون الأسنان !! )
فكرت : ( طول عمري لم أسمع أنّ أحداً نظف أسنان أسد في حديقة حيوان أو سيرك بفرشاة ومعجون أسنان ..)
وتساءلت : ربما كانوا يفعلون ذلك دون أن أعرف ، فمن يعرف أسرار هذه المهن الصعبة ؟
لم أستطع التراجع عن استعدادي للعمل بالرغم من جسامة المخاطر الموعودة وإحساسي ببدني يرتجف فرقاً منذ الآن . حقيقة كنت بحاجة ماسة للعمل وأضفت لتلك الحاجة الاستحياء من إظهار خوفي أمام السكرتيرة الصغيرة الحلوة ، ومديرها الذي لم يترك وسيلة لم يستخدمها لتخويفي من العمل إلا وتحداني بها .. وأخيرا أمام صمودي البطولي الكاذب هز المدير رأسه موافقاً على تعييني كمساعد مُطْعِم للأسود – تحت التجربة – فكرت في نفسي : إنني لم أجرب إطعام أسود من قبل … لكنني لم أنبس بكلمة ، وخرجت من غرفة المدير مرتبكاً أتبع السكرتيرة لتسجيل بياناتي في مكتب شؤون العاملين المجاور ، وأنا أفكر بطريقة تجنبني هذا العمل الخطر وسأبذل أي جهد لأجد من يتوسط لي لنقلي إلى عمل آخر في الحديقة غير هذا العمل ، والمهم الآن إنني وضعت قدمي في هذا المكان ووجدت عملاً في مدينة العاطلين هذه ، وبعد أنْ سجلت بياناتي أصطحبني أحد العاملين في جولة تعريفية بأقسام الحديقة ، فلاحظت الأسود كسيرة النفوس مهيضة العزة ، ولا تبدو عليها مهابة الأسود التي نراها عادة في الصور الفوتغرافية وأفلام التلفزيون .
عرفت من العامل أنَّ عملي يتلخص بتقطيع شرائح اللحم لتقديمها إلى الأسود والنمور واللبؤات مرتين في اليوم ، المرة الأو










